لم يكن فشل اجتماع الرئيس السوري أحمد الشرع مع مظلوم عبدي، القائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، في دمشق، حدثًا تفاوضيًا عابرًا، بل شكّل نقطة انعطاف خطيرة في مسار التهدئة الهشّة شمال شرقي سوريا. الاجتماع، الذي جاء بعد إعلان وقف إطلاق نار وُصف حينها بأنه “فرصة تاريخية” لترتيب مرحلة ما بعد الأسد، انتهى دون اتفاق، وأُتبِع سريعًا بتجدد الاشتباكات، وانسحابات ميدانية، وانكشاف أمني أعاد تنظيم “داعش” إلى الواجهة.
التعثر لم يكن تقنيًا، بل سياسيًا بامتياز. فقد كشف حجم الفجوة بين رؤية دمشق لمرحلة “إعادة توحيد الدولة” ورؤية “قسد” التي ما زالت تتحرك بمنطق الكيان شبه المستقل، رغم تراجع الغطاء الدولي وتبدّل موازين القوة. الأخطر أن الانسحاب السريع لـ«قسد» من مواقع شرق الفرات، والتراجع عن تفاهمات معلنة قبل يوم واحد فقط، طرحا تساؤلات عميقة حول الجهة التي ضغطت على القرار: واشنطن أم الحسابات الداخلية؟
من هدنة مؤقتة إلى انهيار سريع
جاءت الهدنة الأولى التي أُعلنت في 18 يناير 2026 بعد أسبوعين من اشتباكات عنيفة حققت خلالها القوات الحكومية السورية تقدمًا ملحوظًا في مناطق كانت تُعدّ لسنوات خارج سيطرة دمشق، خصوصًا في محيط الرقة وأرياف دير الزور. الاتفاق نصّ، وفق ما رشح، على انسحاب تدريجي لـ«قسد» من مناطق شرق الفرات خلال شهر، ودمج قواتها ضمن الجيش السوري، وتسليم السجون التي تضم عناصر من تنظيم “داعش”.
اقرأ أيضا: قتلى في الجزيرة السورية: اتفاق هش على حافة الانفجار العسكري
في المقابل، تعهد الرئيس أحمد الشرع بحماية الحقوق الكردية، وعدم تفكيك «قسد» كليًا، بل دمجها كوحدات عسكرية منظّمة. غير أن هذه التفاهمات سرعان ما اصطدمت بالواقع السياسي خلال الاجتماع الحاسم في دمشق، الذي استمر خمس ساعات، بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني، وانتهى دون بيان مشترك أو خريطة طريق.
طلب مظلوم عبدي مهلة خمسة أيام للتشاور مع قيادات «قسد»، خصوصًا حول بند تسليم محافظة الحسكة والاندماج الكامل في المؤسسة العسكرية، لكن الشرع رفض، مصرًّا على تنفيذ فوري، وعارضًا في المقابل منصب نائب وزير الدفاع لعبدي، بشرط فك الارتباط مع حزب العمال الكردستاني وتسليم الإدارة الأمنية للحسكة. هذا الرفض المتبادل فجّر الاجتماع.
شروط دمشق ومعضلة “الاستسلام”
ردود الفعل الكردية لم تتأخر. فقد وصفت قيادات في «قسد»، من بينها فوزة يوسف، مطالب دمشق بأنها “استسلام غير مشروط”، معتبرة أن الطرح يتجاهل خصوصية البنية العسكرية والسياسية التي تشكلت خلال سنوات الحرب. هذا التوصيف يعكس خشية عميقة داخل «قسد» من أن يؤدي الدمج الفردي إلى تفكيكها، وإضعاف النفوذ الكردي لمصلحة مركزية صارمة.

عقب فشل الاجتماع، عاد عبدي إلى الحسكة دون تفويض، وأعلنت «قسد» إعادة تموضع قواتها في مناطق ذات غالبية كردية، خصوصًا داخل مدينة الحسكة، والقامشلي، والقرى المحيطة. هذا الانسحاب لم يكن تكتيكيًا فحسب، بل حمل دلالة سياسية: رفض الالتزام بتفاهم لم يُستكمل، ومحاولة تحصين “العمق الكردي” تحسبًا لهجوم واسع.
النتائج كانت فورية. تقدمت قوات حكومية نحو مواقع كانت تسيطر عليها «قسد»، واندلعت اشتباكات حول سجون تنظيم “داعش”، وسط تبادل اتهامات بشأن هروب معتقلين من سجن الشدادي، في تطور أعاد القلق الدولي من عودة التنظيم.
تدخل أمريكي محدود
في مساء 19 يناير، أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس أحمد الشرع، أعقبه إعلان هدنة جديدة لأربعة أيام في 20 يناير. دمشق وافقت خلالها على منح عبدي وقتًا للتشاور، وتعهدت بعدم دخول القرى الكردية إذا تم التوصل إلى تفاهم. هذا التدخل السريع أعاد طرح دور واشنطن، وحدود ضغطها.
بحسب تقارير غربية، تركّز الموقف الأمريكي على “حماية المدنيين الأكراد” ومنع انهيار أمني يتيح لتنظيم “داعش” إعادة التموضع، أكثر من دعمه لمطالب «قسد» السياسية. وهو ما يفسر أن الهدنة منحت وقتًا، لكنها لم تغيّر شروط دمشق الأساسية، بل وضعت «قسد» تحت ضغط تفاوضي أكبر.
تركيا، من جهتها، رحبت بالاتفاق الأولي، معتبرة أنه يحدّ من النفوذ الكردي المسلح، ما أضاف عنصر ضغط إقليمي إضافي على «قسد»، التي تدرك أن أي انهيار تفاوضي قد يُترجم إلى توافق إقليمي ضدها.
تراجع قسد: ضغوط أمريكية أم حسابات داخلية؟
السؤال الجوهري يتمثل في دوافع تراجع «قسد». ثمة مؤشرات على ضغط أمريكي غير مباشر. فواشنطن لطالما دعت إلى دمج «قسد» في الدولة السورية كجزء من استراتيجية احتواء إيران ومنع التفكك. كما ان المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك انتقد “مماطلة” عبدي في تنفيذ تفاهمات سابقة.
كما أن اتصال ترامب بالشرع، وما تبعه من هدنة، يوحي بأن واشنطن تسعى إلى إدارة التراجع الكردي لا منعه، عبر تقليل الخسائر، ومنح «قسد» مساحة لإعادة التموضع بدل الانهيار الكامل. بعض التقديرات ترى أن الانسحاب إلى مناطق كردية جاء بناءً على نصائح أمريكية لتفادي هزيمة ميدانية شاملة.
اقرأ أيضا: من حقول النفط إلى معركة السيادة: اتفاق دمشق و«قسد» بين إعلان التحرير وشبح الانفجار المؤجل
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الداخلي. «قسد» تعاني انقسامات بنيوية بين جناحها الكردي (YPG) ومكوناتها العربية، التي تخشى الذوبان داخل الجيش السوري دون ضمانات. طلب عبدي مهلة للتشاور لم يكن شكليًا، بل عكس غياب إجماع داخلي على قبول شروط دمشق، خصوصًا تلك التي تمسّ السيطرة الإدارية والأمنية.
الانسحاب، في هذا السياق، يبدو محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتحويل الهدنة إلى فرصة تحصين، لا تنازل. أي أن «قسد» تحرّكت بدافع البقاء، لا الامتثال.
شمال متفجر ومعادلات مفتوحة
فشل الاجتماع أعاد الشمال الشرقي إلى حافة انفجار واسع. القوات الحكومية باتت أقرب إلى الحسكة، وملف معتقلي “داعش” عاد ليشكّل قنبلة أمنية. في الوقت نفسه، تبدو «قسد» أقل اعتمادًا على الدعم الأمريكي مما كانت عليه قبل سنوات، لكنها لم تصل بعد إلى نقطة القبول الكامل بالاندماج.
التوازن الحالي هشّ: دمشق تملك الزخم العسكري والشرعية، و«قسد» تملك الأرض والقدرة على التعطيل، بينما تلعب واشنطن دور الموازن لا الضامن. في هذا السياق، لا يبدو تراجع «قسد» نتاج عامل واحد، بل نتيجة تداخل ضغط خارجي وحسابات داخلية، مع ميل واضح لكفّة الحسابات الذاتية المرتبطة بالخوف من التفكك وفقدان النفوذ.
ما جرى في دمشق لم يكن مجرد فشل تفاوضي، بل كشف أن مرحلة ما بعد الأسد لم تُحسم بعد، وأن سؤال السلطة والهوية في شمال سوريا ما زال مفتوحًا على احتمالات أكثر عنفًا وتعقيدًا.







