تدخل الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع منذ الغزو الشامل في فبراير 2022، وسط تحوّل متزايد في طبيعة العمليات العسكرية من معارك السيطرة الميدانية إلى استهداف منهجي للبنى التحتية الحيوية. ويبرز هذا التحول بوضوح في موجة الهجمات الروسية الأخيرة على موانئ إقليم أوديسا، بالتوازي مع تصعيد الضربات على مدينة كريفوي ريه، القلب الصناعي لأوكرانيا، في إطار ما بات يُعرف بـ«حرب الاستنزاف الاقتصادي».
الهجمات الأخيرة، لا سيما في 7 و8 يناير 2026، عكست إصرار موسكو على توظيف القوة الجوية والصاروخية لضرب نقاط الارتكاز الاقتصادية الأوكرانية. فالقصف الذي طال موانئ تشيرنومورسك وبيفديني في أوديسا، وما تبعه من أضرار جسيمة في المنشآت الإدارية وحاويات الزيوت النباتية وتسرب نفطي في البحر الأسود، لم يكن حادثًا معزولًا، بل حلقة ضمن حملة ممتدة تستهدف خنق الاقتصاد الأوكراني وإضعاف قدرته على الصمود.
أوديسا في الميزان
تمثل موانئ أوديسا شريان الحياة الاقتصادي لأوكرانيا، إذ كانت قبل الحرب تمر عبرها أكثر من 70% من الصادرات، بما في ذلك نحو 90% من المنتجات الزراعية مثل القمح والذرة وزيت دوار الشمس. هذه الموانئ ليست مجرد مرافق تجارية، بل عقدة استراتيجية تربط أوكرانيا بالأسواق العالمية في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، ما يجعلها هدفًا مركزيًا في الحسابات الروسية.
من الناحية العسكرية، تؤدي هذه الموانئ دورًا لوجستيًا لا يقل أهمية، إذ تُستخدم ضمن «الممر الأوكراني» لنقل الإمدادات والوقود وبعض المعدات الحيوية بعد انهيار مبادرة حبوب البحر الأسود في يوليو 2023. استهدافها يعني عمليًا دفع أوكرانيا للاعتماد على طرق برية أطول وأكثر كلفة عبر رومانيا وبولندا، وهو ما يرفع كلفة الحرب على كييف ويحد من مرونتها العملياتية في مواجهة القوات الروسية.
كريفوي ريه الصناعية
على الضفة الأخرى من الاستراتيجية الروسية، تبرز كريفوي ريه بوصفها مركزًا صناعيًا حيويًا، رغم كونها مدينة داخلية غير ساحلية. فالمدينة تُعد قلب صناعة الحديد والصلب الأوكرانية، وتنتج أكثر من 80% من خام الحديد في البلاد، ما يجعلها ركيزة أساسية للصناعات الثقيلة وإعادة الإعمار والإنتاج العسكري.
الضربات التي طالت كريفوي ريه في يناير 2026، وأدت إلى انقطاع واسع للكهرباء والمياه في مناطق من دنيبروبتروفسك وزاباروجيا، كشفت البعد التكميلي للهجمات الروسية. فتعطيل الصناعة والطاقة في الداخل يسير بالتوازي مع شلّ حركة التصدير في الموانئ، في معادلة تهدف إلى إنهاك الدولة الأوكرانية اقتصاديًا ونفسيًا، خاصة أن المدينة تحمل رمزية سياسية كونها مسقط رأس الرئيس فولوديمير زيلينسكي.
سلاح الغذاء العالمي
تنعكس الهجمات على موانئ أوديسا مباشرة على الأمن الغذائي العالمي، في ظل اعتماد عشرات الدول على الحبوب الأوكرانية. قبل الحرب، كانت أوكرانيا تسهم بما بين 10 و15% من تجارة الحبوب العالمية، وأي تعطيل في هذا التدفق يترجم سريعًا إلى ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات انعدام الأمن الغذائي، خصوصًا في الدول المستوردة الصافية للغذاء.
الضربات التي طالت سفن الشحن وحاويات الزيوت النباتية، إلى جانب تدمير صوامع التخزين، تؤكد توظيف موسكو للغذاء كسلاح جيوسياسي. فخفض الصادرات الأوكرانية، الذي يُقدّر اليوم بنحو 20 إلى 30% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، لا يضغط فقط على كييف، بل يفاقم أزمات قائمة في دول مثل مصر ولبنان وباكستان، ويهدد بارتفاع جديد في مؤشر أسعار الغذاء العالمي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اجتماعية وسياسية واسعة.
ارتدادات الطاقة
لا يقل تأثير التصعيد خطورة على أسواق الطاقة العالمية، رغم أن الضربات لا تستهدف منشآت نفط أو غاز كبرى بشكل مباشر. فالهجمات على شبكة الكهرباء الأوكرانية، خاصة في كريفوي ريه ومحيط أوديسا، تعيد إلى الأذهان شتاءي 2022 و2023 حين فقدت أوكرانيا نحو نصف قدرتها التوليدية، ما انعكس اضطرابًا في الإمدادات الإقليمية.
على المستوى الدولي، يطيل استمرار الحرب أمد حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة، التي لم تتعافَ بالكامل منذ الصدمة الأولى للغزو الروسي. ورغم تنويع أوروبا لمصادرها والاتجاه المكثف نحو الغاز المسال والطاقة المتجددة، فإن أي تصعيد جديد يعيد إشعال المخاوف من اضطرابات إضافية، سواء عبر ارتفاع الأسعار أو تعميق الفجوة بين الدول الصناعية والنامية في تحمل كلفة الطاقة.
حرب استنزاف مفتوحة
تكشف الهجمات الروسية على موانئ أوديسا وكريفوي ريه عن تحول واضح في العقيدة العسكرية لموسكو، من السعي لتحقيق اختراقات ميدانية سريعة إلى اعتماد استراتيجية استنزاف طويلة الأمد، قوامها ضرب الاقتصاد والبنية التحتية والروابط التجارية. هذه المقاربة تُبقي خطوط الجبهة شبه جامدة، لكنها تنقل كلفة الحرب إلى الداخل الأوكراني وإلى النظام الاقتصادي العالمي.
لا تقتصر تداعيات هذا التصعيد على أوكرانيا وحدها، بل تمتد لتطاول الأمن الغذائي والطاقة على مستوى العالم، في لحظة يعاني فيها الاقتصاد الدولي أصلًا من هشاشة بنيوية. ومع غياب أفق سياسي واضح، تبدو موانئ أوديسا والمراكز الصناعية مثل كريفوي ريه خطوط تماس جديدة في حرب باتت بنيتها التحتية هي ساحة الصراع الرئيسية، وارتداداتها أبعد بكثير من حدود أوروبا الشرقية.










