4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

عودة "مبدأ مونرو" ونظرة مغايرة للشرق الأوسط والصين.. قراءة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025

أعلن البيت الأبيض منتصف ليل الخميس الجمعة، عن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025، وهي الوثيقة الرسمية التي يعلن من خلالها الرئيس وفريقه كيف ترى الولايات المتحدة العالم، وما الذي تعتبره تهديدا مباشرا لأمنها ومصالحها.

بقلم: عمرو المصري
٥ ديسمبر ٢٠٢٥
14 دقائق قراءة
9 مشاهدة
استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025

استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025

أعلن البيت الأبيض منتصف ليل الخميس الجمعة، عن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025، وهي الوثيقة الرسمية التي يعلن من خلالها الرئيس وفريقه كيف ترى الولايات المتحدة العالم، وما الذي تعتبره تهديدا مباشرا لأمنها ومصالحها، وما هي أولوياتها في السياسة الخارجية والدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا والحدود.  

الوثيقة تؤكد بلهجة واضحة أن هذه الاستراتيجية تمثّل «تصحيحًا ضروريًا» لمسار السياسة الخارجية الذي وصفته الإدارة السابقة بأنه أدى إلى إضعاف الأمن القومي الأمريكي داخليًا ودوليًا. الهدف المُعلن ليس مجرد تعديل سياسات تقليدية، بل إعادة تأسيس هوية قومية تربط بين القوة العسكرية والسيادة الاقتصادية والصحة الثقافية للمجتمع الأمريكي كشرط لاستدامة النفوذ العالمي. هذا الطرح يجعل من «أمريكا أولاً» محورًا لا مناص منه في حسابات السياسة الخارجية والداخلية على حد سواء، ويضع المعالجات الداخلية على مستوى الأمن في مرتبة متقدمة. 

الوثيقة تبنّي خطابًا مزدوجًا: وهي خطاب استراتيجية رسمية مليء بالمفاهيم التقنية عن سلاسل الإمداد والتفوق التكنولوجي، وفي الوقت نفسه خطاب سياسي تعبوي يعيد إنتاج رواية استعادة العظمة الوطنية عبر إعادة إحياء القاعدة الصناعية والقيم الثقافية. هذه المزجية تشرح سبب ظهور عبارات مثل «الصحة الروحية والثقافية» داخل نص استراتيجي رسمي، وتبرّر ولاء الإدارة الحالية لسياسات داخلية تهدف إلى «إصلاح» ما سُمّي بالعولمة المدمرة. 

تعريف المصالح الوطنية

الاستراتيجية تضيق تعريف المصلحة القومية إلى مجموعة محددة وواضحة من البنود التي تتحكم في الأولويات: بقاء الجمهورية وسيادتها، سيطرة صارمة على الحدود، اقتصاد صناعي قادر على تلبية متطلبات الدفاع، طاقة رخيصة ووفيرة، وتفوّق تكنولوجي يحمي الملكية الفكرية ويُبقي ميزان القوة في صالح أمريكا. هذا الضيق في التعريف يعكس مقاربة عملية تُحاول تجنّب «قوائم الأمن الشاملة» التي تُضعف التركيز وتشتّت الموارد. 

بتعريفها للمصلحة، تؤكد الوثيقة أن أي انخراط خارجي يجب أن يُقاس بمدى مساهمته في هذه الأهداف المحددة. وهكذا يظهر المنهج الانتقائي: الالتزام حيث تصب المصلحة المباشرة، والتقليل أو الانسحاب حيث لا يوجد مردود مادي أو أمني مباشر. هذا المعيار يُبرّر إعادة توجيه المجهود الدولي وفرض شروط جديدة على تحالفات كانت سائدة في العقود الماضية. 

أدوات القوة الوطنية

تركّز الوثيقة على ثلاث ركائز متشابكة تمثل أدوات القوة: اقتصادية (إعادة التصنيع، الرسوم، سلاسل التوريد)، تكنولوجية (الذكاء الاصطناعي، الكمّ، الفضاء، السيبر)، وعسكرية (تحديث الترسانة، إنتاج الذخائر، قدرات الردع النووي والدفاعات الصاروخية المتقدمة). ربط هذه الأدوات ببعضها يعكس فهمًا أن التفوق العسكري بلا عمق صناعي وتقني لن يدوم، وأن التفوق التقني بلا سياسة صناعية صحيحة يولّد تبعية استراتيجية.

من الوسائل العملية البارزة: تسخير الآليات الحكومية المالية لدعم شركات أمريكية في الأسواق الخارجية، فرض شروط شراء (sole-source) في الاتفاقات الحساسة، استخدام التعريفات الجمركية كأداة استراتيجية لإعادة توطين القطاعات الحساسة، وتشجيع إزالة القيود التنظيمية لسرعة الابتكار. هذه الأدوات تُغلق مساحات واسعة أمام الخيارات القديمة وتفتح أبواب سياسة اقتصادية هجومية تُمكّن أمريكا من «المعاقب والساحب» في آن واحد.

المبادئ الاستراتيجية الهجينة

الوثيقة تعرض منظومة مبادئ تُسمّيها «سلام عبر القوة»، «ميل إلى عدم التدخّل»، و«واقعية مرنة». مزيج هذه المبادئ يعكس سعي الإدارة إلى توازن صعب: توظيف القدرة العسكرية والاقتصادية لردع التهديدات وإخراج نتائج صفقات رئاسية ناجعة، مع وضع حدّ لعمليات «بناء الدول» المكلفة وطويلة الأمد. هذا التوازن يترجم في نهج انتقائي للتدخل: قوي وسريع حيث تتطلبه المصلحة، ومحدود أو غير متواصل حيث لا قيمة إستراتيجية مباشرة.

المبدأ الآخر ذو وزن خاص هو «عدالة التحالفات» أو تحميل الحلفاء نصيبًا أكبر من الأعباء، بما في ذلك مطلب سقف 5% من الناتج المحلي للدول الأعضاء في الناتو كما ورد في الوثيقة. هذه المطالب ليست مجرد نبرة؛ بل تُقترن بوعد بمنح امتيازات تجارية وتقنية لمن يستجيب، وهي استراتيجية قسرية-تحفيزية لإعادة توزيع أعباء الأمن. لكن هذا الاستناد إلى عنصر «المحاسبة» قد يختبر متانة التحالفات التقليدية إذا اعتُبر تهديدًا للعلاقة التشاركية القائمة. 

الأولويات والبرامج العملية

الاستراتيجية تضع مجموعة من الأولويات العملية المرتبة بوضوح: تأمين الحدود وإنهاء «عصر الهجرة الجماعية»، إعادة إحياء القاعدة الصناعية، تأمين سلاسل التوريد والمواد الحرجة، تحقيق «هيمنة طاقوية» عبر توسيع الإنتاج المحلي، وحماية التفوق التكنولوجي مع إجراءات حماية للملكية الفكرية. كل بند يترافق مع برامج محددة — مثل دعم مالي عبر وكالات حكومية للترويج لشراء منتجات أمريكية في الخارج أو استخدام التعريفات الجمركية كأداة لإعادة التوازن.

في البنية التنفيذية، ترتكز الخطة على تعاون وثيق بين الحكومة والقطاع الخاص، وتطلب إجراءات داخلية سريعة (دعم الاستثمار، تخفيف تنظيمات في بعض المجالات، وإجراءات لتعزيز الطاقة) بحيث تُحوَّل القدرات الوطنية إلى نفوذ عملي على المسرح الدولي. هذا التكامل يُظهر أن الاستراتيجية ليست مجرد خارطة أمنية بل مشروع اقتصادي-اجتماعي يربط بين رفاهية المواطن ومستوى القوة القادر على فرض المصالح. 

نهج نصف الكرة الغربي

الوثيقة تطرح ما وصفته بـ«قانون ترامب المتمم لعقيدة مونرو»: إعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي ومنع أي وجود خارجي استراتيجي يُعيق المصالح الأمريكية في منطقتها. تطبيقات هذا المبدأ تتضمّن تعزيز الحضور البحري وخفر السواحل، تقييد وصول منافسين لملكية أو إدارة مرافق استراتيجية، وتقديم بدائل اقتصادية للاستثمارات الأجنبية التي تأتي بشروط تُعدّ «فخًا للديون». كما تُبنى سياسة حوافز لربط حكومات المنطقة بالاقتصاد الأمريكي عبر تسهيلات تمويلية وعقود.

الاستراتيجية تذهب أبعد من سياسة أمنية محضة إلى سياسة اقتصادية-دبلوماسية: كل بعثة دبلوماسية أمريكية يجب أن تعمل كذراع للترويج للمصالح التجارية للشركات الأمريكية، وتحديد الفرص الاستراتيجية في البنى التحتية والطاقة والمعادن الحرجة. هذا المزيج يهدف إلى تقليص المساحات التي يمكن لخصوم جيوسياسيين استغلالها عبر توفير بدائل «أمريكية الثمن» تبدو أقل خطورة على السيادة المحلية. 

آسيا والمحيط الهادئ

الوثيقة تصف آسيا (المنطقة الإندو-باسيفيكية) بأنها ميدان القرن: نصف الناتج العالمي تقريبًا مرتبط بهذه المساحة، والصراع مع الصين هو إطار يتجاوز ملفًا واحدًا. نهج واشنطن يركّز على إعادة توازن العلاقات الاقتصادية مع الصين عبر مبدأ المعاملة بالمثل، وحماية سلاسل الإمداد، وتكوين تحالفات اقتصادية وسياسية قوية مع اليابان، أستراليا، الهند، وكوريا. كما تعزز أمريكا تفوقها العسكري في البحار وتنشط في تطوير تقنيات تحت السطح والفضاء والذكاء الاصطناعي لمنع أي هيمنة.

إلى جانب ذلك تُجمع الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية: برامج استثمارية تقودها الدولة لدعم شركات أمريكية في آسيا، إصلاحات في سلاسل التوريد للحد من الاعتماد على الأسواق العدائية، وضغوط للحفاظ على حقوق الملاحة. هذه الخطة تحاول تقليل خطر مواجهة عسكرية مفتوحة عبر تعزيز الردع، مع إبقاء الفضاء الاقتصادي مجالًا للمنازلة الطويلة. 

أوروبا الكبرى

الاستراتيجية تمنح أوروبا دورًا مركزيًا لكن بشروط: وهي تُطالب أوروبا باستعادة «ثقتها الحضارية» وزيادة إنفاقها الدفاعي، وتدعوها إلى إصلاحات اقتصادية لتجنب «الاختناق التنظيمي» الذي يضعف قابليتها التنافسية. واشنطن ترى أن أوروبا يجب أن تكون شريكًا قادرًا على تحمل الأعباء الأمنية الإقليمية، وأن تظل سوقًا مفتوحة للمنتجات الأمريكية مع حماية لحقوق الملكية ورفض ممارسات سرقة التقنية. هذا الموقف يضع على الطاولة علاقة قسرية: استئناف الدعم مشروط بتغيرات هيكلية وسياسات دفاعية أعمق.

الوثيقة أيضًا تشجّع على تسريع إنهاء النزاع في أوكرانيا كجزء من سياسة استقرار أوسع تهدف لإعادة بناء اقتصادات أوروبا وتفادي مزيد من التبعية للطاقة الروسية. لكن المقاربة الأمريكية هنا تُظهر أن السلام يُرى بوصفه وسيلة لاستعادة التوازن الاقتصادي والجيوسياسي، لا كغاية قيمة إنسانية مستقلة وحدها. 

الشرق الأوسط: صفقة واختيارات

تصف الوثيقة الشرق الأوسط كمنطقة متحوّلة: لا تزال مهمة لأسباب تتعلق بالممرّات الملاحية وأمن إسرائيل ومنع تصدير الإرهاب، لكنها لم تعد مركز ثقل السياسة الأمريكية كما في العقود الماضية، لأن أمريكا أصبحت مصدّرًا للطاقة وتعتمد أقل على نفط المنطقة. الاستراتيجية تُشير إلى أن نجاح العمليات العسكرية الدورية، ووساطات السلام الرئاسية، وتطبيع العلاقات (بما في ذلك توسيع اتفاقات إبراهام) سمحت بتحويل العلاقة إلى شراكة اقتصادية واستثمارية أكثر من كونها ساحة صراع دائم.

مع ذلك، ثمة تحذير واضح: تركيز واشنطن على «الصفقات» والنتائج الفورية دون معالجة جذور الانتهاكات أو مطالب العدالة قد يخلق استقرارًا جزئيًا قصير الأجل، لكنه لا يضمن منع تجدد الصراعات أو معالجة مسارات الاحتقان طويل الأمد، بما في ذلك الحقوق الفلسطينية. قراءة وثيقة البيت الأبيض تكشف أن الأمن الإسرائيلي يُعامل كقيمة ثابتة ضمن الحساب الاستراتيجي، ما يُساهم في ميل الإدارة إلى تسوية أزمة غزة وفق ما تراه «نتائج عملية» أكثر من مقاربة تستند إلى مساءلة حقوقية دولية.

أفريقيا الاستثمارية

الوثيقة تؤكد بوضوح أن التوجه لأفريقيا تحول من منطق المساعدات إلى منطق الاستثمار والصفقات، مع انتقاء الشركاء «القادرين والموثوقين» وامتناع واضح عن التزامات عسكرية طويلة الأمد. الوثيقة تشير إلى مجالات محددة لجذب الاهتمام الأمريكي: الطاقة (بما في ذلك النووية والغاز المسال)، والمعادن الحرجة، وتقديم بدائل للاستثمارات الصينية عبر شروط تجارية وأمنية مواتية للشركات الأمريكية. وقد نُصح بإجراء تسويات للنزاعات الإقليمية كجزء من الرسالة الأمريكية للاستقرار وجذب الفرص.

هذا التوجّه يحمل فرصًا عملية لكنه يَعِد بتبادل انتقائي للمصالح: استثمارات أمريكية مبنية على مصالح تجارية واستراتيجية، وليس على برامج تنموية شاملة أو دعم حقوقي كامِل. لذلك، قد تُواجه السياسة الأمريكية في أفريقيا تحديات قبول محلي إذا نظر إليها على أنها بديل عملي للمساعدات التقليدية لكنه لا يبني مؤسسات قوية أو يحل جذور الفقر والصراع. 

الاقتصاد كسلاح

أكثر ما يميّز هذه الاستراتيجية هو اعتبار الاقتصاد أداة استراتيجية أساسية: تعريفات جمركية، شروط شراء مفضلة للشركات الأمريكية، استخدام سياسات الطاقة والتكنولوجيا كأدوات ضغط، واستغلال مركزية الدولار والأسواق المالية كوسائل لعزل المنافسين. هذا المنحى يجعل من السياسة الاقتصادية ساحة صراع متعمد تُستخدم فيها أدوات السوق كقوة ناعمة وصلبة في آن.

ومع ذلك، تواجه هذه المقاربة مخاطر ردود فعل متبادلة: خطوات حمائية قد تخلق دوائر انتقامية، وتحالفات تجارية مضادة قد تُضعف الأسواق الأمريكية على المدى المتوسط إذا لم تُدار بحذر. الوثيقة تقترح مزيجًا من الحوافز والعقوبات لتقليل هذه المخاطر، لكن الفاعلية الحقيقية ستعتمد على قدرة الإدارة على توحيد الحلفاء وإقناعهم بالتحركات المضادة للصين وغيرها. 

قوة التكنولوجيا والدفاع الصناعي

تحقيق التفوق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والكمّ والفضاء والأنظمة الذاتية يتصدر قوات التنافس المستقبلية وفق الوثيقة. لذلك تُطالب الاستراتيجية بتسريع الاستثمار والبحث وتسهيل البيئة التنظيمية للابتكار الأمريكي، مع التركيز على أمن سلاسل الإمداد للمواد النادرة. كما تُؤكد الوثيقة على ضرورة إعادة إحياء قاعدة صناعات الدفاع لتمكين إنتاج واسع للذخائر والأنظمة الرخيصة والفعّالة، وهو درس مستفاد من تكاليف المواجهات الحديثة.

هذه الخطة التقنية-الصناعية تُدعم بفكرة «المرونة الوطنية»: أن تمتلك أمريكا شبكات إنتاجية قادرة على التشغيل في أزمات، وأن تُبقي حوافز لأبحاث أساسية تعيد أمريكا إلى صدارة الابتكار العالمي. لكن التنفيذ يتطلب استثمارات ضخمة وإصلاحات تعليمية وهيكلية طويلة الأمد. 

الهجرة والحدود كأمن قومي

واشنطن تُعلن بوضوح أن «عصر الهجرة الجماعية انتهى»، وأن أمن الحدود يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي. هذا يتضمن إجراءات صارمة لوقف الهجرة غير المنظمة، ربط الهجرة بتهديدات أمنية مثل تهريب المخدرات والاتجار بالبشر، وإجراءات لتقليل الضغوط على الخدمات العامة والاقتصاد. المبرر الاستراتيجي واضح: حفظ النسيج الاجتماعي والاقتصادي داخل أمريكا ينعكس كقوة تحمل في السياسة الخارجية.

إلا أن هذه الرؤية قد تُثير انتقادات داخلية وخارجية حول حقوق اللاجئين والمعايير الدولية، وقد تؤثر في العلاقات مع دول مصدر المهاجرين إذا لم تُدار بتوازن إنساني وسياسي قابل للتطبيق. الوثيقة تحاول تقديم تبرير أمني واقتصادي لهذه السياسة، لكنها تترك ثغرات في كيفية تحقيق الامتثال الإنساني للقوانين الدولية. 

فرص التنفيذ وعوائقها

الاستراتيجية طموحة وقابلة للتنفيذ جزئيًا بفضل ميزات أمريكا: سوق رأسمالي قوي، تفوق تكنولوجي، قوات مسلحة متطورة، ودول حليفة ذات إمكانات. ومع ذلك تواجه الخطة عوائق مادية وسياسية: الوقت والتكلفة اللازمان لإعادة التصنيع، مقاومة داخلية وخارجية للتدخلات الحمائية، ومخاطر تآكل التحالفات إذا فُسّرت المطالب الجديدة على أنها شروط قسرية بدل شراكة متكافئة. كثير من النجاحات الموعودة تعتمد على قدرة الإدارة على إقناع القطاع الخاص والكونغرس والحلفاء بالمخاطر والفوائد المشتركة.

الوثيقة تفترض أيضًا قدرة التنفيذ الإداري السريع وإزالة عقبات تنظيمية، وهو أمر سهل الكلام عنه لكنه يتطلب تماسكًا داخليًا واستمرارية سياسية قد تتأثر بدورات انتخابية أو مقاومات سياسية محلية. لذا، تبقى مسألة التنفيذ اختبارًا عمليًا للواقعية المعلنة في الاستراتيجية. 

مخاطر التطبيق والتداعيات الاستراتيجية

أول مخاطر التطبيق هو التعرّض لتآكل الثقة مع الحلفاء إذا اعتُبر مطلب «العدالة في التحالفات» بمثابة ابتزاز. ثانيًا، أن تحوّل الاقتصاد إلى ساحة حرب دائمة قد يولّد دورات انتقامية وتبعات اقتصادية تضر بالمستهلك الأمريكي. ثالثًا، أن تؤدي السياسات الانتقائية في مناطق مثل الشرق الأوسط إلى استقرار هش لا يعالج الأسباب البنيوية للصراعات، مما يعيد إنتاج بؤر توتر لاحقة. هذه المخاطر تفرض موازنة دقيقة بين الضغط والاحتواء والدبلوماسية المدروسة.

ومن زاوية شعبية داخلية، ربط السياسة الخارجية بإصلاحات ثقافية واجتماعية يحمل خطر تحويل ملفات استراتيجية عالمية إلى أدوات داخلية لتحقيق مكاسب انتخابية أو هوية. هذا الربط قد يقوّض شرعية السياسة الخارجية على الساحة الدولية إذا صُنّف على أنه «مشروع ثقافي» بدل مشروع تحفظي يركز على الأمن والمصلحة. 

استراتيجية الأمن القومي لأمريكا 2025، كما صدرت موقعة من الرئيس دونالد ج. ترامب، تُقدّم تصوّرًا متماسكًا لكنه طموح للغاية لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية عبر ربط الأمن بالاقتصاد والهوية الثقافية. الوثيقة تجمع بين أدوات قوة قديمة — مثل الجيش والتحالفات — وأدوات قوة حديثة — مثل الصناعة والتكنولوجيا والأسواق المالية — في مشروع يهدف إلى إعادة توطين المركز الأمريكي في قلب النظام العالمي.

لكن الواقع العملي سيختبر مدى واقعية هذه الرؤية: هل تستطيع أمريكا تحويل هذه الرؤية إلى سياسات قابلة للقياس والمستمرة دون أن تُفقد حلفاءها الثقة أو تُشعل دوائر اقتصادية مضادة؟ الوثيقة تقدم إجابات استراتيجية واضحة عن «ما يريد» و«بأي وسائل»، لكنها تترك تحديات التنفيذ والعواقب الجانبية كاختبارات ميدانية ستقرير مصير نجاح هذه الرؤية أو فشلها.


2025-National-Security-Strategy

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

عودة "مبدأ مونرو" ونظرة مغايرة للشرق الأوسط والصين.. قراءة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025 - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°