4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

مشروع شروق الشمس: إعمار غزة أم استثمار أمريكي فوق أنقاض الإبادة؟

كشفت الإدارة الأمريكية عن مخطط واسع لإعادة إعمار قطاع غزة تحت اسم «مشروع شروق الشمس– Project Sunrise».. إليكم كل ما تريدون معرفته عن المشروع: الخطة والتمويل والمراحل والعقبات.

بقلم: عمرو المصري
٢٠ ديسمبر ٢٠٢٥
8 دقائق قراءة
12 مشاهدة
مشروع شروق الشمس

مشروع شروق الشمس

كشفت الإدارة الأمريكية عن مخطط واسع لإعادة إعمار قطاع غزة تحت اسم «مشروع شروق الشمس– Project Sunrise»، في طرح جرى تسويقه على حكومات أجنبية ومستثمرين محتملين بوصفه خطة «تحويل تاريخي» للقطاع المدمر بفعل الحرب.

ووفق ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال، يهدف مشروع شروق الشمس إلى تحويل غزة إلى مركز حضري فائق التطور، شبيه بـ«ريفييرا الشرق الأوسط»، عبر منتجعات ساحلية فاخرة، وشبكات قطارات فائقة السرعة، وبنى تحتية ذكية قائمة على الذكاء الاصطناعي، وأبراج زجاجية شاهقة تُقام فوق أنقاض أكثر من عامين من العدوان المتواصل.

ويجري تقديم الخطة، التي وُضعت بالتوازي مع مفاوضات وقف إطلاق النار، بوصفها رمزًا لازدهار ما بعد الحرب، غير أنها أثارت منذ اللحظة الأولى شكوكًا واسعة حول قابليتها للتنفيذ، ومصادر تمويلها، والأهم دوافعها السياسية، إذ وصفها منتقدون بأنها مشروع استثماري ربحي يتجاوز عمداً الجذور السياسية والإنسانية للصراع، ويعيد صياغة غزة باعتبارها فرصة اقتصادية لا قضية شعب واقع تحت الاحتلال.

ما هو مشروع شروق الشمس؟

خطة مشروع شروق الشمس صيغت في عرض تقديمي من 32 صفحة (PowerPoint)، وُصنّف بأنه «حساس لكنه غير سري»، وأُنجز خلال 45 يومًا فقط على يد فريق يقوده جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق، إلى جانب المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وهو مطوّر عقاري بالأساس.

وشارك في إعداد الوثيقة مساعدون كبار في البيت الأبيض، ومسؤولون إسرائيليون، ومتعاقدون من القطاع الخاص، في مزيج يعكس تداخلاً واضحًا بين الرؤية الدبلوماسية والأمنية والمصالح التجارية. ويقدّم العرض المشروع باعتباره مسارًا لنقل سكان غزة، البالغ عددهم نحو مليوني إنسان، «من الخيام إلى البنتهاوس» و«من الفقر إلى الازدهار»، مع التركيز على الاكتفاء الاقتصادي والاستقرار الإقليمي، في خطاب يتجاهل واقع الحصار والدمار والاقتلاع القسري.

كلفة خيالية

تقدّر الكلفة الإجمالية للمرحلة الأولى من مشروع شروق الشمس، الممتدة على عشر سنوات، بنحو 112.1 مليار دولار. وتتعهد الولايات المتحدة بلعب دور «المموّل الركيزة»، عبر تغطية نحو 20% من الكلفة، أي ما يقارب 60 مليار دولار، من خلال منح وضمانات ديون.

أما بقية التمويل، فمفترض أن يأتي من دول خليجية ثرية، ومؤسسات دولية مثل البنك الدولي، ومستثمرين من القطاع الخاص، من دون أن تسمّي الخطة أي جهة التزامًا صريحًا. وعلى المدى الطويل، تراهن الخطة على أن يصبح القطاع «مكتفيًا ذاتيًا»، عبر عائدات السياحة والعقارات والبنية التحتية، بما يسمح بسداد الديون وتحويل غزة إلى كيان اقتصادي مربح.

إعمار فوق الأنقاض

تشمل رؤية مشروع شروق الشمس أبراجًا سكنية حديثة، ومراكز ثقافية، ومستشفيات، ومدارس، وبنية تحتية عالية التقنية، لتحل محل مشهد الدمار الحالي، الذي يُقدّر بنحو 68 مليون طن من الركام الملوّث بذخائر غير منفجرة ومواد سامة. غير أن هذا التصور «الناعم» يتجاهل الكلفة الإنسانية لإزالة هذا الركام، ومن سيدفع ثمنه، وكيف ستُدار حياة السكان خلال سنوات الإعمار الطويلة.

شروط مستحيلة

تشترط خطة مشروع شروق الشمس، بشكل مركزي، نزع سلاح حركة حماس، التي تدير القطاع منذ عام 2007، إلى جانب الإفراج عن جثمان الأسير الإسرائيلي الأخير، وفرض بيئة أمنية «مستقرة» بعد الحرب. وربط مسؤولون أمريكيون تنفيذ المشروع مباشرة بمسار الهدنة، مشيرين إلى أن البدء بالتنفيذ قد يتم خلال شهرين إذا «سمحت الظروف الأمنية».

لكن اللافت أن المقترح يتجاهل كليًا مسألة الإسكان المؤقت لمئات آلاف النازحين خلال عملية الإعمار، ما يثير مخاوف حقيقية من تهجير طويل الأمد أو تعميق الكارثة الإنسانية تحت غطاء «إعادة البناء».

مراحل التنفيذ

تقسّم الخطة عملية تنفيذ مشروع شروق الشمس إلى أربع مراحل تمتد حتى 20 عامًا، تبدأ من جنوب القطاع – رفح وخان يونس – ثم تنتقل شمالًا نحو المخيمات الوسطى ومدينة غزة.

المرحلة الأولى: الإزالة والتثبيت (السنتان 1–2)

تركّز على إزالة المباني المدمرة، وتحييد الذخائر غير المنفجرة، وتفكيك شبكة الأنفاق، مع إقامة ملاجئ مؤقتة وخدمات طبية أساسية، من دون تحديد واضح لأماكن الإيواء أو الجداول الزمنية. وتشير الخطة إلى إشراف أمني إسرائيلي لضمان «نزع السلاح».

المرحلة الثانية: البنية التحتية (السنوات 3–5)

تشمل إعادة بناء شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، باستخدام أنظمة طاقة مُدارة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب سكك حديدية سريعة داخل القطاع وربما خارجه، وبناء مساكن ومدارس ومستشفيات ضمن مفهوم «المدن الذكية».

المرحلة الثالثة: النمو الاقتصادي (السنوات 6–10)

تركّز على التنمية التجارية، ولا سيما المنتجعات الفاخرة على الساحل، ومراكز التكنولوجيا، وتسويق غزة كـ«ريفييرا براقة»، مع توقع عائدات كبيرة من استثمار الشريط الساحلي.

المرحلة الرابعة: الاستدامة الطويلة (السنوات 11–20)

تسعى إلى دمج غزة كوجهة ساحلية مزدهرة، مع استثمارات مستمرة في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، بما يعزز التجارة الإقليمية وفق الرؤية الأمريكية.

شركات وتقنيات رقابية

ويشير مخطط مشروع شروق الشمس إلى مشاورات مع شركات تقنية مثل «بالانتير» و«داتامينر»، يُحتمل أن تلعب دورًا في المراقبة والتحليل الأمني والتخطيط الحضري، من دون توضيح أطر عملها، ما أثار مخاوف من تحويل غزة إلى مساحة مراقبة كثيفة.

كما حذّر منتقدون من سيناريو «مدن الحاويات» داخل «مناطق خضراء» خاضعة لرقابة مشددة، وهو ما اعتُبر تمهيدًا لسياسات عزل وتطويق طويلة الأمد.

بين التسويق والاستغلال

تباينت ردود الفعل على مشروع شروق الشمس، بين التفاؤل الحذر والانتقادات اللاذعة. ففي واشنطن، قدّم مسؤولو إدارة ترامب المشروع بوصفه رؤية جريئة لـ«السلام عبر الازدهار»، فيما شبّه ترامب نفسه غزة بـ«فرصة تطوير عقاري ضخمة».

لكن مسؤولين أمريكيين، نقلت عنهم وول ستريت جورنال، عبّروا سرًا عن شكوكهم في قبول حماس بنزع سلاحها، وفي استعداد المانحين لضخ أموال في بيئة ما بعد الحرب.

في إسرائيل، عكس التفاعل توافقًا مع الشروط الأمنية، حيث جرى التأكيد على نزع السلاح والفحص الأمني للسكان، واعتبار المشروع أداة ضغط ضمن مفاوضات الهدنة.

أما عربيًا، فبقيت الردود الرسمية مع مشروع شروق الشمس محدودة، رغم عرض الخطة على قطر والإمارات ومصر وتركيا، من دون صدور أي التزام علني، في حين انتقدت أصوات فلسطينية وحقوقية المشروع بوصفه محاولة لتبييض واقع الإبادة وتحويل الإعمار إلى وسيلة للهيمنة.

فيما وصف محللون دوليون مشروع شروق الشمس بأنه «ديستوبي»، وذهب آخرون إلى اعتباره نموذجًا لـ«الربح من الإبادة».

وفي حين يرى مؤيدو المشروع أنه قد يخرج غزة من الفقر، يعترفون بوجود «عقبات هائلة»، في مقدمتها الواقع السياسي والاحتلال والحصار.

مع تزايد التداول الدبلوماسي بـ«مشروع شروق الشمس»، يبقى مصيره مرهونًا بهدن هشة وموافقة دولية غير مضمونة. وبينما يعد بمستقبل لامع على الورق، يرى منتقدوه أنه يهدد بتحويل إعمار غزة إلى مشروع هيمنة اقتصادية وأمنية، يعيد إنتاج السيطرة بدل معالجة جذور المأساة الفلسطينية، ويستبدل العدالة السياسية بأبراج زجاجية لا تُخفي حقيقة الاحتلال.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

مشروع شروق الشمس: إعمار غزة أم استثمار أمريكي فوق أنقاض الإبادة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°