23 يونيو 2026|القاهرة 28 °

رامي أبو زبيدة يكتب: حين تعجز القوة عن صناعة الشرعية.. سقوط مشروع المليشيات في غزة

أعاد تصاعد النقاش داخل الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية الإسرائيلية حول ما يعرف بـ مشروع المليشيات العميلة في قطاع غزة فتح ملف أحد أكثر المشاريع الإسرائيلية إثارة للجدل منذ اندلاع الحرب. فبعد أكثر من عامين على انخراط الاحتلال في دعم وتسليح مجموعات محلية محدودة بهدف خلق بديل محلي لحركة حماس، بدأت تتسع دائرة الأصوات الإسرائيلية التي تصف هذا المسار بالفشل الاستراتيجي، بل إن بعض التقديرات ذهبت إلى اعتباره أحد أبرز مظاهر التخبط في إدارة ملف "اليوم التالي" للحرب.

بقلم: أخبار ومتابعات
منذ 1 يوم
7 دقائق قراءة
8 مشاهدة
رامي أبو زبيدة يكتب: حين تعجز القوة عن صناعة الشرعية.. سقوط مشروع المليشيات في غزة

رامي أبو زبيدة يكتب: حين تعجز القوة عن صناعة الشرعية.. سقوط مشروع المليشيات في غزة

أعاد تصاعد النقاش داخل الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية الإسرائيلية حول ما يعرف بـ"المليشيات العميلة" في قطاع غزة فتح ملف أحد أكثر المشاريع الإسرائيلية إثارة للجدل منذ اندلاع الحرب. فبعد أكثر من عامين على انخراط الاحتلال في دعم وتسليح مجموعات محلية محدودة بهدف خلق بديل محلي لحركة حماس، بدأت تتسع دائرة الأصوات الإسرائيلية التي تصف هذا المسار بالفشل الاستراتيجي، بل إن بعض التقديرات ذهبت إلى اعتباره أحد أبرز مظاهر التخبط في إدارة ملف "اليوم التالي" للحرب.

وتنبع أهمية هذا التحول من كونه لا يصدر عن أطراف فلسطينية أو جهات معارضة للاحتلال، وإنما عن وسائل إعلام إسرائيلية وخبراء أمنيين وعسكريين كانوا في الأصل جزءاً من البيئة التي نظرت إلى هذه المجموعات باعتبارها أداة يمكن توظيفها لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في قطاع غزة.

لقد قامت الفكرة الأساسية للمشروع على افتراض أن الضغوط العسكرية والإنسانية الهائلة التي تعرض لها قطاع غزة يمكن أن تخلق بيئة اجتماعية تسمح بظهور قوى محلية بديلة تتولى مهام أمنية وإدارية في المناطق التي ينسحب منها الاحتلال أو يعيد تنظيم سيطرته عليها. وفي هذا السياق، جرى تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي والعسكري لعدد من المجموعات المسلحة التي حملت مسميات مختلفة، وتم الترويج لها باعتبارها نواة لقوى محلية يمكن البناء عليها مستقبلاً ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.

غير أن المعطيات التي بدأت تتكشف تباعاً تشير إلى أن المشروع اصطدم منذ مراحله الأولى بجملة من التحديات البنيوية التي جعلت فرص نجاحه محدودة للغاية.

فالتقارير الإسرائيلية نفسها تؤكد أن هذه المجموعات لم تتمكن من تشكيل تحد حقيقي لنفوذ حماس في المناطق المأهولة من قطاع غزة، كما أنها فشلت في بناء قاعدة اجتماعية أو سياسية تمنحها الحد الأدنى من الشرعية اللازمة للتحول إلى فاعل محلي مؤثر.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن أكثر من 99% من سكان قطاع غزة ما زالوا يعيشون ضمن مناطق تخضع فعلياً لتأثير حماس أو إدارتها، وهو مؤشر بالغ الأهمية لأنه يكشف محدودية التأثير الجغرافي والسكاني للمليشيات المدعومة من الاحتلال. فنجاح أي مشروع بديل يفترض قدرته على بناء فضاء اجتماعي وسياسي خاص به، بينما بقيت هذه المجموعات محصورة في جيوب ضيقة مرتبطة بالحماية العسكرية الإسرائيلية المباشرة.

كما تكشف الشهادات الواردة من داخل القطاع أن هذه المجموعات لم تنجح في اكتساب ثقة السكان، بل على العكس من ذلك، ارتبط اسم بعضها باتهامات تتعلق بسوء المعاملة والسرقة والابتزاز والانتهاكات بحق المدنيين، الأمر الذي عمّق الفجوة بينها وبين المجتمع المحلي. وفي السياق ذاته، فإن غياب الشخصيات ذات الحضور الاجتماعي أو التاريخ الوطني عن قيادة هذه التشكيلات جعلها تبدو في نظر قطاعات واسعة من الفلسطينيين مجرد أدوات وظيفية مرتبطة بالمشروع الإسرائيلي أكثر من كونها تعبيراً عن احتياجات المجتمع أو تطلعاته.

ومن منظور أمني بحت، فإن فشل المشروع لا يرتبط فقط بغياب الشرعية الشعبية، وإنما أيضاً بطبيعة القوى التي جرى الاعتماد عليها. فالكثير من الشخصيات التي تم استقطابها لا تمتلك خلفيات سياسية أو تنظيمية تؤهلها لإدارة مناطق أو مجتمعات محلية، كما أن بعضها ارتبط سابقاً بملفات جنائية أو شبكات تهريب أو نشاطات خارجة عن القانون. وهذا ما دفع عدداً من الخبراء الإسرائيليين إلى التحذير من أن هذه المجموعات قد تتحول مستقبلاً إلى مصدر تهديد أمني بحد ذاته، سواء من خلال الانشقاق أو انتقال عناصرها إلى جهات أخرى أو استخدام القدرات العسكرية التي حصلت عليها في اتجاهات غير متوقعة.

وتزداد خطورة هذا الاحتمال في ضوء التقارير التي تحدثت عن حصول بعض هذه المجموعات على وسائل قتالية أكثر تطوراً، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والمعدات الاستخباراتية. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الجماعات المسلحة التي تنشأ في ظروف الحرب وتفتقد إلى الضبط المؤسسي والشرعية السياسية غالباً ما تتحول لاحقاً إلى عبء أمني على الجهات التي أنشأتها ودعمتها.

وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة وجود تباين واضح داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها بشأن مستقبل هذه المليشيات. فوفقاً للعديد من المؤشرات، يبدو أن جهاز الشاباك ما زال ينظر إليها باعتبارها أداة استخباراتية يمكن الاستفادة منها في جمع المعلومات وإدارة بعض المهام الميدانية، بينما تميل أوساط داخل المؤسسة العسكرية إلى اعتبارها عبئاً أمنياً وأخلاقياً واستراتيجياً، خصوصاً في ظل الشكوك المتزايدة حول ولائها وقدرتها على الاستمرار.

ويعكس هذا التباين أزمة أعمق تتعلق بفشل إسرائيل في بلورة تصور واقعي لإدارة قطاع غزة بعد الحرب. فالمليشيات لم تستطع أن تتحول إلى بديل سياسي، والعشائر لم تنجح في لعب الدور الذي كان يُراد لها، كما أن محاولات خلق هياكل محلية جديدة اصطدمت برفض فلسطيني واسع. وبذلك تجد إسرائيل نفسها أمام مأزق يتمثل في غياب القوة المحلية القادرة على ملء الفراغ الذي كانت تسعى إلى صناعته.

وفي ضوء المعطيات الحالية، يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذه المجموعات. يتمثل السيناريو الأول في استمرار الدعم الإسرائيلي لها ولكن ضمن أدوار أمنية واستخباراتية محدودة، بعيداً عن الطموحات السابقة المتعلقة بصناعة بديل سياسي أو إداري لحكم غزة. 
أما السيناريو الثاني فيقوم على تقليص هذا المشروع تدريجياً وإعادة هيكلة بعض عناصره أو نقلهم إلى مناطق أكثر أمناً تحت الحماية الإسرائيلية المباشرة، وذلك بهدف الحد من التداعيات الأمنية والسياسية الناجمة عن استمرار وجودهم. 
في حين يتمثل السيناريو الثالث في التفكك التدريجي لهذه المجموعات نتيجة الضغوط الميدانية وفقدان الحاضنة الاجتماعية وتزايد الانقسامات الداخلية، وهو سيناريو تشير العديد من المؤشرات إلى أن بوادره بدأت بالفعل بالظهور.

وعلى المستوى الاستراتيجي، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في أداء هذه المليشيات بقدر ما يكمن في طبيعة الفرضية التي تأسس عليها المشروع برمته. فقد افترضت إسرائيل أن القوة العسكرية قادرة على إنتاج شرعية سياسية، وأن الدعم الخارجي يمكن أن يصنع قيادة محلية بديلة، وأن المجتمعات الواقعة تحت الضغط ستقبل بأي نموذج يوفر لها الحد الأدنى من الاستقرار. إلا أن التجربة في غزة أعادت التأكيد على حقيقة تاريخية راسخة مفادها أن الشرعية لا تُستورد من الخارج، وأن الكيانات الوظيفية التي تنشأ في ظل الاحتلال تظل عاجزة عن التحول إلى مكونات مستقرة داخل مجتمعاتها.

وعليه، فإن تكرار الحديث الإسرائيلي عن فشل مشروع المليشيات لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد مراجعة تكتيكية، بل باعتباره مؤشراً على أزمة أعمق تواجهها إسرائيل في ملف "اليوم التالي". فبعد أشهر طويلة من الاستثمار السياسي والأمني والعسكري في هذا المسار، تبدو تل أبيب اليوم أقرب إلى الاعتراف الضمني بأن أحد أهم رهاناتها لإعادة هندسة الواقع الغزي قد وصل إلى طريق مسدود، وأن مشروع المليشيات العميلة بات يمثل نموذجاً جديداً لفشل محاولات صناعة بدائل محلية بالقوة العسكرية والإسناد الاستخباراتي.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

رامي أبو زبيدة يكتب: حين تعجز القوة عن صناعة الشرعية.. سقوط مشروع المليشيات في غزة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°