21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. أسعد العويوي يكتب: خيار شمشون.. أسطورة الردع الأخيرة… هل يتآكل في ظل صعود إيران؟

إيران، التي بنت استراتيجيتها على مزيج من القوة الصاروخية، والحروب غير المباشرة، وشبكة الحلفاء الإقليميين، لا تواجه إسرائيل بالطرق التقليدية.

بقلم: د. أسعد العويوي
٢٢ مارس ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
44 مشاهدة
سقوط صواريخ إيرانية على تل أبيب.

سقوط صواريخ إيرانية على تل أبيب.

في الشرق الأوسط، حيث تُصاغ المعادلات الأمنية على حافة الهاوية، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه الدول من جيوش، بل بما تستطيع أن تُقنع خصومها بأنها قادرة على فعله في لحظة النهاية. هنا يظهر مصطلح “خيار شمشون” كواحد من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والغموض، منسوبًا إلى إسرائيل، ومستلهمًا رمزيًا من قصة شمشون الذي أسقط المعبد على نفسه وعلى أعدائه.

هذه العقيدة، التي لم تُعلن رسميًا لكنها حاضرة بقوة في أدبيات الأمن والاستراتيجية، تقوم على فكرة بسيطة وخطيرة: إذا واجهت الدولة تهديدًا وجوديًا، فإنها لن تسقط وحدها، بل ستسحب معها خصومها إلى دمار شامل. إنها ليست خطة حرب بقدر ما هي “رسالة أخيرة” موجهة لكل من يفكر في دفع الصراع إلى نقطة اللاعودة.

لكن، ومع التحولات المتسارعة في الإقليم، يطرح سؤال نفسه بإلحاح: هل ما زال هذا الردع قائمًا بالفعالية ذاتها؟ أم أن صعود إيران، بما تحمله من مشروع إقليمي وقدرات عسكرية متنامية، بدأ يُحدث تصدعات في هذه المعادلة؟

إيران، التي بنت استراتيجيتها على مزيج من القوة الصاروخية، والحروب غير المباشرة، وشبكة الحلفاء الإقليميين، لا تواجه إسرائيل بالطرق التقليدية. فهي لا تسعى إلى مواجهة شاملة مباشرة، بل إلى استنزاف طويل الأمد، يُبقي الصراع تحت عتبة الحرب الكبرى. هذا النوع من الصراع يضع “خيار شمشون” في موقف معقد: فالعقيدة مصممة للحظة انهيار كلي، لا لحروب الظل والتآكل البطيء.

في المقابل، لا تزال إسرائيل تحتفظ بتفوق نوعي، سواء في التكنولوجيا العسكرية أو في قدرتها على توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى. كما أن الغموض الذي يحيط بترسانتها النووية يعزز من قوة الردع، إذ يترك للخصوم مساحة واسعة للتخمين—وغالبًا للمبالغة في تقدير المخاطر.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في القدرات، بل في “المصداقية”. فكل عقيدة ردع تعتمد في جوهرها على اقتناع الخصم بأن الطرف الآخر مستعد فعلًا لتنفيذ تهديداته. وهنا، يدخل العامل السياسي والأخلاقي: هل يمكن لدولة، مهما كان حجم التهديد، أن تقدم على خيار يؤدي إلى دمار متبادل بهذا الحجم؟ أم أن هذا الخيار، في جوهره، مصمم ليبقى غير مستخدم—سلاحًا نفسيًا أكثر منه أداة فعلية؟

من جهة أخرى، يدرك صانع القرار في طهران أن تجاوز الخطوط الحمراء قد يفتح الباب أمام سيناريوهات لا يمكن التحكم بها. لذلك، يبدو أن الطرفين يتحركان ضمن “رقصة حافة الهاوية”، حيث يتم اختبار الحدود باستمرار، دون القفز إلى الفراغ.

في هذا السياق، لا يمكن القول إن إيران “أسقطت” خيار شمشون، لأن هذا الخيار ليس نظامًا عسكريًا يمكن تعطيله، بل هو فكرة ردعية قائمة على الاحتمال. لكن يمكن القول إن البيئة التي يعمل ضمنها هذا المفهوم أصبحت أكثر تعقيدًا، وربما أقل قابلية للتنبؤ.

الخاتمة

في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان “خيار شمشون” ما زال قائمًا، بل ما إذا كان العالم قادرًا على تحمل مجرد وجوده. ففي منطقة تتشابك فيها الحسابات النووية مع الصراعات غير التقليدية، يكفي خطأ واحد في التقدير—أو لحظة اندفاع غير محسوبة—لتحويل الأسطورة إلى واقع. وعندها، لن يكون هناك منتصرون… بل فقط ناجون يروون كيف بدأ كل شيء بفكرة الخيار الأخير.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير