تحية نضالية.. يتناول الإعلامي فراس الطيراوي والناشط السياسي والكاتب العربي الفلسطيني عضو الامانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام في مقاله المعنون بـ "منظمة التحرير… القلعة الوطنية التي تتكسر عليها سهام المتطاولين"، هذا التشبيه، رغم جماليته البلاغية، يحمل مغالطة تحليلية كبرى وقد أثار لديّ قلقًا منهجيًا عميقًا. إن الدفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية بتصويرها كحصن مقدس، ومقاومة أي نقد موجه لها باعتباره "سهام تطاول" أو "خدمة للرواية الإسرائيلية"، هو نهج خطير يعطل التفكير النقدي ويجمّد المؤسسة في لحظة تاريخية ذهبية وهمية.
الرد على الخطابات الفردية لـ عريب الرنتاوي أو رشيد الخالدي أو مروان المعشر، رغم أهميته، يظل علاجًا للأعراض إن غاب التشخيص الجذري للمرض. النقد ليس تشويهًا، بل هو تشريح لواقع مُرّ تكشَّف عبر مسار طويل من التنازلات والتحولات البنيوية التي أفقدت المنظمة جوهرها التحرري، وحوّلتها في أفضل أحوالها إلى إدارة للأزمة، وفي أسوأها إلى شريك في إدارة الاحتلال. الدفاع عن "البيت الوطني" لا يعني إنكار أن هذا البيت، بقيادته وسياساته الحالية، لم يعد يحتمي به الشعب، بل أصبح عبئًا على مستقبله. هذه القراءة هي محاولة لتفكيك الخطاب الدفاعي عبر مراجعة استراتيجية جيوسياسية للمسار الذي حوّل "مشروع التحرير" إلى "سلطة إدارة محاصصة"، ولتحليل السياقات التي جعلت النقد، الذي يصفه الكاتب بالتطاول، ضرورة وجودية لإعادة تعريف المشروع الوطني نفسه.
فما يقدمه المقال هو دفاع انفعالي عن رمزية، متجاهلاً السياقات التاريخية المعقدة لتأسيس المنظمة والتحولات الجوهرية التي أصابت جسدها، وجعلت شرعيتها، في أعين شرائح واسعة من شعبنا، موضع تساؤل جدي وجودي. لسنا هنا في معرض "خدمة الرواية الإسرائيلية" بل في ساحة مساءلة وطنية صريحة أمام تاريخ من القرارات المصيرية التي قادت القضية إلى الحافة.
هذا الرد محاولة لوضع الأمور في نصابها الحقيقي، عبر قراءة نقدية تبدأ من لحظة الميلاد.
المحور الأول: لحظة التأسيس: الإرادة العربية والوصاية على القضية
قبل الحديث عن المنظمة كـ "خيمة الشعب"، لا بد من قراءة لحظة ميلادها بموضوعية. الباحث الفلسطيني الراحل سميح حمودة يؤكد في كتابه "منظمة التحرير الفلسطينية: التأسيس والتطور" أن "الأنظمة العربية أرادت من خلال إنشاء المنظمة احتواء المقاومة الفلسطينية العفوية التي كانت تهدد أمنها الاستراتيجي، وتحويل القضية إلى ملف يمكن التحكم به" . هذا السياق المؤسسي يفسر لماذا ظلت المنظمة منذ البداية رهينة موازين القوى الإقليمية، وليس تعبيرًا محضًا عن الإرادة الفلسطينية هذا الدفاع يخلط بين مستويين للشرعية:
· الشرعية الخارجية (De Jure): وهي اعتراف الدول والمحافل الدولية. وهذه ثابتة ولكنها أصبحت سلبية؛ فقد تحولت إلى ورقة في يد المجتمع الدولي لإدارة الصراع دون حله، حيث يتم التعامل مع المنظمة كطرف مفاوض ضعيف في عملية لا تنتهي.
· الشرعية الداخلية (De Facto): وهي تفويض الجماهير وثقتها. وهذه مفككة تمامًا. غياب الحياة الديمقراطية داخل مؤسسات المنظمة (أخر انتخابات للمجلس الوطني 1996)، وتهميش الشتات، وفقدان تمثيل شريحة كبيرة من الشعب في غزة والشتات، وتحولها إلى بيروقراطية مصلحية، كلها عوامل أفقدتها هذه الشرعية.
· الخلاصة: ليست إسرائيل من يحتاج إلى "نزع الشرعية"، فالمنظمة قامت بهذا بنفسها عبر سياساتها. السؤال الاستراتيجي: أيهما أخطر على المشروع الوطني: نقد يكشف هذا الانهيار لتحفيز الإصلاح، أم دفاع يُجمّد الوضع القائم الذي تريده إسرائيل بالضبط – قيادة فلسطينية ضعيفة، مقبولة دوليًا، وعاجزة عن فرض التغيير؟
فمنظمة التحرير الفلسطينية لم تولد من رحم إرادة فلسطينية خالصة ومنظمة فحسب، بل وُلدت بقرار من القمة العربية (مؤتمر القمة العربية الثاني في الإسكندرية، 1964). كان الهدف المعلن "تحرير فلسطين"، لكن السياق السياسي الإقليمي يروي قصةً أكثر تعقيدًا.
لقد سعت الأنظمة العربية، عبر إنشاء هذه المنظمة تحت مظلة الجامعة العربية، إلى تحقيق أهداف عدة:
1. تنظيم الشتات الفلسطيني: كبح جماح تحركاته العفوية المسلحة التي كانت تُقلق استقرار الدول المضيفة.
2. احتواء القضية مؤسسيًا: وضعها في إطار يمكن التحكم به سياسيًا وماليًا، وبالتالي التخلص من التبعات المباشرة وغير المتوقعة التي كانت تفرضها على كاهلها.
3. تحويل الصراع: من صراع وجودي مع إسرائيل قد يجلب الحروب، إلى "مشكلة فلسطينية" يُفترض أن يحلها الفلسطينيون بأنفسهم تحت الوصاية العربية.
هكذا، كانت المنظمة في لحظة تأسيسها أيضًا تعبيرًا عن إرادة عربية للتخلص من إحراج القضية والتزاماتها، وليس فقط تجسيدًا للإرادة الفلسطينية للتحرير. وظلت الجامعة العربية لعقود تتعامل مع المنظمة كسيارة من سيارات الوفود، تُحاط بالخطابات الرنّانة وتُهمَّش عند اتخاذ القرارات المصيرية. هذا الأصل المؤسسي يلقي بظله الثقيل على المسار اللاحق، ويُفسر هشاشة الاستقلال القيادي للمنظمة في كثير من المحطات الحاسمة.
المحور الثاني : التشريح الجيوسياسي: من الإطار التحرري إلى الكيان الوظيفي
لا يمكن فهم هذا الانهيار دون قراءة التحولات البنيوية الكبرى في مسار المنظمة، والتي تمثل سلسلة من التنازلات الاستراتيجية تحت شعار "الواقعية السياسية".
يُصور الدفاع التقليدي التخلي عن الميثاق الوطني كنوع من "التطوير السياسي الذكي" أو "المرونة". وهذا قلب للحقيقة. الميثاق الوطني لسنة 1968 كان التعبير القانوني والسياسي عن الهدف الاستراتيجي الأصيل لوجود المنظمة: تحرير كامل فلسطين. التحول الجذري لم يأتِ من إرادة جماهيرية ديمقراطية، بل كان تراجعًا استراتيجيًا مُتصاعدًا تحت وطأة موازين القوى الإقليمية والدولية:
· 1974 - برنامج النقاط العشر: كان القبول بإقامة سلطة وطنية على أي جزء يُحرَّر من فلسطين هو أول انزياح جدي عن هدف التحرير الكامل، وبداية رسمية لاستراتيجية "المراحل".
· 1988 - إعلان الاستقلال وقبول قراري 242 و338: في الجزائر، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين على حدود 1967، وقبل بـ "حل الدولتين". كان هذا اعترافًا ضمنيًا بإسرائيل على 78% من أرض فلسطين التاريخية، واختزالاً للقضية من قضية تحرير إلى قضية حدود.
· 1993 - أوسلو: الذروة التنازلية: كان اتفاق إعلان المبادئ ختمًا على هذا المسار. لم يعد الأمر يتعلق بـ "أي جزء يُحرَّر"، بل بالدخول في عملية سياسية تحت سيطرة الاحتلال نفسه. شطب بنود الميثاق لاحقًا كان مجرد إجراء شكلي لتلميع الصورة أمام واشنطن، وليس تفويضًا شعبيًا.
هذا المسار لم يكن "دبلوماسية". كان مسار تنازل منهجي: من التحرير، إلى الدولة على كل الأرض، إلى الدولة على جزء من الأرض (1967)، إلى سلطة حكم ذاتي تحت الاحتلال. عندما تتنازل قيادة عن جوهر الهوية والمشروع الذي تأسست من أجله، فكيف يُلام من يسأل عن شرعيتها في تمثيل ذلك المشروع الأصلي؟
المحور الثالث: أوسلو والسلطة: من إطار التحرير إلى أداة إدارة الاحتلال
ها هنا يكمن القلب من المأساة. اتفاق أوسلو لم يكن "إنجازًا دبلوماسيًا تاريخيًا" كما يُروَّج، بل كان التحول الأكبر والأكثر كارثية في مسيرة المنظمة. لقد حوَّلها من إطار تحرري جامع لكل الفلسطينيين أينما وجدوا، إلى "سلطة حكم ذاتي" مقيدة جغرافيا وسياسياً داخل جيوب من الضفة الغربية وقطاع غزة. النتائج كانت مدمرة على مستويات عدة:
1. تغييب الشتات واللاجئين: انتقل ثقل النشاط السياسي والموارد المالية والاهتمام الدولي إلى الجغرافيا المحتلة عام 1967. تم تهميش ملايين الفلسطينيين في الشتات وإقصاؤهم فعليًا عن دائرة صنع القرار، رغم أن المنظمة من المفترض أنها ممثلتهم. سؤال اللاجئين وحق العودة، وهو جوهر القضية، تم تأجيله إلى "مفاوضات الحل النهائي" التي لم تأتِ، بينما كان يتم على الأرض تهويد القدس وضم الأراضي.
الوظيفة الجيوسياسية الحالية: إدارة الاحتلال بتكلفة أقل
· من منظور تحليل القوة، تحولت السلطة (الوريثة الفعلية للمنظمة) إلى ما يشبه "المقاول من الباطن" (Sub-contractor) للاحتلال. فهي تتولى المهام الأمنية (التنسيق الأمني) والإدارية والخدماتية المكلفة والمعقدة لإدارة حياة الملايين من الفلسطينيين، مما يُريح إسرائيل من هذه الأعباء ويُخفض كلفة الاحتلال المباشر. هذه الوظيفة التبعية هي التي تفسير استمرار دعم دولي وإقليمي لها رغم عدم تحقيق أي تقدم سياسي.
2. تحول السلطة إلى أداة وظيفية للاحتلال: كما يشير التحليل النقدي الموضوعي، تحولت السلطة الوطنية الفلسطينية إلى نظام "ريعي" يعتمد على "التنفيع". لقد أصبحت آلية لشراء الولاءات السياسية عبر توزيع الوظائف العامة والموارد والامتيازات، مما خلق طبقة من المستفيدين المرتبطين عضويًا ببقاء النظام القائم بغض النظر عن إنجازاته السياسية. هذا ما يفسر كيف يمكن للأجهزة الأمنية التابعة للسلطة أن تتعاون أمنيًا مع جيش الاحتلال تحت ذريعة "تنسيق الأمن"، في تناقض صارخ مع تاريخ النضال. لقد تحول جزء من بنية المنظمة/السلطة إلى ذراع إداري وأمني يُسهِّل للإسرائيليين إدارة الاحتلال وتكاليفه، بينما يحافظ على مظاهر سيادة وهمية.
3. تفكيك البنية النضالية: تحولت الفصائل من حركات تحرر إلى أحزاب سياسية تسعى للمقاعد في سلطة لا تملك سيادة، مما أفقدها قدرًا كبيرًا من روحها الثورية وحول الصراع إلى صراع على منافع داخل الإطار المفروض من قبل الاحتلال نفسه.
المحور الرابع: أزمة الشرعية "الاعتراف الدولي" الشرعية الدولية لا تغني عن الشرعية الداخلية
الدفاع العاطفي عن "القلعة" لا يجيب على السؤال المصيري: ما العمل؟ الخيارات الاستراتيجية محدودة وصعبة:
1. خيار الإصلاح الجذري (إعادة التأسيس): وهو الخيار الأمثل نظريًا والأصعب عمليًا. يتطلب:
· مؤتمر وطني فلسطيني شامل حقيقي: يمثل كل الجغرافيات (داخل الخط الأخضر، الضفة، غزة، الشتات) وكل الأجيال والقوى الفاعلة، بآلية تمثيل ديمقراطية.
· مراجعة الاستراتيجية: الإعلان الرسمي عن وفاة حل الدولتين بالشكل الحالي، وفتح نقاش وطني حول البدائل الاستراتيجية (مقاومة شعبية ممأسسة، ودبلوماسية هجومية قضائية، ودعوة لدولة ديمقراطية واحدة... إلخ).
· فك الارتباط التدريجي مع ترتيبات أوسلو: لاستعادة المبادرة وإنهاء وضع "المقاول من الباطن".
2. خيار التجاوز التاريخي: في حال استحالة الإصلاح، قد يشهد المشهد السياسي الفلسطيني بروز إطار تمثيلي جديد من الأسفل، ينبع من حركات الشعب وقواه الفاعلة على الأرض (مثل لجان المقاومة الشعبية)، يتجاوز المؤسسة القديمة وينحت شرعيته من الفعل النضالي والمقاوم اليومي، ويضع المنظمة القائمة أمام خيارين: الاندماج في هذا الجديد أو الانزواء في هامش التاريخ.
يدافع المقال عن المنظمة بكونها "الممثل الشرعي والوحيد الذي يعترف به العالم". وهذه حقيقة على الورق وفي المحافل الدولية. لكن الشرعية الدولية لا تغطي أبدًا على أزمة الشرعية الداخلية المتآكلة.
لقد تأسست شرعية المنظمة تاريخيًا على "الانخراط الجماهيري" عبر النضال والمشاركة الواسعة، وليس على صناديق الاقتراع فقط. بعد أوسلو، انقطع هذا الخيط:
· المجلس الوطني الفلسطيني: الجهاز التشريعي الأعلى، يعمل بنظام "الحصص" و"الإجماع" المتفق عليه بين النخب الفصائلية. هذا النظام صُمم للحفاظ على توازنات هشة ووحدة ظاهرية، لكنه في الواقع يحجب الإرادة الشعبية الحرة ويحافظ على هيمنة جيل قيادي تاريخي فقد صلته العضوية بالأجيال الجديدة.
· غياب الانتخابات: غياب الانتخابات الحرة للمجلس الوطني منذ عقود، وإقصاء القوى الفاعلة الجديدة والمقاومة (مثل حماس والجهاد الإسلامي) التي تمثل شرائح كبيرة من الشعب وخاصة في غزة، يحوِّل المنظمة إلى نادٍ مغلق لفصائل تاريخية فقدت الكثير من جذورها الشعبية.
· أزمة فتح ذاتها: حتى حركة فتح، العمود الفقري التاريخي للمنظمة، تعاني من انقسامات عميقة وتحولت في أجزاء كبيرة منها إلى مجموعة من "المستفيدين وأصحاب الامتيازات"، حيث حلت ولاءات المصالح الشخصية والمناصب محل الولاء للمشروع الوطني. مشاهد الخلافة والصراع داخل فتح اليوم هي تجسيد حي لهذا التحول.
المحور الخامس: واقع ما بعد الدولتين: البحث عن البديل في ظل استحالة العودة
بعد هذا التشريح، يبرز السؤال المحتوم: ما العمل؟ السؤال ليس ترفًا، بل هو ضرورة وجودية. فمشروع "الدولتين" الذي ارتكزت عليه المنظمة هو مشروع ميت سريريًا على أرض الواقع، بسبب:
· الاستيطان كحقيقة قاضية: الضفة الغربية اليوم هي أرخبيل من الكانتونات المعزولة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والجدار. المستوطنات (أكثر من 300) تسيطر فعليًا على ما يقارب 60% من مساحة الضفة (منطقة ج)، وتحتكر الموارد المائية والأراضي الزراعية.
· الضم الفعلي والسيادة الأحادية: إسرائيل تفرض حلاً من طرف واحد. القدس الشرقية مُضمَّنة، وقانون القومية يؤسس ليهودية الدولة على كامل الأرض، وخطط "بسط السيادة" على غور الأردن معلنة. "الكيان الفلسطيني" المفترض على أراضي 67 لم يعد موجودًا ككيان قابل للحياة.
إدارة الاحتلال: السلطة الفلسطينية هي كيان إداري يُسهِّل للاحتلال حكم الملايين من الفلسطينيين بتكلفة أقل.
في هذا المشهد، فإن الدعوة للعودة إلى "المربع الأول" أو شعار "من النهر إلى البحر" دون خطة استراتيجية واقعية هي حنين عاجز أو خطاب شعبوي. العودة إلى ذلك المربع تتطلب قوى وموازين وإرادة نضالية مختلفة جذريًا عما هو قائم. البحث عن البدائل يعني التعامل مع الواقع كما هو، وليس كما نتمناه. تبرز عدة سيناريوهات، لكل منها إمكانياته وتحدياته:
1. الدولة الديمقراطية الواحدة: التخلي عن التقسيم والدعوة لدولة واحدة ديمقراطية على كامل فلسطين. قوته: يواجه المشروع الصهيوني مباشرة ويستعيد الوحدة الجغرافية للقضية. تحديه: يُعتبر طوباويًا في المدى المنظور بسبب رفض الأغلبية الإسرائيلية له والقوة الهائلة للمشروع الصهيوني المدعوم دوليًا.
2. الدولة الواحدة ثنائية القومية: دولة اتحادية تضم شعبين بقوميتين متساويتين. قوته: يعترف بالحقوق الوطنية المتساوية. تحديه: نفس تحديات الدولة الديمقراطية، مع صعوبة تصميم نموذج حكم عادل في ظل اختلال موازين القوى.
3. حل الدولة على حدود 67 (بآلية مختلفة): عدم التخلي عن الفكرة، ولكن عبر آلية ضغط دولية وجماهيرية جديدة (مثل المقاطعة BDS، والمحاكم الدولية، والعضوية الكاملة في الأمم المتحدة) لإجبار إسرائيل على الانسحاب. قوته: يستند لشرعية دولية واسعة (اعتراف 146 دولة). تحديه: يبدو غير واقعي مع الرفض الإسرائيلي التام واستمرار نهب الأرض.
4. تفكيك السلطة وإعادة العهدة: اعتبار السلطة عبئًا وحلّها، وإعلان المنظمة (بعد إصلاحها) كـ "حكومة دولة تحت الاحتلال"، وإنهاء التنسيق الأمني لدفع إسرائيل لتحمل تكلفة الاحتلال الكاملة. قوته: يكسر حالة التبعية ويعيد تعريف الصراع كتحرر وطني. تحديه: مخاطرة بإحداث انهيار إنساني وأمني، ورد إسرائيلي بعنف شديد.
5. برنامج مقاومة وطني شامل: ليس بديلاً سياسيًا جاهزًا، بل إستراتيجية نضالية تجمع بين العمل الشعبي والمقاومة والدبلوماسية والمقاطعة، لرفع كلفة الاحتلال إلى درجة لا تُحتمل. قوته: واقعي ويعترف بأن الحقوق تُنتزع. تحديه الأكبر: يحتاج إلى قيادة فلسطينية موحدة ومشروع وطني جامع، وهو ما يُعد العائق الأكبر في ظل الانقسام وتصدع المنظمة.
الخلاصة: البديل يبدأ بإصلاح البيت الفلسطيني.. أو هدمه لبناء جديد
أمام هذا المشهد، يبدو أن السؤال الأصعب ليس "ما هو البديل النظري؟"، بل "ما هي الإرادة والقدرة الفلسطينية لصنع بديل واقعي؟". جميع السيناريوهات تصطدم بحائطين:
1. الأزمة البنيوية الداخلية: انهيار المشروع الوطني الجامع، وتحول المنظمة إلى هيكل أجوف، وهيمنة ثقافة المصالح، والانقسام. لا يمكن خوض معركة مصيرية بقيادة مشرذمة. البديل الحقيقي يبدأ بإعادة بناء الذات الفلسطينية على أسس ديمقراطية تمثيلية حقيقية، تستعيد وحدة الشعب وقضيته وروايته التي تبدأ من 1948 لا من 1967.
2. موازين القوى الإقليمية والدولية: الدعم الأمريكي الأعمى، والتطبيع العربي الجارف، وقوة إسرائيل العسكرية.
لذلك، فإن المخرج لا يكمن في اختيار بديل سحري، بل في إطلاق عملية وطنية شاملة تبدأ من الداخل: إصلاح جذري أو حتى تجاوز تاريخي لمؤسسات السلطة والمنظمة القائمة، وإعادة توحيد الصف على أساس برنامج نضالي واضح، واستعادة المبادئ الاولية . النقد الذي وُصف بـ "التطاول" هو البوابة الأولى لهذه العملية. الدفاع عن "القلعة" المهترئة من الداخل هو الذي يخدم، عن قصد أو غير قصد، إسرائيل، لأنه يحافظ على الوضع القائم المريح لها: قيادة فلسطينية ضعيفة، منقسمة، ومشغولة بإدارة أزمة لا بحلها. التحدي الحقيقي للأجيال الفلسطينية هو أن تخلق من رحم الهزيمة والتفكك الحالي، إرادة وطنية جديدة قادرة على صياغة مستقبلها، بعيدًا عن أوهام الماضي وعن استسلام الحاضر.
هذا النقد البنائي ليس ضد المنظمة كمؤسسة، بل ضد الجمود الفكري الذي يحولها إلى متحف تاريخي بينما الشعب يعاني المقالات الدفاعية الانفعالية قد تشبع الحنين إلى الماضي، لكنها لا تبني المستقبل المستقبل يبنيه من يجرؤ على قول الحقيقة، حتى لو كانت مريرة. فالمستقبل الفلسطيني لن يبنى على أوهام الماضي، بل على شجاعة مواجهة الحاضر.
فالمنظمة الحقيقية ليست تلك التي ندافع عنها كـ"قلعة"، بل تلك التي نبنيها كـ جسر لتحرير الوطن الوطنية الحقيقية لا تعرف الخطوط الحمراء عندما يتعلق الأمر بمصير الشعب. كما كتب المناضل جورج حبش في مذكراته: "أعظم خيانة للمنظمة هي التستر على أخطائها بدلًا من تصحيحها".
التحدي اليوم ليس الدفاع عن "قلعة" مهترئة، بل بناء جسر حقيقي نحو الحرية. الجسر الذي يعترف بأن التاريخ مقدس، لكن المستقبل مسؤولية. الجسر الذي يفهم أن المنظمة ليست وطنًا، بل أداة لتحرير الوطن .
المصادر
1. وثائق مؤتمر القمة العربية في الإسكندرية، 1964، الأرشيف التاريخي لجامعة الدول العربية
2. تقرير اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، 1965، مؤسسة الدراسات الفلسطينية
3. سميح حمودة، "منظمة التحرير الفلسطينية: التأسيس والتطور"، دار الطليعة، 1987، ص 45-52
4. وثائق داخلية لحركة فتح حول تشكيل المجلس الوطني، أرشيف مركز ماس، 2018
5. ماهر الشريف، "أزمة الشرعية في المنظمة"، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 489، 2021
6. تقرير لجنة الحوار الفلسطيني الداخلي، "المشاركة السياسية للشتات"، 2019
7. عريب الرنتاوي، "السلام المفقود: من كامب ديفيد إلى أوسلو"، مركز القدس للدراسات، 2018
8. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "التقرير السنوي 2023"
9. تسريبات فلسطين، "وثائق كامب ديفيد"، موقع الجزيرة نت، 2011
10. قرارات المجلس الوطني الفلسطيني، الجلسة الاستثنائية، القاهرة، 1974
11. تصريح ياسر عرفات في جنيف، 7/12/1988، أرشيف الأمم المتحدة
12. إدوارد سعيد، "السلام ونهايته"، ترجمة كرم البستاني، دار الساقي، 2001
13. ملفات باراك، "وثائق مفاوضات أوسلو السرية"، مركز دراسات الشرق الأوسط، 2008
14. تقرير جيش الاحتلال الإسرائيلي، "التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية"، 2023
15. البنك الدولي، "تقرير الاقتصاد الفلسطيني"، 2022
16. نادية هلال، "فصل جديد في الاقتصاد السياسي الفلسطيني"، مجلة الدراسات الفلسطينية، 2021
17. معهد أبحاث الأمن القومي (إسرائيل)، "الاستيطان 1993-2000"، 2001
18. مقابلة مع العماد مصطفى طلاس، "انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان"، مجلة الدفاع، 2000
19. منظمة السلام الآن الإسرائيلية، "الاستيطان في الضفة الغربية"، 2023
20. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "البطالة والفقر 2023"
21. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، "تكلفة الانقسام"، 2022
22. مصطفى البرغوثي، "وثيقة الإصلاح الفلسطيني"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2021
23. وثائق حوار القاهرة، "إعادة تشكيل المنظمة"، 2011
24. اللجنة القانونية الفلسطينية الدولية، "حق العودة: دراسة قانونية"، 2020
25. جامعة بيرزيت، "نماذج النضال الوطني العالمي"، 2022
26. القانون الفلسطيني رقم (13) لسنة 2020، "الحق في الوصول إلى المعلومات"
27. وثيقة الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني، "الأمن الوطني البديل"، 2023
28. جورج حبش، "مذكرات النضال"، دار الفجر، 2008، ص 312










