ظاهرة الكلاب السائبة من الظواهر غير الحضارية التي تعجّ بها مختلف الأحياء السكنية في عراقنا الحبيب، وهي مشكلة حقيقية ومقلقة تتطلب معالجة جادّة ومسؤولة، بعيدًا عن الحلول السطحية أو الانفعالية. غير أن مكافحتها يجب أن تكون بصورة حضارية وإنسانية، لا بأساليب إجرامية أو دموية، لأن قتل هذه الكائنات يُعدّ جريمة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون سلوكًا مرفوضًا اجتماعيًا.
فالكلاب السائبة ليست خطرًا بطبيعتها، بل هي ضحية الإهمال وغياب التخطيط وسوء إدارة الملف البيئي والخدمي. إنها أرواح بريئة لم تختر الشارع موطنًا لها، ولم تطلب الجوع أو الخوف أو التشرد، بل فُرضت عليها هذه الظروف القاسية. ومن غير المقبول معالجة أخطاء البشر بعقاب لا ذنب للحيوان فيه، أو مواجهة مشكلة اجتماعية بسلوك يناقض أبسط القيم الإنسانية.
إن الحلّ الحقيقي يكمن في اعتماد وسائل علمية وحضارية، من خلال جمع هذه الحيوانات ونقلها إلى أماكن آمنة ومهيأة بعد تلقيحها وتعقيمها، وتوفير الرعاية الصحية والغذائية اللازمة لها، إضافة إلى إنشاء مراكز متخصصة بإشراف الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن حماية المجتمع ويصون حق هذه الكائنات في الحياة.
ولكي لا ننسى، فإن بعض هذه الحيوانات تمتلك نقاءً وصفاءً ووفاءً يفوق بكثير ما نجده أحيانًا لدى بعض البشر؛ فهي لا تعرف الغدر ولا الخيانة، وتبادل من يحسن إليها وفاءً صادقًا لا تشوبه المصلحة أو الزيف. وهذا ما يدعونا إلى وقفة صادقة مع أنفسنا، لمراجعة مفهوم الرحمة والإنسانية في تعاملنا مع كل كائن ضعيف.
إن تحضّر الدول والمجتمعات لا يُقاس فقط بالتقدم العمراني أو الاقتصادي، بل بمدى احترامها للأرواح الضعيفة، والرحمة بالحيوان ليست ترفًا أو شعارًا، بل مقياسًا حقيقيًا لرقي الإنسان ووعي المجتمع ومسؤولية الدولة










