20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: حين يصبح السلام اختباراً للسيادة لا إنجازاً سياسياً

في السياسة، لا أحدُ “ينتصرُ بالكامل”، ولا أحدُ “يستسلمُ بالكامل”، إلّا إذا انهار كُلّيّاً. تلك ليست عبارةً إنشائيّة، بل خلاصة قرونٍ من الصراعات التي لم تُحسم يوماً بإرادة طرفٍ واحد، بل بتوازناتٍ معقّدة تُعيد تشكيل نفسها عند كل مفصل تاريخي.

بقلم: د. ليون سيوفي
٢٤ أبريل ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
35 مشاهدة
حين يصبح السلام اختباراً للسيادة لا إنجازاً سياسياً

حين يصبح السلام اختباراً للسيادة لا إنجازاً سياسياً

في السياسة، لا أحدُ “ينتصرُ بالكامل”، ولا أحدُ “يستسلمُ بالكامل”، إلّا إذا انهار كُلّيّاً. تلك ليست عبارةً إنشائيّة، بل خلاصة قرونٍ من الصراعات التي لم تُحسم يوماً بإرادة طرفٍ واحد، بل بتوازناتٍ معقّدة تُعيد تشكيل نفسها عند كل مفصل تاريخي.  

المعادلة الحقيقية أبسط ممّا تبدو، وأقسى ممّا يُقال:  من يُفاوض من موقعِ قوّة، يربح… ومن يُفاوض من موقعِ ضعف، يدفعُ الثمن.  

بين هذين الحدّين، تتحرّك الدول، وتُبنى القرارات. فلا الحروب تُخاض دائماً لتحقيق نصرٍ كامل، ولا المفاوضات تُدار دائماً لتكريس هزيمةٍ كاملة. بل إنّ المساحة الرمادية بينهما هي حيث تُصاغ النتائج الفعلية: تنازلاتٌ متبادلة، مكاسبُ نسبية، وخسائرُ مؤجّلة.  

في الحالة اللبنانية، لا يمكن قراءة أي مسار تفاوضي بمعزلٍ عن هذا الميزان الدقيق. فلبنان لا يدخل أي مفاوضات كدولةٍ منفصلة عن محيطه، بل كجزءٍ من شبكة صراعات إقليمية تتداخل فيها مصالح الولايات المتحدة، وحسابات إيران، وأولويات إسرائيل. وبالتالي، فإن موقعه التفاوضي لا يُقاس فقط بقدراته الداخلية، بل أيضاً بموقعه ضمن هذه المعادلة الأوسع.  

حين يكون ميزان القوة راجحاً، تتحوّل المفاوضات إلى أداة تثبيت مكاسب. وحين يختلّ هذا الميزان، تصبح المفاوضات محاولة لتخفيف الخسائر، لا لتحقيق الانتصارات. وهنا تحديداً يكمن الخطر: أن يُسوَّق أي اتفاق على أنه “إنجاز”، فيما هو في الواقع إدارة خسارة، أو تأجيل مواجهة.  

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن رفض التفاوض من حيث المبدأ لا يُنتج قوة، كما أن القبول بأي شروط لا يُنتج استقراراً. المسألة ليست في المبدأ، بل في الشروط، وفي القدرة على فرضها أو تعديلها.  

لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح في لبنان اليوم ليس: هل نتفاوض أم لا؟ بل: من أي موقعٍ نتفاوض؟ وبأي أوراق؟ ولأي هدف؟  

إنّ الدول التي تعرف وزنها، تُحسن استخدام ضعفها كما تُحسن استخدام قوتها. أمّا الدول التي تجهل موقعها، فتدخل المفاوضات بشعاراتٍ كبيرة وتخرج منها بتنازلاتٍ أكبر.  

وهنا تحديداً، تتحمّل رئاسةُ الجمهورية مسؤوليةً تاريخية. فقرار السلام، إن طُرح، لا يجب أن يكون مجرّد استجابةٍ لضغوط خارجية، ولا محاولةً لتسجيل إنجازٍ سياسي سريع، بل خياراً سيادياً مبنياً على توازنٍ واضح بين ما يُعطى وما يُؤخذ.  

فالسلام الذي لا يحفظ الكرامة الوطنية، ليس سلاماً… بل هدنةٌ هشّة.  
والاتفاق الذي لا يُبنى على قوةٍ تفاوضية، ليس إنجازاً… بل إعادةُ تعريفٍ للخسارة.  

في النهاية، السياسة ليست ساحةً للأمنيات، بل ميدانٌ الحسابات الدقيقة. ومن لا يُجيدُ الحساب، يجد نفسَه دائماً في موقعِ مَن يدفعُ الثمن… ولو ظنّ لوهلةٍ أنّه يربح.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير