في لحظة تاريخية مفصلية، يتخلى فيها الاحتلال الصهيوني عن آخر أقنعة الشرعية التي كان يتستر بها طوال عقود، يبرز "قانون إعدام الأسرى" ليس كفعل تشريعي معزول، بل كوصفة إدانة ذاتية لمنظومة الاستعمار الاستيطاني بأسرها، حيث يرى المحلل السياسي الفلسطيني، محمد مصطفى شاهين، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن هذا القانون يتجاوز كونه مجرد رد فعل انتقامي صادر عن "الكنيست" الإسرائيلي، ليصبح تعبيراً استراتيجياً عن مشروع يهدف في جوهره إلى تصفية الوجود الفلسطيني المادي والمعنوي، وإنهاء أي إمكانية لمقاومة مشروعة على الأرض.
إن هذا التوجه يعلن صراحة أن الاحتلال لم يعد يكتفي بسياسات الاعتقال الإداري والتعذيب الممنهج والحصار الخانق، بل بات يطالب بـ "شرعنة القتل" عبر أداة سياسية تهدف لإسكات صوت الحرية، متجاهلاً أن هذا القانون يظل باطلاً من الناحيتين القانونية والأخلاقية، لاصطدامه المباشر بقواعد القانون الدولي الإنساني التي لا تقبل التأويل المنحاز.
المقاومة حق مكفول: الأسرى الفلسطينيون في ميزان الشرعية الدولية
يشدد المحلل محمد مصطفى شاهين على ضرورة تصحيح المصطلحات التي يحاول الاحتلال تزييفها عبر أبواقه الإعلامية؛ فالأسرى الفلسطينيون ليسوا "مجرمين" ولا "إرهابيين"، بل هم مقاتلون من أجل الحرية يمارسون حقاً مشروعاً في مقاومة الاحتلال الأجنبي، هذا الحق لم يأتِ من فراغ، بل أقرته الشرعية الدولية بوضوح في البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، وتحديداً في المادة الأولى (الفقرة 4)، التي تنص على أن النزاعات المسلحة تشمل تلك التي تخوضها الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والأنظمة العنصرية ممارسةً لحقها في تقرير المصير، وبناءً على ذلك، فإن المقاومة الفلسطينية، بكافة أشكالها، تندرج ضمن هذا الإطار القانوني، مما يمنح الأسرى صفة "المقاتلين النظاميين" أو "شبه النظاميين"، الذين يجب أن يتمتعوا بالحماية الكاملة التي توفرها اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب.
اتفاقيات جنيف والضمانات القضائية: تشريعات الاحتلال في قفص الاتهام
عند فحص قانون إعدام الأسرى بمجهر القانون الدولي، نجد أن المادة 13 من اتفاقية جنيف الثالثة توجب معاملة الأسرى معاملة إنسانية وتحظر أي عمل من أعمال العنف ضدهم. كما أن المادة 100 من نفس الاتفاقية تضع شروطاً تعجيزية لفرض عقوبة الإعدام، محصرةً إياها في جرائم خطيرة جداً وضمن إجراءات قضائية عادلة تماماً وغير تمييزية، أما اتفاقية جنيف الرابعة، فقد جاءت في المادة 68 لتقيد فرض هذه العقوبة في الأراضي المحتلة، مشترطةً أن تكون الجريمة معاقباً عليها بالإعدام في تشريع الأرض المحتلة "قبل بدء الاحتلال"، مع توفر ضمانات قضائية كاملة بموجب المادة 71. إن أي إعدام يتم خارج هذه الضوابط الصارمة يعتبر، بلا شك، جريمة حرب موصوفة وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، وتحديداً المادة 8 التي تجرم الحرمان العمدي من حقوق المحاكمة العادلة.
الحق في الحياة: تعارض التشريعات الوطنية الإسرائيلية مع العهود الدولية
لا يتوقف بطلان هذا القانون عند حدود اتفاقيات جنيف، بل يمتد ليشمل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، الذي انضمت إليه إسرائيل رسمياً. تنص المادة 6 من هذا العهد على منع الحرمان التعسفي من الحياة، مؤكدة أن عقوبة الإعدام لا تفرض إلا بموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة. كما تأتي اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984 لتعزز هذا الإطار بتحريم أي إجراء يفضي إلى الموت تحت الإكراه.
يوضح شاهين أن هذه النصوص ليست مجرد "توصيات أخلاقية" يمكن تجاهلها، بل هي التزامات قانونية دولية ملزمة، وأي تشريع وطني صادر عن الكنيست يتعارض معها يعتبر باطلاً ومنعدم الأثر بموجب مبدأ "التسلسل الهرمي للقواعد الدولية"، الذي يمنح السمو للاتفاقيات الدولية على القوانين المحلية.
الإعدام كأداة للانتقام الجماعي: قراءة في فلسفة "الأرض المحروقة"
إن قانون إعدام الأسرى يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة العقاب لدى الاحتلال؛ فهو يحول الإعدام من عقوبة فردية (رغم بطلانها) إلى أداة سياسية للانتقام الجماعي. الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، سواء في "مجدو" أو "عوفر" أو معتقلات الضفة، هم نتاج واقع استعماري مرير مستمر منذ أكثر من سبعة عقود، إنهم يمثلون الأجيال التي رفضت التسليم بمنطق "الأرض المحروقة" الذي مارسه الاحتلال منذ نكبة عام 1948، وهم الورثة الشرعيون لثورة 1936 وانتفاضة 1987. لذا، فإن وصف مقاومتهم بالإرهاب هو إنكار للحقيقة التاريخية والقانونية التي تؤكد أن الاحتلال هو أعلى درجات "الإرهاب المنظم"، كما وصفته قرارات الأمم المتحدة المتكررة (مثل القرار 1514 والقرار 2625) بشأن حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن السيطرة الأجنبية.
انهيار النظام الدولي: تداعيات شرعنة القتل في مناطق النزاع
يحذر محمد مصطفى شاهين من أن الدفاع عن حقوق الأسرى الفلسطينيين يتجاوز البعد الإنساني المباشر ليكون دفاعاً عن جوهر النظام الدولي بأسره. فإذا سُمح لدولة احتلال أن تشرع الإعدام بحق من يقاومها، فإننا نشهد انهياراً كاملاً لمبدأ المساواة أمام القانون الدولي، مما يفتح الباب أمام أي قوة احتلال في العالم لارتكاب المجازر تحت غطاء تشريعي. إن المشروع الصهيوني، المدعوم بالقوة العسكرية والدعم الأمريكي اللامحدود، وصل اليوم إلى مرحلة "الإبادة القانونية"، حيث لم يعد الهدف معاقبة الفعل المقاوم، بل قتل الأمل الفلسطيني وتدمير الذاكرة الجمعية وقتل المستقبل في نفوس الأجيال الصاعدة التي ترى في الأسير رمزاً للكرامة والشموخ الوطني.
الحرية حق ينتزع: مسؤولية المجتمع الدولي تجاه قضية الأسرى
الأسرى الفلسطينيون هم الذين رفضوا أن يكونوا مجرد "أرقام" في إحصاءات الاحتلال أو بضاعة في سوق المفاوضات السياسية. كل أسير يحمل خلف جدران الزنزانة قصة شعب يناضل من أجل الانعتاق، وكل محاولة لإعدامه هي محاولة فاشلة لاغتيال تلك الرواية التاريخية. يشدد شاهين على أن المطالبة بإلغاء هذا القانون وإطلاق سراح كافة الأسرى – كما تنص المادة 118 من اتفاقية جنيف الثالثة عقب انتهاء الأعمال العدائية – هي واجب قانوني وأخلاقي يقع على عاتق المجتمع الدولي. إن الشعب الفلسطيني وأحرار العالم يرون في هذا القانون بداية لمرحلة جديدة من الوعي الدولي بوجه الاحتلال الحقيقي، مؤكدين أن حبال المشانق لن تطفئ نار الحرية، بل ستكون شواهد إضافية في سجل الإدانة الدولية الذي لا يُمحى.









