قدّم الكاتب الإسرائيلي آفي شيلون قراءة تحليلية لمغزى العملية التي انتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتي ربطها دونالد ترامب صراحةً بما سماه «مبدأ مونرو». ويرى شيلون أن هذا الاستدعاء ليس تفصيلاً بل مدخل لفهم تحوّل أوسع في رؤية ترامب للنظام الدولي، تحوّل يقوم على إعادة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ واضحة بين القوى الكبرى، في ما بات ترامب نفسه يطلق عليه «مبدأ دونرو».
ويشير المقال المنشور في "يديعوت أحرونوت" إلى أن الفهم الشائع لـ"مبدأ مونرو" يركّز فقط على شقّه الأول، المتعلق برفض التدخل الأوروبي في شؤون القارة الأمريكية. لكن الشق الآخر، الذي لا يقل أهمية، هو تعهّد الولايات المتحدة بعدم التدخل في شؤون القارات الأخرى. ومن هذا المنظور، فإن التحرك ضد مادورو لا يُقرأ كحدث معزول، بل كخطوة تأسيسية لتكريس نظام عالمي جديد، تتقاسم فيه أمريكا وروسيا والصين مناطق النفوذ بشكل شبه معلن.
مبدأ دونرو: تقسيم العالم بدل الصدام القيمي
وفق هذا التصور، تصبح إزاحة مادورو رسالة مزدوجة: من جهة تؤكد أن أمريكا لن تسمح بتهديد نفوذها في محيطها الجغرافي المباشر، ومن جهة أخرى تلمّح إلى قبول ضمني بأن لروسيا والصين حرية حركة أوسع في مناطق تعتبرها كل منهما مجالاً حيوياً. لذلك، يرى شيلون أن عملية اختطاف مادورو لا تقلق موسكو وبكين فعلياً، رغم دعمهما المعلن له، بل قد تخدمهما على المدى الاستراتيجي، إذ تُضعف الحجة الأخلاقية الغربية ضد الغزو الروسي لأوكرانيا أو ضد سيناريو اجتياح صيني محتمل لتايوان.
ويضيف الكاتب أن هذا التوجه يعكس نظرة ترامب الأساسية للعالم بوصفه ساحة علاقات قوة، لا منظومة قيم. وبهذا المعنى، فإن «مبدأ دونرو» قد يفضي إلى نوع من الاستقرار القائم على توازن الرعب وتقاسم النفوذ، لكنه في الوقت نفسه يحمل في داخله بذور توترات وحروب داخل كل كتلة نفوذ، حيث تسعى القوى الكبرى إلى فرض النظام في نطاقها الإقليمي بأي ثمن.
انعكاسات مباشرة على إسرائيل
ينبّه شيلون إلى أن هذا التحول في بنية النظام الدولي لن يمر من دون آثار على إسرائيل، التي ستجد نفسها مطالبة بإعادة تموضع دقيق في عالم تُدار فيه الصراعات بمنطق الصفقات ومناطق النفوذ، لا بمنطق التحالفات القيمية التقليدية.
فإسرائيل، في هذا السياق، ستكون مضطرة إلى مواءمة سياساتها الإقليمية مع الإملاءات الأمريكية الجديدة، حتى لو تعارض ذلك مع أولويات داخلية أو حسابات أمنية سابقة.
سوريا مثالاً على الضغط الأمريكي
في هذا الإطار، يربط الكاتب بين «مبدأ دونرو» وتزايد التقارير عن تفاهمات أمنية محتملة بين إسرائيل وسوريا. ويرى أن هذه التطورات تشكل دليلاً إضافياً على نمط متكرر: ما لا تبادر إليه إسرائيل بإرادتها السياسية، تنفذه لاحقاً تحت ضغط أمريكي مباشر.
ومن هنا يطرح شيلون تساؤلاً استباقياً: إذا كان هذا هو المسار، فلماذا الانتظار حتى تمارس واشنطن الضغط ذاته فيما يتعلق بلبنان أو بالتسوية مع الفلسطينيين؟
«الخيانة» كسلاح سياسي داخلي
ينتقل المقال في جزئه الأخير إلى الساحة الإسرائيلية الداخلية، حيث يشير إلى نجاح السياسة الإسرائيلية، من دون إعلان رسمي، في تطبيع استخدام مفهوم «الخيانة» داخل الخطاب العام. فمن جهة، تنتشر اتهامات بالخيانة موجهة إلى مسؤولين في مكتب رئيس الوزراء بزعم ارتباطهم بقطر، ومن جهة أخرى تزدهر نظريات مؤامرة عن «خيانة داخلية» يُقال إنها سمحت بوقوع هجوم 7 أكتوبر.
ويرى شيلون أن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في حدة الاتهامات، بل في تحوّلها إلى أداة سياسية عادية تفقد قدرتها على إحداث صدمة أخلاقية. وبدلاً من أن تهزّ المجتمع، تصبح مجرد ورقة إضافية في لعبة الاستقطاب.
بدائل ممكنة بدل منطق التخوين
في مواجهة هذا المناخ، يستحضر الكاتب كتاباً جديداً للكاتب يريف موهر بعنوان «إخفاقات التقدمية – دعوة إلى إنسانية بشرية»، يقدّم فيه فكرة مبتكرة للخروج من مأزق الخلاف حول لجنة تعيين القضاة، التي كانت في قلب الصراع بشأن «الإصلاح القضائي». وتقترح الفكرة تقسيم عملية اختيار قضاة المحكمة العليا إلى مرحلتين: في الأولى، تقدّم كل جهة معنية – من معارضة وائتلاف وقضاة ونقابة محامين – قائمة مرشحين تستوفي معايير جودة متفقاً عليها. أما في المرحلة الثانية، فبدلاً من تثبيت عدد ممثلي كل طرف في لجنة الاختيار أو تعديلها لصالح الحكومة، يُجرى سحب قرعة لتحديد حجم تمثيل كل مجموعة.
ويخلص شيلون إلى أن نجاح هذه الفكرة ليس مضموناً، لكنها تمثل مثالاً على إمكانية البحث عن حلول إبداعية وتوافقية تخدم المصلحة العامة، بدلاً من الغرق في خطاب التخوين والانقسام. وفي عالم «مبدأ دونرو» القائم على القوة والصفقات، قد يكون هذا النوع من التفكير الداخلي المتزن أحد شروط بقاء المجتمعات متماسكة أمام تحولات دولية عاصفة.










