لن أعتذر عن طول هذا المقال. ما سأعتذر عنه هو أننا نعيش في زمن صار فيه القارئ يطلب الحقيقة في جرعة تغريدة، ويريد فهم الشرق الأوسط في فيديو مدته ثلاثون ثانية.
هذا الاستسهال هو الذي أوصلنا إلى هذه الكارثة: أنصاف حقائق، أرباع تحليلات، وعقول مشغولة بالومضة عن الجوهر. من يريد السرعة، فليغلق هذه الصفحة الآن. أما من يريد أن يفهم لماذا تُهدَّد عُمان، ولماذا يموت الفلسطينيون واللبنانيون بصمت العالم، ولماذا يتحول السلام إلى ابتزاز والحياد إلى جريمة، فعليه أن يتحمل عناء القراءة. هذا ليس مقالاً، هذا تشريح لجثة شرق أوسط يُقتل تحت شعار "السلام"، ويُدفن تحت ركام "التطبيع". فلنرفع الستار، ولنرَ المسرحية كاملة.
في المشهد السياسي المأزوم للشرق الأوسط، تتقاطع خطوط النار مع مسارات الدبلوماسية في لوحة عبثية قلّما اجتمعت بهذا القدر من التناقض الصارخ. إنها لحظة مفصلية تتشابك فيها الخيوط حتى ليصعب على المحلل الفصل بين المأساة والملهاة، بين الجد والعبث، بين السلام المعلن والحرب المستعرة. لكن تحت خشبة المسرح الصاخب هذه، ثمة طبقة أعمق وأخطر: معركة صامتة على عملة النفط وشريان الطاقة العالمي، تخوضها واشنطن بشراسة لا تقل عن ضراوة قنابلها، وتديرها أدوات لا تقل دهاءً عن دهاء دبلوماسييها.
على جبهة المفاوضات الإيرانية الأمريكية، يرقص الطرفان على حبل مشدود فوق هاوية. المباحثات مستمرة، والنوايا معلنة، لكن الوثيقة الإطارية تتلكأ في الظهور، وكأن ثمة من يتعمد إطالة أمد المخاض. وفيما الدبلوماسيون يتبادلون أوراق التفاوض في الغرف المغلقة، يتبادل العسكريون نيران التحذير في مياه الخليج. محاولات اختراق المضيق دون التنسيق مع الحرس الثوري تقابل بردود أمريكية مدروسة، وقصف قاعدة في الكويت يحدث دون أن يجر المنطقة إلى حرب شاملة، وكأن الطرفين اتفقا ضمناً على قواعد اشتباك جديدة: اضرب وتفاوض، هدد وعد بوقف النار. إنها ازدواجية الموقف الذي يجمع بين التصعيد والتهدئة في آنٍ واحد، حيث يصبح وقف إطلاق النار غطاءً لاستمرار الاشتباك المحسوب.
أما في الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، فالمشهد أكثر قتامة وأشد إيلاماً. إسرائيل، الريبيبة المدللة للإدارة الأمريكية، تطلق العنان لآلتها العسكرية دون رادع أو حساب. اتفاقيات وقف إطلاق النار لم تعد سوى حبر على ورق، أو ربما ستاراً تتوارى خلفه أبشع صور التدمير والتهجير والاغتيالات. القصف الإسرائيلي يتجاوز كل الخطوط الحمراء، يعبر نهر الليطاني شمالاً، ويدك غزة جنوباً، ويفتك بالبنى التحتية في كل مكان، بينما العالم يقف متفرجاً أو مشجعاً. والمفارقة الكبرى أن رئيس الوزراء اللبناني يلتقط تصريح نتنياهو حول اجتياز الليطاني ليجعله ذريعة للتفاوض المباشر تحت النار، مبرراً ذلك بخشيته من "ضياع لبنان". أي ضياع هذا الذي يجعل من الاحتلال مبرراً للاستسلام، ومن العدوان فرصة للمساومة؟ إنه منطق مقلوب يرى في خضوع الضحية خلاصاً لها، وفي مقاومة الجلاد خراباً للوطن.
اتفاقات أبراهام: من مسار سلام إلى أداة ضغط
في هذا الخضم العاتي، تتكشف الوجه الآخر للاستراتيجية الأمريكية: لم تعد واشنطن تتحدث بلغة الشراكة والتحالف، بل بات خطابها يحمل طابع الإملاء والضغط السياسي المكشوف. لقد لوّح ترامب باستهداف عُمان، الدولة المستقرة والمستقلة، ملوّحاً بخشية انهيار الحماية الأمريكية عنها ما لم تذعن بشكل كامل لمسار "اتفاقات أبراهام". لقد أصبحت هذه الاتفاقات، التي جرى تسويقها يوماً كمسار للسلام، مجرد أداة ضغط وإعادة اصطفاف سياسي في المنطقة، حيث المعادلة واضحة لا توارب: من يريد الحماية، فعليه التوقيع. ومن يسعى إلى الدعم، فعليه الالتزام. ومن يرغب في تجنب العقوبات أو زعزعة الاستقرار، فعليه الانخراط في هذا المسار دون قيد أو شرط. أما القضية الفلسطينية، فقد باتت تُقدَّم في الخطاب الرسمي باعتبارها مجرد عائق أمام مشروع إقليمي تسعى إسرائيل إلى قيادته برعاية أمريكية مباشرة، لا قضية شعب يجب حلها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا عُمان تحديداً؟ لماذا لم يهدد ترامب السعودية أو الكويت؟ لماذا هذه الدولة المسالمة التي تقف على الحياد، الدولة التي ورثت عن السلطان الراحل قابوس إرثاً دبلوماسياً فريداً يجعلها تتحدث مع الجميع وتنحاز ضد لا أحد؟ لماذا تستهدف واشنطن الدولة الوحيدة في الخليج التي تعرف كيف تقول "لا" بهدوء، وكيف تبقي على علاقات طيبة مع طهران ولندن وبروكسل وبكين في آنٍ واحد؟
الإجابة سطحية وأخرى عميقة، ثم طبقات أعمق لا تظهر للعيان إلا بالغوص تحت سطح الماء.
لماذا عُمان؟
أما السطحية فهي أن عُمان تمثل الحلقة الخليجية الوحيدة المفقودة في قلادة التطبيع الكامل. فالسعودية منخرطة في تفاهمات استراتيجية هادئة مع واشنطن، والإمارات والبحرين وقّعتا، والكويت في حالة اعتماد أمني شبه كامل، أما عُمان فحافظت على خطابها المستقل وعلاقتها المتوازنة مع إيران. تهديدها هو "ضرب للمثل" لإيصال رسالة بالغة القسوة مفادها: حتى الحياد لم يعد مسموحاً به. الدولة المسالمة التي لعبت تاريخياً دور الوسيط الموثوق بين إيران والغرب، والتي استقبلت رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو سراً عام 2018 دون أن تقطع علاقاتها مع أحد، صار يُنظر إليها في واشنطن كـ"خيانة ناعمة" للجبهة المناهضة لطهران. ترامب لا يريد عُمان "الوسيط" الذي يمسك بكل الخيوط، بل يريدها "تابعاً" يلتزم بخط واحد ويسير في الركب دون تردد.
ثم إن عُمان تمر بلحظة ضعف اقتصادي خانقة بعد وفاة السلطان قابوس: عجز مالي، دين عام متصاعد، بطالة مرتفعة، ورؤية "عُمان 2040" التي تعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية والمساعدات الخليجية والدولية. ترامب يدرك هذه الهشاشة، والتهديد يأتي في أسوأ توقيت ممكن، تماماً كما يفعل المفترس الذي يهاجم الفريسة في لحظة ضعفها.
الغوص في العمق: مضيق هرمز واتفاقية 1974
لكن الإجابة الأعمق، والتي تكاد تكون الأخطر، فتكمن في مكان آخر تماماً: تحت مياه مضيق هرمز. فعُمان تملك وثيقة رسمية موقعة مع إيران منذ عام 1974، تقتسم بموجبها مياه المضيق بالتساوي على أساس خط الوسط. هذه الاتفاقية الفريدة، الموقعة في زمن الشاه قبل قيام الثورة الإسلامية، تجعل من عُمان الشريك القانوني الوحيد لإيران في إدارة هذا الممر المائي الذي يعبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. إنها ليست مجرد اتفاقية ترسيم حدود، بل وثيقة سيادة مشتركة على أهم شريان للطاقة في العالم.
وهنا يكمن الكابوس الاستراتيجي الحقيقي لواشنطن: ماذا لو عمّقت مسقط وطهران تعاونهما المالي، واتفقتا على تقاسم رسوم المرور أو الخدمات البحرية بعملة غير الدولار؟ ماذا لو تحول المضيق، ولو جزئياً، إلى منطقة تسعير باليوان الصيني؟ ماذا لو تحولت هذه الاتفاقية النائمة منذ نصف قرن إلى قاعدة قانونية لترتيبات مالية بديلة تفلت من قبضة الخزانة الأمريكية؟
هذا ليس خيالاً. إيران تحصل على رسومها بالنفط والغاز والخدمات اللوجستية عبر قنوات غير دولارية، واليوان الصيني حاضر بقوة في هذه المعادلة. وعُمان، بعلاقاتها المصرفية المستقرة واتفاقية التجارة الحرة مع واشنطن، تمثل "القناة النظيفة" المثالية لتمرير ترتيبات مالية بديلة لا تخترق العقوبات مباشرة بل تدور حولها بأناقة. إذا أصبحت مسقط مركزاً لتسوية التجارة الإيرانية غير الدولارية، فإن جزءاً من "البترودولار" الذي هيمن على الاقتصاد العالمي لعقود، سيبدأ بالتآكل من بوابة الخليج نفسه. هنا يصبح تهديد ترامب لعُمان مفهوماً في سياقه الكامل: إنه ليس مجرد ضغط سياسي لانتزاع توقيع على اتفاقية تطبيع، بل هو إجهاض استباقي لمشروع "الحياد المالي" قبل أن يبصر النور.
الكنز الذي لا يراه أحد
ثم هناك بُعدٌ أخطر وأكثر خفاءً من المال والرسوم والعملة، بُعدٌ لا يُقدَّر بثمن في عالم اليوم حيث صارت البيانات هي النفط الجديد. فلو تحولت اتفاقية 1974 بين عُمان وإيران من مجرد وثيقة ترسيم حدود إلى إطار مؤسسي لـ"سلطة تنظيم عبور مشتركة" تدير المضيق، فإن ما ستتحصّل عليه هاتان الدولتان ليس فقط إيرادات مالية، بل شيئاً أنفس وأغلى: بنك معلومات استخباراتي حي عن الاقتصاد العالمي بأسره.
تخيّل المشهد: كل ناقلة تعبر المضيق - ونحن نتحدث عن نحو 20 مليون برميل نفط يومياً وملايين الأطنان من الغاز المسال - تُسجَّل بياناتها كاملة لدى هذه السلطة المشتركة. اسم الناقلة ومالكها وشركة التأمين. بلد المنشأ وبلد الوجهة. كمية الحمولة ونوعيتها: خام ثقيل أم خفيف، غاز مسال أم منتجات مكررة. توقيت العبور بدقة الساعة. تواتر الرحلات وانتظامها. مسار الرحلة السابق واللاحق. هذا ليس مجرد سجل ملاحي روتيني، هذا مسح جيولوجي-اقتصادي شامل ولحظي للاقتصاد العالمي. من يملك هذه البيانات يعرف بالضبط: أي الدول تستورد كمّاً أكبر؟ ومن أي مصدر؟ ومتى؟ وبأي أسعار تأمين؟ وأي الاقتصادات تتعطش للطاقة وأيها يتخم؟ وأي العقوبات تُخترَق بهدوء؟ وأي الأسواق تتحضر لأزمة؟ هذه معلومات لا تقدر بثمن في عالم المال والتجارة والاستخبارات، وهي التي تنفق عليها وكالات الاستخبارات الكبرى مليارات الدولارات سنوياً.
حالياً، تمر الملاحة في المضيق تحت مبدأ "المرور العابر" الذي لا يمنح الدول المشاطئة حق اعتراض السفن أو فرض رسوم. لكن لو تحولت عُمان وإيران إلى "مُنظِّم مرور" بغطاء قانوني مستمد من اتفاقيتهما الثنائية، فإن كل ناقلة ستصبح مضطرة للتسجيل وتقديم البيانات لقاء "خدمات السلامة الملاحية" و"الإرشاد الملاحي" و"التأمين ضد الحوادث". من يرفض، يُمنع من هذه الخدمات، فتصبح رحلته أعلى كلفة وأكثر خطورة، فيضطر للامتثال طواعية. إنه تحول من الفوضى المعلوماتية إلى "نظام بيئي معلوماتي" تديره دولتان على أهم شريان للطاقة في العالم، تحولٌ يحوّل المضيق من "ممر مجهول" إلى "بوابة ذكية" ترى كل شيء وتسجل كل شيء.
وهذه البيانات تمنح صاحبيها قوة لا تُرد. يمكنهما التنبؤ بالأزمات الاقتصادية قبل وقوعها عبر تتبع انخفاض أو ارتفاع تدفقات الطاقة. يمكنهما كشف مسارات الالتفاف على العقوبات. يمكنهما بيع هذه المعلومات أو مقايضتها مع قوى كبرى كالصين وروسيا. يمكنهما استخدامها كورقة ضغط صامتة على دول بعينها: "نحن نعرف بالضبط كم تستوردون، ومن أين، ومتى، وبأي ثمن". إنها أداة جيو-اقتصادية لا تُرد ولا تُواجه بالجيوش.
وهنا يكمن الكابوس الأمريكي-الإسرائيلي النهائي: واشنطن وتل أبيب تنفقان مليارات الدولارات على أقمار التجسس وطائرات الاستطلاع ومحطات التنصت وأساطيل المراقبة لمعرفة ما يدور في المضيق. فجأة، تأتي دولتان لتنشئا "سجلاً مدنياً" علنياً وقانونياً وشفافاً لكل قطرة نفط تعبر، وتحوّل هذه المعلومات إلى سلعة استراتيجية ومصدر نفوذ. هذا يعني فقدان واشنطن احتكارها المعلوماتي عن تدفقات الطاقة، ونشوء "وكالة أنباء طاقوية" موازية قد تكون المصدر الأول للصين وروسيا وكل من يبحث عن فك ارتباطه بالهيمنة الأمريكية. إنه يعني تحول عُمان من مجرد "بلد هادئ" إلى "سويسرا معلوماتية" على أهم ممر مائي في العالم، تمسك ببيانات لا تملكها حتى أقوى أجهزة المخابرات.
هذا البُعد المعلوماتي قد يكون هو التفسير الأعمق لتهديد ترامب لعُمان تحديداً. فالأمر لم يعد مجرد مال أو عملة، بل سيادة معلوماتية على شريان العالم النفطي. ومن يملك المعلومة في هذا الزمن، يملك القرار قبل أن يُتخذ.
القاعدة الصينية على خاصرة الخليج
ثم هناك طبقة أخرى أكثر قتامة في المخيلة الاستراتيجية الأمريكية. عُمان تستضيف واحداً من أهم الموانئ في المحيط الهندي: ميناء الدقم. هذا الميناء ليس مجرد مرفأ تجاري لتفريغ الحاويات، بل هو نقطة ارتكاز لوجستية استثمرت فيها الصين مليارات الدولارات، ويجري الحديث في أروقة الاستخبارات الغربية عن إمكانية تحويله إلى "قاعدة بحرية صينية" تضاهي قاعدة جيبوتي على الجانب الآخر من القرن الأفريقي. صحيح أن مسقط لم تمنح بكين قاعدة عسكرية رسمية، لكن وجود أسطول صيني راسٍ على مرمى حجر من مضيق هرمز، حتى تحت غطاء "المنشأة اللوجستية المدنية"، هو كابوس لا ينام عليه استراتيجيو البنتاغون بهناء.
تهديد ترامب لعُمان هو رسالة وقائية تقول: "لن نسمح بأن تصبح عُمان منصة عسكرية-لوجستية لمنافسينا الاستراتيجيين على بعد كيلومترات من شريان النفط العالمي". إنها محاولة لانتزاع ضمانات بأن الدقم سيبقى ميناءً تجارياً لا جسراً بحرياً للتنين الصيني نحو قلب الشرق الأوسط.
صمام أمان العالم بعملة من؟
ولأن الصورة لا تكتمل إلا بتجميع القطع المتناثرة، هناك ورقة أخرى في يد عُمان تجعل منها هدفاً: الغاز الطبيعي المسال. فعُمان مُصدّر رئيسي للغاز، ولديها عقود طويلة الأجل مع الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وبعد الحرب الأوكرانية أصبح الغاز العُماني بديلاً استراتيجياً للغاز الروسي في أوروبا وآسيا معاً. أي تقارب عُماني-إيراني-صيني أعمق قد يعني تنسيقاً ثلاثياً في تسعير الغاز بعملات غير الدولار، أو حتى إنشاء "كارتل غاز" مستقل عن الهيمنة الأمريكية. في لحظة تبحث فيها أوروبا عن أي جزيء غاز لا يأتي من موسكو أو يمر عبر ممرات تسيطر عليها قوى منافسة، تجد عُمان نفسها جالسة على كنز استراتيجي يمنحها أوراق مساومة لا تُقدّر بثمن. واشنطن تريد ضمان بقاء هذا الكنز في "منظومة الطاقة الدولارية" وعدم تحوله إلى منصة لتحدي النظام المالي العالمي.
منفذ إيران على المحيط الهندي
ولأن الاستراتيجية تُقرأ على الخريطة قبل أن تُقرأ في البيانات، هناك بعد رابع لا يقل خطورة: الامتداد الأفريقي. فعُمان ليست مجرد دولة خليجية، بل لها جذور تاريخية عميقة في شرق أفريقيا عبر زنجبار، وسواحلها الممتدة من مضيق هرمز إلى بحر العرب تجعلها نافذة إيران على المحيط الهندي. أي تقارب عُماني-إيراني أعمق قد يفتح لطهران منفذاً بحرياً يتجاوز مضيق هرمز تماماً، عبر الموانئ العُمانية - صحار وصلالة والدقم - إلى الساحل الأفريقي. هذا كابوس استراتيجي لإسرائيل وأمريكا معاً، لأنه يعني أن إيران تستطيع الالتفاف على أي حصار مستقبلي لمضيق هرمز، وأن "خنق" المضيق كخيار عسكري أمريكي سيفقد قيمته الردعية إذا كان هناك ممر بديل يمر عبر المياه العُمانية الهادئة نحو القرن الأفريقي.
حرب الظل في بحر العرب
ثم هناك حرب الظل التي لا تُعلن في النشرات الرسمية. في السنوات الأخيرة، شهدت مياه الخليج وبحر العرب هجمات غامضة على ناقلات النفط، تُنسب عادة لإيران أو وكلائها. عُمان، بسواحلها الطويلة الممتدة لأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر، هي العين التي ترى كل شيء، ولديها قدرات استخباراتية بحرية ورادارات ساحلية لا يُستهان بها. التهديد الأمريكي ليس مجرد ابتزاز سياسي، بل رسالة لضمان تعاون استخباراتي عُماني كامل ضد الأنشطة الإيرانية، ومنع تحول المياه العُمانية إلى "منطقة رمادية" آمنة للتهريب والالتفاف على العقوبات. واشنطن تريد عيوناً مفتوحة على كل زورق وكل حاوية وكل ناقلة، لا دولة تمارس الحياد حتى في جمع المعلومات.
نصر دبلوماسي تحت النار
وأخيراً، لا يمكن فهم تهديد عُمان دون وضع إسرائيل في قلب المعادلة. فتل أبيب لطالما رأت في مسقط "القناة الخلفية" المثالية للعالم العربي، والبوابة الهادئة التي تدخل منها إلى الخليج دون ضوضاء. لكن بعد الحرب المدمرة التي شنتها على غزة ولبنان، والفشل في تحقيق نصر حاسم، تحتاج إسرائيل إلى إنجاز دبلوماسي كبير يرمم صورتها ويُسكت أصوات الانتقاد الداخلي. عُمان هي "الجائزة الكبرى" المتبقية في الخليج: إنها الدولة التي استقبلت نتنياهو سراً، الدولة التي يمكن تحويلها من حليف صامت إلى مطبّع علني في قلب الساحة الخليجية. هذا التحول سيكون ضربة معنوية هائلة لمحور المقاومة، وسيُقدَّم للعالم كدليل على أن "السلام" مع إسرائيل لا يعرف سقفاً. تهديد ترامب هو جزء من هذه الصفقة: "أعطِ إسرائيل نصراً دبلوماسياً، أو ادفع الثمن".
صمت عربي وهيمنة أمريكية تتصدع
والأكثر إثارة للقلق من التهديد نفسه هو حالة الصمت العربي المطبق التي قابلته. إن غياب موقف واضح تجاه تهديدٍ يستهدف دولة عربية شقيقة لا يعكس فقط حالة من الحذر المفرط، بل يثير تساؤلات وجودية حول واقع السيادة العربية وحدودها الفعلية. هل صار "النواطير الحاكمون" عاجزين حتى عن إدانة تهديدٍ لجارهم، أم أن دورهم اختُزل في خدمة أربابهم لدرجة أن الصمت صار جزءاً من الوظيفة؟ أم أن الخوف من الغضبة الأمريكية صار أقوى من أي رابطة جوار أو دم أو مصير مشترك؟
ورغم هذه الصورة القاتمة، تبدو الولايات المتحدة اليوم أقل قدرة على فرض هيبتها المطلقة. إن القوة التي تضطر باستمرار إلى التلويح العلني بالتهديد العسكري والضغط السياسي لإثبات حضورها ونفوذها، إنما تكشف بصورة غير مباشرة عن تراجع هيبتها الفعلي. فالتطورات الميدانية في غزة، والتوترات في البحر الأحمر، والحرب في أوكرانيا، إلى جانب تصاعد نفوذ الصين وروسيا، جميعها عوامل كشفت حدود القوة الأمريكية وإمكاناتها. إنها لا تزال قادرة على الإيذاء، نعم، ولكنها لم تعد قادرة على فرض الإرادة المطلقة دون تكلفة. التهديد ليس دليل قوة، بل اعتراف ضمني بأن أدوات الإقناع الناعمة لم تعد كافية، وأن الهيمنة التي كانت مفروضة بالخوف بدأت تتصدع.
إلى أين تتجه المسرحية؟
إن ما يجري ليس فوضوياً كما يبدو، بل هو مشهد مرسوم بعناية ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط برمته. التفاوض مع إيران ليس إلا شراء للوقت، وإطلاق يد إسرائيل ليس سوى أداة لفرض واقع جديد في لبنان وغزة، والضغط على دول الخليج للتطبيع القسري هو الحلقة الأخيرة في سلسلة التطويق الكامل. وفي العمق، هناك حرب على كل محاولة للتحرر من هيمنة الدولار، تُخاض أدواتها في مياه مضيق هرمز ودهاليز البنوك المركزية، وفي ميناء الدقم ومحطات الغاز المسال، وعلى امتداد السواحل العُمانية حتى القرن الأفريقي، وفي صوامع البيانات التي قد تصبح قنابل معلوماتية في الأيدي الخطأ. ثمة مخطط يتكشف ببطء لإخضاع المنطقة لمنظومة مصالح لا تقبل الشراكة الحقيقية ولا تعترف بالسيادة الكاملة، لا السياسية منها ولا الاقتصادية ولا المعلوماتية. وعُمان، بهذا المعنى، ليست مجرد دولة صغيرة تُهدَّد، بل هي "المفتاح الخفي" الذي يمكن أن يفتح باب التحرر من هيمنة الدولار، ويغلق باب التطبيع الكامل، ويكسر احتكار واشنطن للممرات المائية والبيانات الاستراتيجية معاً. تهديد ترامب ليس نزوة عابرة، بل هو اعتراف ضمني بأهمية عُمان في لعبة الشرق الأوسط الكبرى.
غير أن تحت الرماد جمراً قد يشتعل في أية لحظة. فالمنطقة ليست جثة هامدة، والمقاومة لم تمت، والوعي الجمعي للشعوب لم يعد يتقبل بسهولة معادلة "السلام مقابل التبعية"، سواء كانت تبعية سياسية للقرار الإسرائيلي أو تبعية مالية لهيمنة الدولار أو تبعية معلوماتية لوكالات الاستخبارات. إنها لحظة تراكم ضغط هائل قد يؤدي إلى انفجار شامل إن لم يتم احتواؤه بعدالة حقيقية لا بمساومات تحت النار.
المسرحية مستمرة، والمخرجون يلوحون بالعصي والجزرة، من أزقة غزة المهدمة إلى مياه هرمز العميقة، ومن ميناء الدقم إلى سواحل زنجبار، ومن خوادم البيانات إلى دفاتر سجلات الناقلات. ولكن السيناريو قد يفلت من أيدي كتابه في أية لحظة. فحين يصبح التهديد هو اللغة الوحيدة المتبقية، وحين يصبح الصمت هو الرد العربي الوحيد، وحين يتحول الحياد إلى جريمة، والاستقلال المالي إلى خط أحمر، والمعلومة إلى سلاح، والوساطة الدبلوماسية إلى خيانة، تكون كل الاحتمالات واردة، وتتحول الملهاة إلى مأساة لا تبقي ولا تذر.
ملاحظة
المقال المذكور هو مقال تحليلي – استراتيجي يعبر عن رؤية كاتبه، ويستند في كثير من أطروحاته إلى وقائع يمكن التحقق منها عبر المصادر المذكورة أعلاه، وإلى استنتاجات مبنية على قراءة تلك الوقائع في سياقها الجيوسياسي.
المصادر :
اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين عُمان وإيران (1974
وكالة رويترز – 26 أكتوبر/تشرين الأول 2018: "Netanyahu makes surprise visit to Oman".
الخارجية العُمانية – بيان رسمي يؤكد الزيارة ويصفها بأنها "في إطار الحوار".
وزارة الخارجية الأمريكية – نصوص الاتفاقيات والبيانات المشتركة.
المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) – تقارير عن البنية التحتية الصينية في المحيط الهندي.
البنتاغون – بيانات صحفية واتهامات موجهة لإيران (مايو–يونيو 2019).
الشركة العُمانية للغاز الطبيعي المسال – بيانات رسمية عن العقود الموقعة مع الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
تغريدات دونالد ترامب على منصته (Truth Social) وتصريحات متفرقة خلال حملته الانتخابية (2023–2024) حول الحماية الأمريكية المشروطة.
مجلة فورين أفيرز – مقالات عن "تحديات اليوان الصيني لنظام البترودولار".
الأمم المتحدة (OCHA) – تقارير يومية عن الوضع الإنساني في غزة ولبنان.
منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش – توثيق انتهاكات القانون الدولي.
محكمة العدل الدولية – ملف الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل (ديسمبر 2023).
اليونيفيل – بيانات عن خرق إسرائيل لاتفاقية وقف إطلاق النار واجتياز نهر الليطاني.
مسقط – تصريحات رسمية عن استضافة جولات تفاوض بين طهران وواشنطن.
موقع أكسيوس (Axios) – تسريبات عن فحوى المباحثات وتعثرها.









