أشعر وأنا أتابع ما يجري حول مضيق هرمز أن العالم لا يقف أمام أزمة واحدة، بل أمام سلسلة أزمات مترابطة، يمكن لأي منها أن تشعل الأخرى. فالممر الذي يُعد شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية لم يعد مجرد نقطة توتر اقتصادية، بل بات جزءًا من لوحة أوسع تتشكل فيها ملامح تصعيد إقليمي متعدد الجبهات.
حين وصف ماركو روبيو المضيق بأنه “سلاح اقتصادي”، بدا ذلك وكأنه إقرار بحجم المخاطر الكامنة في هذه البقعة الصغيرة جغرافيًا، الكبيرة تأثيرًا. لكن ما يثير القلق أكثر هو تزامن هذا التوتر مع تصعيد ميداني في أكثر من ساحة، ما يجعل احتمالات الانفجار أكبر وأكثر تعقيدًا.
في لبنان، تبدو المواجهة مع إسرائيل وكأنها تسير على حافة اشتعال واسع. الاشتباكات المحدودة والضربات المتبادلة لم تعد مجرد حوادث معزولة، بل مؤشرات على واقع قابل للانفجار في أي لحظة، خاصة في ظل غياب أفق سياسي واضح يحد من هذا التصعيد.
وفي الوقت نفسه، يستمر التصعيد الإسرائيلي على الأرض في الأراضي الفلسطينية، من خلال العمليات العسكرية والضغوط اليومية التي يعيشها السكان. بالنسبة لي، لا يبدو هذا التصعيد حدثًا منفصلًا، بل جزءًا من سياق أوسع يعكس غياب حل جذري للصراع. فكل جولة توتر، وكل مواجهة جديدة، تعيد التأكيد على أن الأزمة الأساسية ما زالت قائمة دون معالجة حقيقية.
لهذا أجد نفسي أعود دائمًا إلى جوهر المسألة: القضية الفلسطينية. هذه القضية ليست مجرد ملف سياسي مؤجل، بل هي العامل الأعمق الذي يغذي حالة عدم الاستقرار في المنطقة. تجاهلها أو محاولة الالتفاف عليها لا يؤدي إلا إلى نقل التوتر من جبهة إلى أخرى، من غزة إلى لبنان، ومن هناك إلى الخليج.
المقارنة مع أزمات مثل أزمة النفط 1973 وأزمة النفط 1979 تبدو مغرية، لكنها لا تعكس كامل الصورة. ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة طاقة، بل تداخل بين الاقتصاد والسياسة والأمن، مع احتمالات تصعيد عسكري متزامن في أكثر من محور.
أتخيل السيناريو الأسوأ: اضطراب في إمدادات الطاقة عبر هرمز، تصعيد واسع في لبنان، واستمرار المواجهة في الأراضي الفلسطينية. عندها، لن يكون التأثير اقتصاديًا فقط، بل سيمتد إلى استقرار دول ومجتمعات بأكملها. وحتى القوى الكبرى مثل الصين، التي تفضل التهدئة، قد تجد نفسها أمام خيارات صعبة إذا تضررت مصالحها الحيوية.
ورغم كل هذا القلق، أحاول أن أكون واقعيًا. العالم يمتلك أدوات لتخفيف الصدمات، لكن المشكلة ليست في الإمكانيات، بل في غياب الحلول السياسية الحقيقية. لأن أخطر ما في المشهد الحالي هو هذا التراكم: أزمات تتداخل، وتصعيد يتكرر، وجذور صراع تُترك دون حل.
في النهاية، يبدو لي أن المنطقة لا تعيش فقط لحظة توتر، بل مرحلة اختبار حقيقية. فإما أن يتم احتواء هذا التصعيد عبر معالجة أسبابه العميقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، أو أن يستمر الانزلاق التدريجي نحو مواجهة أوسع، قد لا تبقى محصورة في حدود الجغرافيا، بل تمتد آثارها إلى العالم بأسره.










