يطرح تساحي هنغبي، رئيس هيئة الأمن القومي الإسرائيلي ومستشار الأمن القومي السابق حتى أكتوبر 2025، تحذيراً مباشراً من استعداد الولايات المتحدة لاستئناف المفاوضات النووية مع إيران في هذا التوقيت، معتبراً أن ذلك ليس خطوة دبلوماسية بريئة، بل خطأ استراتيجياً يمنح النظام الإيراني فرصة نجاة في لحظة ضعفه الأخطر.
وفي مقاله المنشور بصحيفة "يديعوت أحرونوت"، لا يكتفي هنغبي بنقد القرار، بل يشرح الخلفية النفسية والسياسية التي دفعت ترامب إليه، ويقارن بين منطق الصفقات التجارية الذي يتقنه الرئيس الأمريكي، وبين طبيعة الأنظمة العقائدية التي لا تخضع لقواعد السوق أو الحسابات العقلانية.
ترامب ومنطق الصفقة
ينقل هنغبي عن ترامب قوله لنتنياهو: «إذا كان هناك شيء أعرف عمله فهو الصفقات». هذا التصور، بحسب الكاتب، شكّل أساس قناعة ترامب بإمكانية فرض اتفاق نووي «أفضل» على طهران.
لكن إسرائيل — كما يوضح — تعلمت من التجربة أن إيران لا توقّع إلا اتفاقاً يترك لها الطريق مفتوحاً نحو السلاح النووي، وأنها تتقن لعبة التسويف بلا نهاية، ما يجعل أي تفاوض معها استنزافاً زمنياً لا أكثر.
إنذار الستين يوماً
يرى هنغبي أنه بعكس رؤساء أمريكيين سابقين، لم يقع ترامب في وهم دبلوماسي مفتوح، بل وضع مهلة صارمة: 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق، وإلا فبدائل أخرى.
ومع انقضاء المهلة دون نتائج، انطلقت في اليوم الـ61 حملة «الأسد الصاعد» (التي شهدت عدوانا أمريكيا إسرائيليا على إيران)، في إشارة واضحة إلى أن الخيار العسكري كان جاهزاً منذ البداية، وأن واشنطن لم تكن بعيدة عن العملية بل انضمت لاحقاً إليها.
فجوة بين السياسة والتجارة
يشرح هنغبي أن كتب ترامب عن فن التفاوض تصلح لعالم الأعمال، حيث الهدف هو الربح المشترك ضمن حسابات عقلانية.
أما في السياسة، خصوصاً مع نظام ديني كإيران، فإن عوامل القرار لا تُبنى على المنطق المادي بل على العقيدة والإرث والكرامة والالتزام الأيديولوجي، وهي عناصر تجعل التنازل شبه مستحيل.
ويذكّر بفشل ترامب سابقاً مع كيم جونغ أون، وكذلك بخيباته في الملف الأوكراني، ليؤكد أن المشكلة ليست في مهارة التفاوض، بل في طبيعة الخصم.
قبلة حياة للنظام
يعتبر الكاتب أن مجرد إعلان واشنطن الاستعداد لاستئناف التفاوض الآن يمنح النظام الإيراني ما يحتاجه تماماً: الوقت، الشرعية، والتنفس السياسي.
وهو في المقابل يوجّه ضربة قاتلة للمحتجين الإيرانيين الذين دفعوا ثمناً دموياً لتحقيق زخم غير مسبوق ضد النظام، إذ يشعرهم بأن العالم مستعد لمساومة جلاديهم من جديد.
خيار القوة بدل الطاولة
يرى هنغبي أن على ترامب — إذا كان جاداً في تعهده «إنقاذ الشعب الإيراني» — أن ينتقل إلى حشد عسكري واسع في الخليج يتيح قدرة هجومية ودفاعية حقيقية، لأن مجرد التهديد دون استعداد فعلي لن يغيّر سلوك طهران.
ويشير إلى أن ضربة B2 السابقة احتاجت أسابيع من الإعداد رغم أنها استمرت دقائق، فكيف بعملية أوسع وأكثر تعقيداً.
لماذا لا يسقط النظام عسكرياً؟
يقدّم الكاتب تقديراً واضحاً: الهجوم العسكري وحده لن يُسقط النظام.
الأرقام التي يسردها ضخمة:
نصف مليون جندي نظامي، احتياط مماثل، 200 ألف في الحرس الثوري، وأكثر من مليون في الباسيج. هذه بنية قمع قادرة على امتصاص الضربات واستبدال القادة سريعاً.
الفائدة الحقيقية للحرب
برأيه، الأثر الحاسم لأي تدخل أمريكي سيكون معنوياً لا عسكرياً مباشراً.
الدعم الدولي العلني سيقنع قطاعات من الجيش والأمن بأن سقوط حكم الملالي لم يعد خيالاً، ما قد يدفعهم في لحظة ما للانحياز إلى الشارع، وهو العامل الوحيد القادر فعلياً على إسقاط النظام.
الموقف الإسرائيلي المطلوب
يشدد هنغبي على أن التزام إسرائيل الصمت هو الخيار الأصح.
أي تدخل لفظي علني سيستخدمه النظام لتشويه الاحتجاجات واتهامها بالعمالة. لكن في حال أطلقت إيران صواريخ نحو إسرائيل، فإن الرد الواسع والحاسم سيكون حتمياً وجاهزاً.
الانتظار.. رسالة أخيرة
يختتم المقال بإحالة رمزية إلى أغنية ريتا «الانتظار»، التي وُلدت في طهران، بوصفها تعبيراً إنسانياً عن أمل الإيرانيين في لحظة تحرر قادمة، لحظة قد تقترب أو تتبدد بحسب القرار الأمريكي القادم.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الأساسية للكاتب واضحة: "إما أن تواصل واشنطن الضغط حتى النهاية، أو تمنح النظام الإيراني طوق النجاة عبر طاولة تفاوض يعرف مسبقاً كيف يراوغها".










