حين تنتفض المدن، وتضطرب الأزقة بالهتافات، وتعلو الرايات التي كُتبت بحبر الغضب، نُخدع للحظة بأننا أمام مشهد صادق من مشاهد التوق إلى الحرية. بيد أن الزمن، وهو الناقد الصامت الذي لا يرحم، سرعان ما يفضح نوايا الأشياء، فتتساقط الأقنعة تباعاً، ولا يعود في الميدان إلا ذلك السؤال النافذ كسكين في خاصرة الوهم: هل نحن نطلب الحرية فعلاً، أم أننا لا نطلب منها إلا دفء نتائجها؟ ذلك السؤال الذي ينسحب من الميادين حين تخبو الهتافات، ويتسلل إلى البيوت حين يُغلق الباب على النفس الحائرة بين ما تهتف له وما تخشاه، ليستقر في الصدر ساكناً، ثقيلاً، لا يغادر.
والحق أن للحرية وجهاً صارماً، متعباً، لا يشبه الصورة التي رسمها الشعراء فوق جبين المشانق. إنها مسؤولية شاقة قبل أن تكون جناحاً يحلق، وجذوة يقظة لا تنطفئ قبل أن تكون نشيداً يُغنّى. ومن هنا تحديداً ينفذ عبد الرحمن الكواكبي إلى صميم الداء بعين الطبيب الذي يجسّ نبض العلل دون مجاملة، فيكشف لنا أن المستبدين لا يصنعون استبدادهم وحدهم، بل تشترك في صناعته رعية خائفة من وهج الحرية، تطلب الأمان لا الحرية، وتشتهي رغيف الخبز قبل سؤال المعنى، وتؤثر الظل الثقيل للوصاية على الشمس الحارقة للاختيار الفردي. إننا، في العمق، نريد ثمار الحرية دون أن نتحمل عناء حراثة أرضها، نريد الكرامة التي تمنحنا إياها، ولكننا نرتجف من خياراتها المفتوحة على المجهول. هكذا، يتحول الحراك الذي حسبناه ثورة إلى مرآة لا تعكس إلا وجوهنا نحن، بكل ما فينا من خوف متجذر من أن نكون أحراراً حقاً، بكل ما ورثناه من قدرة على الصراخ في الشارع وعجز عن إدارة الصمت في غرفة مغلقة حيث يُصاغ القدر فعلاً.
إن هذه المشهدية المتكررة – الانتفاضة ثم الانكفاء، الهتاف ثم الصمت، رفع الرايات ثم طيها في صناديق الانتظار – لم تعد حدثاً طارئاً في التاريخ العربي، بل صارت بنيةً قائمة بذاتها، أشبه بجدار أملس هائل لا تصطدم به الرؤوس فحسب، بل تنزلق عليه كل محاولات التغيير، فلا تترك فيه إلا خدوشاً سطحية، كتابات على الحيطان تبوح بما تعجز عنه الأفعال. نحن أمام واحدة من أشد المعضلات التاريخية تعقيداً: معضلة البحث عن الحرية في عالم عربي لم يعرف الحرية يوماً كممارسة اجتماعية وسياسية متجذرة، بل عرفها شعاراً يرفعه الحكام حين يصلون إلى السلطة، ثم يطوونه سريعاً كما يُطوى العلم بعد انتهاء المراسم الرسمية. وإن فهم هذه المعضلة يتطلب حفراً عميقاً في ما وراء الحدث اليومي، في طبقات التاريخ التي تراكمت حتى شكلت هذا الجدار الذي نظن أننا نريد هدمه، بينما كثير منا يخشى أن يجد نفسه عارياً أمام رياح الحرية الباردة حين يقع الجدار فعلاً.
الانحراف التأسيسي: حين انحرف التاريخ عند المنعطف الأموي
لكل جدار بداية، ولكل انسداد لحظة تأسيسية. إن جذور هذه المعضلة ليست وليدة الاستعمار كما يحلو للبعض أن يبرر، ولا هي ابنة الدولة الوطنية الحديثة كما يزعم آخرون. إنها أعمق من ذلك بكثير، تضرب جذورها في لحظة تأسيسية نوعية لم تحظ بما تستحقه من تأمل نقدي: اللحظة التي تحولت فيها الخلافة الراشدة، القائمة على مبادئ الاختيار والشورى، إلى ملك وراثي عضوض، في قطيعة لم تكن مجرد تغيير في آلية انتقال السلطة، بل كانت إجهاضاً مبكراً لمشروع دولة المواطنة والمشاركة. هذه اللحظة الأموية التي يراها الباحثون النقديون العرب نقطة الانحراف الكبرى، لم تكتف بإعادة تعريف السلطة من أمانة إلى غنيمة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين أدركت أنها لا تستطيع أن تحكم بالعنف وحده، فاخترعت آلية أكثر ديمومة وخطورة: شرعنة الاستبداد دينياً.
هكذا ولدت "صناعة الدين الهجين"، ذلك المشروع الواعي لإعادة صياغة الوعي الجمعي وتزييف التاريخ بما يخدم الشرعية الملكية. اشترى الحكام ذمم النخب الدينية من بيت مال المسلمين، فعاد هؤلاء يحملون أحاديث مكذوبة ترفع الحاكم إلى مقام ظل الله في الأرض، وتجعل من الخروج عليه خروجاً على الدين نفسه. لقد كانت تلك اللحظة التي تحول فيها رجال الدين من وعاظ للأمة إلى أبواق للسلطة، وانتقل العنف من كونه أداة استثنائية إلى قاعدة للحكم، كما تجسد في شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي الذي وصفه المفكرون بأنه "التعبير النموذجي عن الانتقال من إمبراطورية الروح إلى سلطة الملوكية القبلية ووثنيتها الجديدة". هذا الانحراف المؤسس لم ينتج نظاماً للحكم فحسب، بل أنتج إنساناً عربياً جديداً، مقطوع الصلة بقدرته على الاختيار، مستسلماً لإرادة الحاكم التي تتخفى وراء إرادة الله. إنساناً تعود، كما يقول الكواكبي، على "استيلاء الجبن" في نفسه، ففقد القدرة على المقاومة، بل والأدهى من ذلك، فقد الرغبة فيها، حتى صار يطلب من القيد أن يكون مخملياً لا أن ينكسر.
إن ما فعله الأمويون لم يكن مجرد استيلاء على السلطة، بل كان تحويلاً للدين من رسالة تحرر إلى أداة لترويض الشعوب وإضفاء المشروعية على الحكام. وفي هذا الإطار يمكن فهم مقولة ابن خلدون التي ترى أن الدولة حين تنفرد بها فئة أو عائلة، تبدأ في إقصاء الشركاء الأوائل، ثم تتحول إلى ملكية خاصة للحاكم، ثم تبدأ في توليد "العدو الداخلي" الذي يقوض أركانها في صمت، فتخور قواها، ويسقط عمرانها، وتصير لقمة سائغة لأي غازٍ خارجي. إن الاستبداد، إذن، ليس مجرد خيار سياسي سيئ، بل هو مسار انتحاري طويل الأمد تعيش الأمم في أثنائه تخديراً مؤقتاً، قبل أن تستفيق على خراب شامل.
من يصنع الجدار؟ وعاظ السلاطين وتواطؤ الرعية
السؤال الذي حير العقول النقدية في العالم العربي ليس لماذا قام الاستبداد، بل كيف استطاع هذا الجدار أن يصمد كل هذه القرون، متحدياً قوانين التاريخ ومنطق التطور؟ كيف استطاعت بنية تأسست في القرن السابع الميلادي أن تجد لنفسها امتدادات حداثية، فتلبس اليوم ثوب الجمهورية والدستور والانتخابات، بينما تمارس الجوهر نفسه: حكم الفرد وتصرفه في حقوق قومه بالمشيئة وبلا خوف؟
علي الوردي، بإزميله النقدي الحاد، نحت جزءاً من الإجابة حين شخص ظاهرة "وعاظ السلاطين"، أولئك الذين يتخذهم الطغاة آلات بأيديهم "يُصعقون بها الناس"، فيفتحون أبواب الجنة للحكام ويغلقونها في وجوه الشعوب المطالبة بحقوقها. لكن الوردي ذهب إلى العمق حين تساءل عن سبب نجاح هؤلاء الوعاظ، لماذا ينجحون في "وعظ المظلومين وترك الظالمين"؟ الإجابة تكمن في تحالف عضوي بين السلطة السياسية التي توفر الحماية والمغانم، والنخب الدينية التي تمنح الشرعية وتنتج الخوف من التمرد. هذا التحالف هو الذي حول المنبر من فضاء لإيقاظ الضمائر إلى أداة لتخديرها، ومن منصة للحق إلى سوق للرياء. إن الوعاظ ليسوا مجرد أفراد خائنين، بل هم ظاهرة بنيوية لا يمكن أن يقوم استبداد دونها، فهم منتجو القناع الأخلاقي الذي يلبسه الحكم القهري ليبدو مقبولاً، بل مقدساً.
لكن الاستبداد، في عمقه، ليس مجرد تحالف بين السيف والمنبر، بل هو مأساة وجودية متكاملة لا يمكن فهمها دون الغوص في أعماق النفس العربية وهي تواجه سؤال الحرية المرعب. هنا تكمن عبقرية عبد الله العروي الذي نقل المشكلة من السياسي إلى الوجودي، حين كشف المفارقة الكبرى التي ذكرناها في مستهل هذا المقال: أننا نريد الحرية ولا نريد حريتنا في آن واحد. نريد ثمارها من رخاء وكرامة، لكننا نرتجف من خياراتها المفتوحة على المجهول. نحن كمن يريد أن يبلغ القمة دون أن يتحمل عناء التسلق، يريد أن يطير دون أن يغادر عشه الدافئ. هذه المأساة الوجودية هي ما يجعل الشعوب تبحث عن "وصي" جديد، عن حاكم أبوي يحمل عنها عبء الحرية الشاقة، يفكر عنها، يقرر عنها، ثم تلومه حين يفشل، لتعود وتستبدله بوصي آخر في حلقة عبثية لا تنتهي. إنها عقلية "الخبز والأمن مقابل الطاعة"، عقلية لا تسأل الحاكم ماذا يفعل بالحرية، بل ماذا يفعل بالأسعار.
أما محمد عابد الجابري، فاقتحم المنطقة الأكثر وعورة حين ربط الاستبداد السياسي ببنية "العقل العربي" نفسه. ففي تحليله العميق، الاستبداد ليس خارجاً عن هذا العقل، بل هو من صنيعه وفي الوقت نفسه صانعه. هناك ثلاث سلطات تحكمت في العقل العربي وحولته من أداة للتحرر إلى قيد للعبودية: سلطة الألفاظ التي تجعلنا نقدس الكلمات بدل معانيها، وسلطة المقدس التي تمنع المساءلة، وسلطة السياسة التي تكمم الأفواه. في ظل هذه السلطات الثلاث، يتحول الدين من نظام معتقد إلى نظام حكم، وتتحول الثقافة من فضاء للأسئلة إلى سجن للأجوبة المعلبة. وهكذا، فإن "العقل العربي" الذي أنتجه الاستبداد هو نفسه الذي يكرسه ويبرره ويمنع أي محاولة جادة للتحرر منه. إنها حلقة جهنمية: الاستبداد ينتج عقلاً تبريرياً، والعقل التبريري ينتج شرعية زائفة للاستبداد، وهكذا دواليك.
حين تحرر الغرب: دروس من ثورة العقل
لفهم مأساتنا بشكل أكمل، علينا أن نلقي نظرة سريعة على اللحظة التي حطم فيها الغرب جداره الخاص. هناك، في أوروبا القرون الوسطى، كان ثمة جدار مماثل: تحالف بين العرش والكنيسة، بين الحاكم المستبد ورجل الدين الذي يبيع صكوك الغفران وتذاكر الدخول إلى الجنة. كان البابا هو "وكيل الله في الأرض"، يتحكم في رقاب الناس، ويمنح الملوك شرعية إلهية، تماماً كما يفعل "وعاظ السلاطين" في عالمنا العربي.
لكن شيئاً مختلفاً حدث هناك. جان جاك روسو حمل فأساً فلسفية وحطم أسطورة الحق الإلهي للملوك، حين أعلن أن السيادة للأمة، وأن الحاكم ليس سوى وكيل عن الشعب يمكن عزله حين يفشل في مهمته. كان هذا انقلاباً كونياً في الفكر السياسي: انتزاع مشروعية الحكم من السماء وإعادتها إلى الأرض، إلى إرادة البشر المجتمعين في عقد اجتماعي طوعي. مونتسكيو ذهب إلى أبعد من ذلك حين أدرك، كما قال لورد أكتون لاحقاً، أن "السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقاً"، ومن هنا جاءت نظريته في فصل السلطات، ليس كترف سياسي، بل كشرط وجودي لبقاء الحرية. السلطة لا تُواجه إلا بالسلطة، والسلطة الواحدة حين تحتكر كل شيء تتحول إلى وحش لا يشبع من التهام الحقوق.
وفي الاقتصاد، حطم آدم سميث اقتصاد الريع والاحتكار الذي كان النبلاء ورجال الدين يعيشون عليه، داعياً إلى اقتصاد السوق الحر الذي يكافئ العمل والابتكار، لا الولادة في السرير المناسب أو القرب من بلاط الحاكم. بينما هيجل، في جدليته الشهيرة عن السيد والعبد، كشف كيف أن العبد هو من يكتسب الوعي والمعرفة والعمل، بينما يظل السيد مستغرقاً في استهلاك ما ينتجه العبد، غافلاً عن حقيقة أن الوعي الحقيقي ينمو في حضن الكفاح والمعاناة، لا في رفاهية الاستهلاك والبطالة.
هذه الثورة الفكرية المتعددة الأبعاد – السياسية مع روسو ومونتسكيو، والاقتصادية مع سميث، والفلسفية مع هيجل – هي ما فكك التحالف المقدس بين العرش والكنيسة، وحطم جدار الاستبداد الغربي من أساسه، وليس فقط زخرفته بشعارات الحرية. هنا تحديداً يتجلى الفرق بين تجربتهم وتجربتنا: هم تسلحوا بالعقل ليواجهوا سلطة "وكيل الله على الأرض" وبائع صكوك الغفران، فهدموا الجدار، بينما نحن ما زلنا نتعلم كيف نرسم على جدارنا بريشة أكثر إبداعاً، ونكتب قصائد الحرية على حجارة القمع، دون أن نجرؤ على وضع اليد على موضع الخلل الأول: النفس التي تخاف مما تهتف له.
من الاستبداد القديم إلى الاستبداد الحداثي: تغيير الأقنعة لا الجوهر
اليوم، يقف العالم العربي أمام نموذج هجين يمكن تسميته بـ"الاستبداد الحداثي". إنها أنظمة تلبس أثواب الديمقراطية الشكلية: انتخابات بلا خيار حقيقي، برلمانات بلا سلطة تشريعية، أحزاب من ورق، مجتمع مدني تحت الوصاية، وإعلام يردد ما تريده السلطة بصوت عال أحياناً وهمساً أحياناً أخرى. هذا الاستبداد الجديد لا يواجهك بالعصا الغليظة كما كان يفعل الحجاج، بل يواجهك ببيروقراطية معقدة، بقوانين طارئة دائمة، وبخطاب "الخصوصية الحضارية" الذي يمنع النقد باسم احترام الهوية. إنه استبداد تعلم من دروس التاريخ، فاستبدل القمع الصريح بآليات أكثر نعومة وأشد فتكاً بالروح: آليات تنتج إنساناً مستلباً يحسب أنه حر لأنه ينتخب، ويحسب أنه مشارك لأنه يصفق في المدرجات التي بنتها السلطة بعناية.
والأخطر من ذلك أن هذا الاستبداد تمكن من بناء آلية تمويل ذاتية جعلته مستقلاً عن مجتمعه. إنها "الدولة الريعية"، نموذج الحكم الذي لا يحتاج إلى فرض ضرائب على مواطنيه لأنه يملك موارد طبيعية هائلة أو يحصل على مساعدات خارجية ضخمة. هنا، يتحقق "العقد الاجتماعي المقلوب": الدولة لا تحتاج إلى مواطنيها في شيء، بينما المواطن يحتاج إلى الدولة في كل شيء. الدولة تعطي الخبز والوظيفة والخدمة، والمواطن يعطي الطاعة والصمت والولاء. إنها ليست دولة المواطنة، بل دولة "الاستحقاق"، حيث يتحول المواطن من صاحب حق إلى متلق للإحسان، ومن شريك في القرار إلى طالب رضا. هذا النموذج الاقتصادي المريع ينتج إنساناً مقطوع الصلة بالإنتاج، غير قادر على الابتكار، خائفاً من التغيير لأن التغيير قد يعني فقدان "الاستحقاق" الذي يحصل عليه. إنها اعتمادية مزدوجة: المواطن معتمد على الدولة، والدولة معتمدة على الريع الخارجي، مما يجعل المجتمع بأكمله رهينة لعوامل خارجة عن إرادته: سعر برميل النفط، مزاج المانح الدولي، أو الموقع الاستراتيجي في لعبة الأمم.
وهنا يأتي البعد الإقليمي والدولي ليكتمل المشهد. فالاستبداد العربي ليس ظاهرة محلية منعزلة، بل هو جزء من نظام إقليمي ودولي متكامل. القوى الكبرى شكلت مع الأنظمة العربية علاقة غير متكافئة تقوم على معادلة بسيطة: دعم سياسي وعسكري مقابل ضمان المصالح الاستراتيجية، من النفط إلى القواعد العسكرية إلى "الأمن الإقليمي". هكذا، يتحول الاستبداد الداخلي إلى وظيفة في نظام دولي، وتصبح الأنظمة "مرتهنة"، تخشى شعوبها وتحتمي بالقوى الخارجية، ثم تستخدم الحماية الخارجية ذريعة لقمع أي معارضة داخلية تحت شعار "المؤامرة الخارجية". إنها لعبة تجعل من الداخل ساحة مستباحة والخارج ملاذاً آمناً للسلطة التي تخلد لنومها مطمئنة إلى أن أحداً في الداخل لن يقوى على إيقاظها، لا لضعف في سواعد الخلق، بل لخوف في قرارة النفس من أن يكون الاستيقاظ أسوأ من الكابوس.
كيف يُخترق الجدار؟ بين الرسم على الحجر والهدم
بعد هذا التشخيص القاتم، يبرز السؤال العملي: هل من سبيل لاختراق هذا الجدار التاريخي السميك؟ أم أن كل ما يمكننا فعله هو الاستمرار في الرسم على جدرانه، نكتب شعارات الحرية على حيطان الاستبداد، نبوح بما في النفوس من ألم وأمل، علّ أحداً يقرأها في يوم ما، بينما الجدار يزداد صلابة مع كل كتابة؟
هناك طريقان أمام العرب اليوم، أحدهما يؤدي إلى الاستمرار في الحلقة المفرغة نفسها، والآخر يبدأ بخطوات صغيرة نحو القطيعة مع إرث القرون. الطريق الأول، وهو الأسهل والأكثر شيوعاً، هو الاستمرار في لعبة "تغيير الوجوه لا الأنظمة". أن نستبدل مستبداً بمستبد آخر، ثم نحتفل بوصوله إلى السلطة كأنما أنجزنا ثورة، بينما نحن لم نفعل أكثر من تبديل اسم الحاكم في ذات البنية الاستبدادية. أن نستمر في انتظار "المخلص"، ذاك الوصي الجديد الذي يحمل عنا عبء الحرية، فنظل ندور في فلك العبودية الطوعية التي شخصها المفكرون قبل قرون. أن نبقى أسرى "عقد الاستحقاق"، ننتظر الخبز من الدولة ونعطيها السكوت بدلاً من المساءلة.
أما الطريق الثاني، فهو طريق شاق يبدأ من تحت، من حيث لا تصل كاميرات السلطة وأجهزتها الأمنية، من العقول قبل الشوارع، ومن القيم قبل المؤسسات. يبدأ بإدراك جذري أن المشكلة ليست في هذا الحاكم أو ذاك، بل في البنية التي تنتج الحكام المستبدين، وفي "العقل" الذي يبرر استمرارهم، وفي الثقافة التي تقدس الساكن وتخاف من المتحول. يبدأ بثورة تعليمية لا تهدف إلى ملء الرؤوس بالمعلومات، بل إلى تحرير العقول من سطوة الألفاظ وقداسة الموروث، تعليم ينتج مواطنين قادرين على طرح الأسئلة المحرمة، على مساءلة البديهيات، على رفض منطق "هكذا وجدنا آباءنا". تعليم لا يخاف من الشك، لأن اليقين المطلق هو أول خطوات الاستبداد.
ويبدأ أيضاً بإعادة بناء المجتمع المدني من الأسفل، لا كواجهة ديكورية للأنظمة، بل كفضاء حقيقي للمشاركة والتنظيم والتعبير عن المصالح. نقابات حرة، جمعيات مستقلة، مبادرات محلية، تعاونيات اقتصادية، كلها تشكل نسيجاً اجتماعياً جديداً لا يحتاج إلى إذن السلطة ليعمل، ولا ينتظر رضاها لينمو. ويبدأ أيضاً بتحول اقتصادي جذري يكسر الاعتماد على الريع ويفتح أبواب الإنتاج، اقتصاد لا يقوم على تصدير المواد الخام واستيراد كل شيء آخر، بل على الإبداع والعمل والابتكار. اقتصاد يدفع الحاكم إلى احترام المحكوم لأنه يحتاج إلى ضرائبه، فيتحقق نوع من التوازن الذي كان أساس نشوء الديمقراطيات الغربية: لا ضرائب بدون تمثيل، ولا تمثيل بدون ضرائب.
ويبدأ، وهذا هو الأهم، بتحول ثقافي عميق في علاقتنا بالسياسة والسلطة والدين. أن ندرك أن الحاكم ليس ظل الله في الأرض، بل موظف عام يمكن مساءلته ومحاسبته وعزله. أن ندرك أن الحرية ليست عطية من السلطة، بل هي حق لا يسقط بالتقادم. أن ندرك أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن من يقبل بالاستبداد في السياسة سيجده حتماً في الاقتصاد وفي الثقافة وفي الدين وفي الحياة اليومية. والأهم من كل هذا، أن ندرك بعمق ما قاله العروي والكواكبي ومن قبلهما كثيرون: إن الحرية "وعي وجودي محرق"، عبء ثقيل يتطلب شجاعة الاختيار وتحمل النتائج. لا يمكن أن نريد خبز الحرية دون أن نعجن دقيقها بأيدينا، ولا يمكن أن نريد كرامة المواطنة دون أن نمارس مسؤولياتها اليومية، في البيت والشارع والعمل والمدرسة، قبل أن نمارسها في صندوق الاقتراع.
ما بعد الجدار: الحرية كصفة لا كحدث
إن جدار الاستبداد العربي ليس قدراً محتوماً، كما يحاول البعض أن يقنعنا، وليس لعنة أبدية لا فكاك منها. الجدران، مهما بلغت صلابتها وارتفاعها، يمكن أن تنهار حين تتراكم الخدوش على سطحها بما فيه الكفاية، وحين يتحول الرسم على الجدار من مجرد تعبير عن ألم إلى مخطط للهدم. لكن الانهيار لا يحدث وحده، ولا يأتي هدية من السماء، ولا ينتظر حتى "تسمح الظروف". إنه فعل يومي، تراكمي، صبور، يبدأ في العقول قبل أن يصل إلى الشوارع، وفي القيم قبل أن يتحول إلى مؤسسات، وفي العلاقات بين الناس قبل أن يصبح نظاماً للحكم.
ربما تكون مأساتنا الحقيقية أننا أتقنا فن تشخيص أمراضنا دون أن نتقن فن الشفاء منها، وكتبنا في نقد الاستبداد أروع الصفحات، ورفعنا في وجهه أبلغ الهتافات، لكننا تعثرنا في كتابة فصل واحد عن الحرية كما تُعاش. فصل لا يُكتب بالحبر ولا يُخطب على المنابر، بل يُعاش في الخيارات الصغيرة اليومية، في لحظة نقول فيها "لا" لوصاية تريحنا، وفي لحظة نقبل فيها بعبء الاختيار الفردي بدل دفء الطاعة المريحة. في اللحظة التي نكف فيها عن السؤال: متى يسقط الجدار؟ ونبدأ في السؤال: متى نسقط نحن كمسلّمين بوجوده، كعشاق للأقفاص التي نرثيها ونحن نغلق أبوابها بأيدينا كل مساء؟
حين تنتفض المدن مرة أخرى، وقد تنتفض حتماً، سيبقى السؤال معلقاً في الفراغ الذي يلي الهتاف: هل خرجنا هذه المرة نطلب الحرية، أم نطلب فقط أن ندفئ أطرافنا المتجمدة بنارها العابرة، ثم نعود أدراجنا إلى ظل الوصاية، راضين مرضيين، في انتظار انتفاضة أخرى، وهتاف آخر، وجدار يزداد رسوخاً كلما كتبنا عليه قصيدة جديدة؟










