تترقب أسواق المال العالمية اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأول في عام 2026، والذي انطلق اليوم الثلاثاء ويختتم غدًا الأربعاء، وسط شبه إجماع في الأوساط الاقتصادية على أن البنك المركزي الأمريكي سيثبت أسعار الفائدة دون تغيير. ويأتي هذا الاجتماع في مناخ استثنائي، تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية مع ضغوط سياسية وقانونية غير مسبوقة تستهدف رأس المؤسسة النقدية الأمريكية.
وتتراوح أسعار الفائدة الحالية على الأموال الفيدرالية بين 3.5% و3.75%، بعد أن أقدم “الفيدرالي الأمريكي” خلال العام الماضي على ثلاثة تخفيضات متتالية بمقدار ربع نقطة مئوية في كل مرة، في محاولة لدعم الاقتصاد الأمريكي بعد تباطؤ التوظيف عقب الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب في أبريل الماضي على عشرات الدول.
قرار متوقع بلا مفاجآت
رغم حساسية الظرف، تشير التقديرات إلى أن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية ستُبقي على سعر الفائدة الرئيسي قرب 3.6%، في اجتماع يُرجّح أن يكون “هادئًا” من حيث القرارات، وإن لم يكن كذلك من حيث السياق السياسي. وكان رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، جيروم باول قد صرح عقب اجتماع ديسمبر بأن البنك “في وضع جيد يسمح له بانتظار تطورات الاقتصاد” قبل الإقدام على أي خطوات إضافية.
ويُدرك صانعو السياسة النقدية أن خفض أسعار الفائدة يؤثر تدريجيًا على تكاليف الاقتراض الأخرى، بما في ذلك القروض العقارية وقروض السيارات وتمويل الشركات، وإن كانت هذه التكاليف لا تخضع فقط لقرار “الفيدرالي” بل تتأثر أيضًا بقوى السوق وتوقعات المستثمرين.
تحقيق جنائي غير مسبوق
ما يثقل كاهل هذا الاجتماع ليس القرار النقدي بحد ذاته، بل التطور الصادم الذي كُشف عنه مطلع الشهر الجاري، والمتمثل في فتح وزارة العدل الأمريكية تحقيقًا جنائيًا واستدعاء جيروم باول على خلفية شهادة أدلى بها في يونيو الماضي بشأن مشروع تجديد مقر مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي تبلغ كلفته 2.5 مليار دولار.
وتعد هذه السابقة الأولى من نوعها في تاريخ البنك المركزي الأمريكي الممتد 112 عامًا، حيث لم يسبق أن خضع رئيس حالي للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لتحقيق جنائي، وهو ما دفع باول إلى توجيه انتقاد علني غير معتاد للإدارة الأمريكية، معتبرًا أن مذكرات الاستدعاء ليست سوى “ذريعة” لمعاقبة “الفيدرالي” بسبب رفضه خفض أسعار الفائدة بالوتيرة التي يرغب بها الرئيس ترامب.
استقلال الفيدرالي الأمريكي
خلال اجتماع لجنة السوق المفتوحة، يجد باول نفسه مطالبًا بالانتقال من حالة الاشتباك مع البيت الأبيض إلى إعادة التأكيد، أمام الأسواق والرأي العام، على أن قرارات الاحتياطي الفيدرالي تُبنى على اعتبارات اقتصادية بحتة، لا على ضغوط سياسية. وهو تحدٍ يتجاوز الاجتماع الحالي ليطال جوهر استقلال البنك المركزي الأمريكي.
وفي هذا السياق، قالت كلوديا ساهام، الخبيرة الاقتصادية السابقة في “الفيدرالي الأمريكي”، إن باول سيواجه “ضغوطًا متزايدة للتأكيد على أن كل ما نقوم به هنا يتعلق بالاقتصاد، وأن السياسة لم تكن جزءًا من حساباتنا”.
التشكيك لا يغير المسار
من جهته، رأى مايكل جابين، كبير خبراء الاقتصاد الأمريكي في بنك مورجان ستانلي والموظف السابق في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أن الضغوط السياسية والتحقيقات القانونية لن تغيّر آلية عمل البنك. وأكد أن “الاجتماعات تسير وفق جدول زمني منتظم، تتضمن عروضًا ومناقشات تقنية، ولا تُطرح خلالها عادة هذه الهجمات الأوسع على المؤسسة”.
وأضاف أن لجنة السوق المفتوحة ستواصل تقييم سياساتها النقدية بالطريقة ذاتها التي اتبعتها دائمًا، بعيدًا عن الصخب السياسي المحيط بها.
معركة ليزا كوك
لم تتوقف الضغوط عند باول، إذ نظرت المحكمة العليا الأمريكية، الأسبوع الماضي، في قضية تتعلق بإمكانية إقالة محافظة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ليزا كوك، على خلفية اتهامات بالاحتيال العقاري تنفيها بشكل قاطع. ولم يُقدم أي رئيس أمريكي، منذ تأسيس “الفيدرالي”، على إقالة أحد محافظيه.
وخلال المرافعات الشفوية، بدا أن قضاة المحكمة العليا يميلون إلى السماح لكوك بالبقاء في منصبها إلى حين البت في القضية، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا إضافيًا على حساسية المساس باستقلال البنك المركزي.
اقتصاد متماسك وضغوط تضخمية
اقتصاديًا، جاءت التخفيضات الثلاثة في أسعار الفائدة العام الماضي استجابة لتباطؤ التوظيف، إلا أن مؤشرات سوق العمل أظهرت لاحقًا قدرًا من الاستقرار. فقد انخفض معدل البطالة في ديسمبر، وظلت طلبات إعانات البطالة عند مستويات منخفضة تاريخيًا، ما يشير إلى أن موجة تسريحات واسعة لم تحدث.
في المقابل، لا يزال التضخم مرتفعًا نسبيًا، بل سجل ارتفاعًا طفيفًا وفق مقياس “الفيدرالي” المفضل، حيث بلغت الزيادة السنوية للأسعار 2.8% في نوفمبر، مقارنة بـ2.6% في الشهر ذاته من العام السابق، ما يضعف مبررات خفض فوري جديد للفائدة.
آفاق السياسة النقدية
يرى اقتصاديون أن “الفيدرالي الأمريكي” لن يقدم على أي خفض إضافي في أسعار الفائدة خلال الأشهر القليلة المقبلة، ما لم تبدأ الشركات بتقليص الوظائف أو يشهد معدل البطالة ارتفاعًا ملحوظًا. وإذا ما تراجع التضخم تدريجيًا خلال العام، فقد يُعاد النظر في خفض جديد خلال الربيع أو الصيف.
وتشير توقعات وول ستريت، استنادًا إلى عقود العقود الآجلة، إلى احتمال تنفيذ خفضين فقط بمقدار ربع نقطة مئوية خلال 2026. كما يتوقع بعض الخبراء تسارع النمو الاقتصادي، مدفوعًا بارتفاع قيمة الإعفاءات الضريبية هذا الربيع بنسبة قد تصل إلى 20%، مع دخول التخفيضات الضريبية التي أقرّتها إدارة ترامب حيز التنفيذ.
نمو قوي وحذر نقدي
وكان الاقتصاد الأمريكي قد سجل نموًا سنويًا قويًا بلغ 4.4% في الربع الثالث من العام الماضي، مع مؤشرات على استمرار وتيرة نمو مماثلة في الربع الأخير. وإذا ما استمر هذا الأداء، فقد يفضل مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي التريث، بانتظار ما إذا كان تحسن النمو سينعكس أيضًا على التوظيف، بما يقلل الحاجة إلى مزيد من التيسير النقدي.
مستقبل باول
يشغل جيروم باول منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ 2018، بعد تعيينه في الولاية الأولى لترامب، ثم إعادة تعيينه لاحقًا. وتنتهي ولايته الحالية في مايو المقبل، وسط توقعات بأن يُعلن ترامب خلال أيام اسم المرشح لخلافته، مع تداول أسماء بارزة من عالم المال والسياسة الاقتصادية.
ويبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كان باول سيبقى عضوًا في مجلس المحافظين بعد انتهاء ولايته كرئيس، وهو خيار نادر لم يُقدم عليه أي رئيس للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ نحو خمسين عامًا. وفي حال اتخاذه هذه الخطوة، فإن ذلك سيحرم البيت الأبيض من فرصة تشكيل أغلبية داخل المجلس، ويحد من مساعي إدارة ترامب لتعزيز سيطرتها على السياسة النقدية الأمريكية.










