حلّل الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان، تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لـCBS News بأن الحرب قد "اكتملت"، مشيراً إلى أن الأمر بدا للوهلة الأولى وكأنه إعلان نصر عسكري واضح.
وأكد أتاجان، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن القراءة المتأنية للمشهد الجيوسياسي تكشف أن الأمر لم يكن نهاية صراع بقدر ما كان إعادة ضبط لمعادلة الأزمة. الولايات المتحدة لا تسعى دائماً إلى إنهاء الصراعات جذرياً، بقدر ما تسعى إلى إدارتها والتحكم في إيقاعها، حيث تتحول الأزمات في السياسة الدولية إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى.
استراتيجية أمريكية قديمة
وأوضح أتاجان أن هذه المقاربة ليست جديدة في تاريخ العلاقات الدولية، فالقوى الكبرى غالباً ما تفضّل بقاء خصومها ضمن مستوى معين من القوة.
وأشار إلى أن القوة المطلوبة تكفي لتبرير التحالفات العسكرية وتعزيز النفوذ، لكنها لا تصل إلى حد تهديد التوازن الاستراتيجي فعلياً.
من هذا المنظور، يصبح بقاء إيران في موقع "التهديد المحكوم" جزءاً من معادلة أوسع تحكم بنية الأمن في الشرق الأوسط، حيث يتحول الخصم الدائم إلى عنصر استقرار للنفوذ الأمريكي، وفقا لـ"أتاجان".
اقتصاد الخوف
ونوّه الباحث التركي إلى أن أحد الأبعاد الأكثر تأثيراً في هذه المعادلة هو البعد الاقتصادي، حيث يشكل التوتر الدائم في الشرق الأوسط محركاً رئيسياً لأسواق السلاح العالمية.

وشدد "أتاجان" على أن الصناعات العسكرية الأمريكية تتصدر هذه الأسواق، ففي ظل استمرار المخاوف الأمنية تتدفق مليارات الدولارات نحو أنظمة الدفاع المتقدمة.
وأضاف: "منظومات باتريوت وTHAAD وغيرها من أنظمة التسليح تجد سوقاً رائجة في منطقة تعيش على وقع التهديد الدائم، مما يحول "التهديد" إلى عنصر داخل منظومة اقتصادية كاملة".
التهديد سلعة: لماذا لا تريد واشنطن تصفيته؟
وأكد "أتاجان" أن وجود خصم دائم تحت السيطرة يوفّر مبرراً مستمراً لتوسيع البنية الدفاعية وتعزيز التحالفات العسكرية وشراء الأسلحة.
ولفت إلى أنه من منظور براجماتي بحت، قد يعني القضاء الكامل على هذا التهديد تفكيك جزء من البنية الاقتصادية والأمنية التي تشكّلت حوله.
وطرح أتاجان سؤالاً جوهرياً: لماذا تقتل الولايات المتحدة نظاماً يدرّ عليها مليارات الدولارات سنوياً عبر سباق التسلح الذي يغذيه وجوده؟
الخوف من الصين
وربط أتاجان المعادلة العسكرية بالصراع الجيوسياسي الأوسع في النظام الدولي، خصوصاً مع صعود الصين كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة. الشرق الأوسط يشكّل أحد أهم المفاصل في التوازنات الدولية، سواء بسبب موقعه في شبكة الطاقة العالمية أو بسبب موقعه الجغرافي في طرق التجارة الدولية.
ووفقت "أتاجان"، ففي حال استقر الإقليم استقراراً كاملاً، قد تتجه بعض دوله إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية وربما تعميق علاقاتها مع بكين، مما يجعل بقاء مستوى معين من التوتر ضرورياً لإبقاء المنطقة ضمن المظلة الأمنية الأمريكية.
صراع لا ينتهي وحرب لا تبدأ
وخلص الباحث التركي إلى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط غالباً ما تقوم على معادلة دقيقة: صراع لا يتصاعد إلى حرب شاملة، لكنه لا ينتهي تماماً أيضاً.
وبين أن هذا التوازن يسمح لواشنطن بالحفاظ على دورها كضامن أمني رئيسي في المنطقة، ويمنحها في الوقت ذاته نفوذاً سياسياً واقتصادياً واسعاً.
وأكد "أتاجان" أن المسألة لا تتعلق بمجرد حرب انتهت أو نظام بقي، بل المسألة الأعمق هي كيفية إدارة القوة والنفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
إعادة تموضع داخل صراع لم ينتهِ
وفي ختام تصريحه، أوضح "أتاجان" أن الهدف لا يكون دائماً القضاء على الخصم، بل أحياناً الإبقاء عليه ضمن معادلة يمكن التحكم بها.
وشدد "أتاجان" على أن إعلان "نهاية الحرب" لم يكن سوى إعادة تموضع داخل صراع لم ينتهِ بعد، حيث تتحول الجغرافيا السياسية إلى ساحة شطرنج دولية. بين خطاب الانتصار العسكري وواقع الحسابات الجيوسياسية، يبدو أن ترامب أعلن نهاية مرحلة عسكرية لتبدأ مرحلة جديدة من إدارة الأزمة، في منطقة تبقى فيها إيران "تهديداً محكوماً" يغذي مصالح كبرى.










