حذّر الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط د. بكير أتاجان من أن التصعيد المتبادل بين إسرائيل وإيران قد يدفع المنطقة تدريجياً نحو كارثة إقليمية واسعة، في ظل ما وصفه باندفاع الطرفين وتصاعد الخطاب المتطرف – بحسب وصفه – في سياساتهما ومواقفهما.
وقال أتاجان، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، إن إسرائيل، التي يتبنى بعض التيارات فيها تصوراً لدولة تمتد بين نهري الفرات والنيل، تبدو اليوم – بحسب وصفه – في حالة اندفاع سياسي وعسكري متزايد، الأمر الذي يعكس تراجعاً في توازن حسابات القوة. وأضاف أن النظام في إيران يظهر بدوره في حالة تصعيد مستمر، ما يفاقم من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
عقلانية تركية وعربية
وأوضح "أتاجان" أن تركيا والدول العربية تحاول الحفاظ على قدر من الهدوء والعقلانية، وهو الموقف الذي يفترض أن يسود في مثل هذه اللحظات الحساسة.
وأكد "أتاجان" وجود إرادة واضحة لتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالح شعوب المنطقة، مع اتخاذ أعلى درجات الحذر حتى لا تكون هذه الدول أداة ضمن اللعبة التي تحاول إسرائيل فرضها في الإقليم. التحذير التركي يأتي في وقت تتصاعد فيه محاولات جر أنقرة إلى أتون الحرب عبر توظيف الملف الكردي كورقة ضغط في الصراع الدائر.
صراع عالمي متعدد الطبقات
وشدد الباحث التركي على أن من يظن أن ما يجري اليوم مجرد مواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فإنه يكتفي بقراءة العناوين السطحية دون أن يدرك ما يتحرك في العمق. المشهد الحقيقي يتجاوز بكثير حدود حرب تقليدية بين دول، حيث تواجه المنطقة لحظة تاريخية قد تعيد تشكيل النظام العالمي بأكمله.

ولفت إلى أن الدب الروسي بدأ يزحف بثقله مجدداً إلى ساحة التوازنات الدولية، مستعيداً دوراً يحاول الغرب منذ سنوات تقليصه.
التنين الصيني يمد جناحيه
وفيما يخص موقف الصين، أوضح "أتاجان" أن التنين الصيني يمد جناحيه بهدوء ولكن بثبات، من الفضاء إلى الاقتصاد، ومن التكنولوجيا المتقدمة إلى شبكات التجارة العالمية. ونوّه إلى أن بكين تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة مركزية في النظام الدولي الجديد، بينما تحاول القوى التقليدية الدفاع عن نفوذها التاريخي في منطقة تحولت اليوم إلى القلب الجيوسياسي للصراع العالمي.
وأكد أتاجان أن ما يجري ليس مجرد تبادل للضربات الصاروخية، بل هو صراع متعدد الطبقات تتداخل فيه أدوات القوة الصلبة والناعمة في آن واحد.
من الصواريخ إلى الذكاء الاصطناعي
كما رسم أتاجان صورة معقدة للصراع الدائر، مشيراً إلى وجود حرب عسكرية تُرسم حدودها بالنار حيث تتحول الجغرافيا إلى خطوط اشتباك مفتوحة. إلى جانبها حرب اقتصادية تُخاض بالعملات وأسواق الطاقة والممرات التجارية التي تحدد مستقبل الاقتصاد العالمي.
الباحث التركي لفت إلى وجود حرب تكنولوجية صامتة تقودها الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وأنظمة السيطرة الرقمية، وهي حرب قد تكون أكثر حسماً من المدافع والصواريخ. فوق ذلك كله، تشتعل حرب طائفية قذرة يحاول البعض تأجيجها لتفتيت المجتمعات من الداخل وتحويلها إلى ساحات صراع دائم.
النظام العالمي يولد من جديد
وبيّن "أتاجان" أن التاريخ يخبرنا أن النظام العالمي لا يبقى ثابتاً إلى الأبد، بل يعاد تشكيله عادة كل قرن أو قرنين عندما تتغير موازين القوة الكبرى. مضيفا أن ما نشهده اليوم قد يكون إحدى تلك اللحظات المفصلية التي تسبق ولادة توازن دولي جديد.
كما شدد على أن السؤال الحقيقي لم يعد "من سيطلق الصاروخ التالي؟" بل أصبح "من سيتمكن من بناء الدولة القادرة على البقاء متماسكة وقوية عندما ينتهي هذا الزلزال السياسي؟".
تحذير للخليج
وحذر أتاجان من أن بعض التحركات الإقليمية تبدو وكأنها تسعى إلى زج منطقة الخليج في مستنقع مواجهة مفتوحة مع إيران. ولفت إلى أن إشعال هذه الجبهة لا يهدد استقرار المنطقة فحسب، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراعات الكبرى، حيث تتقاطع الطموحات الجيوسياسية مع المطامع الاستراتيجية للقوى الدولية.
واختتم الباحث التركي تحليله بالتأكيد على أن ما نراه اليوم قد لا يكون سوى بداية فصل جديد في صراع طويل على شكل العالم القادم.










