تأتي جولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية ثم مصر في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها تداعيات حرب غزة المستمرة منذ أكتوبر 2023 مع تصاعد احتمالات المواجهة المفتوحة بين أمريكا وإيران. هذا التوقيت لا يمكن فصله عن مرحلة إعادة التموضع التي تشهدها المنطقة، في ظل اهتزاز منظومات الردع التقليدية وتراجع القدرة الأمريكية على فرض تسويات مستقرة.
الزيارة تمثل أول تحرك خارجي لأردوغان في عام 2026، ما يمنحها دلالة سياسية إضافية، باعتبارها رسالة أولوية واضحة للعالم العربي تحديدًا، وليس للفضاءات الغربية أو الآسيوية. اختيار الرياض والقاهرة كبوابتين للجولة يعكس إدراك أنقرة أن أي إعادة توازن إقليمي لا يمكن أن تتم دون الثقلين السعودي والمصري.
كما أن التوقيت يرتبط مباشرة بتراجع فعالية مسارات التطبيع الإقليمي مع الاحتلال الإسرائيلي، وفشل الرهانات على أن اتفاقيات أبراهام قادرة على ضبط الإقليم. من هذا المنظور، تبدو جولة أردوغان محاولة لملء فراغ سياسي واستراتيجي يتسع منذ حرب غزة، لا مجرد زيارات بروتوكولية.
الرياض أولًا
اختيار السعودية كمحطة أولى في الجولة يعكس تحوّلًا نوعيًا في العلاقة بين أنقرة والرياض بعد سنوات من القطيعة والتوتر. فالعلاقة لم تعد محكومة فقط بمنطق المصالح الثنائية، بل باتت جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بإدارة التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الانفجار الكبير في غزة.
الملف الاقتصادي يحضر بقوة في الزيارة، خاصة في ظل حاجة تركيا إلى استثمارات خارجية، ورغبة السعودية في تنويع شراكاتها بعيدًا عن الاعتماد الحصري على الغرب. غير أن الاقتصاد هنا ليس منفصلًا عن السياسة، بل يُستخدم كرافعة لتثبيت تفاهمات استراتيجية أعمق، خصوصًا في مجالات الطاقة والصناعات الدفاعية.
في البعد السياسي، تمثل الرياض شريكًا محوريًا في أي جهد لخفض التصعيد الإقليمي، سواء في الملف الإيراني أو في إدارة تداعيات الحرب على غزة. انخراط السعودية وتركيا في أدوار وساطة محتملة يعكس سعي الطرفين لتفادي الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة قد تعصف بمشاريع الاستقرار الهشة في المنطقة.
بوابة القاهرة
زيارة أردوغان إلى القاهرة تحمل دلالات لا تقل أهمية عن محطة الرياض، خاصة أنها تأتي بعد مسار تطبيع تدريجي أعاد العلاقات بين البلدين من حافة القطيعة إلى مستوى الشراكة الحذرة. هذه الزيارة تؤكد أن أنقرة لم تعد تنظر إلى القاهرة بوصفها خصمًا إقليميًا، بل شريكًا ضروريًا في إدارة ملفات شديدة التعقيد.
غزة تشكل العنوان الأبرز في أجندة اللقاء المرتقب مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، خصوصًا ما يتعلق بمعبر رفح، ومسار وقف إطلاق النار، ومستقبل المرحلة الثانية بعد الهدنة الهشة. التقاء الموقفين التركي والمصري في رفض السياسات الإسرائيلية يمنح هذا التنسيق بعدًا سياسيًا يتجاوز الخطاب إلى محاولة التأثير العملي في مسار الأحداث.
إلى جانب غزة، تحضر ملفات شرق المتوسط وليبيا والسودان والقرن الإفريقي بقوة، حيث بات واضحًا أن تداخل الأزمات يفرض مقاربات مشتركة بدل التنافس الصفري. التقارب التركي–المصري في هذه الملفات يشير إلى إدراك متبادل بأن الصدام الإقليمي لم يعد مجديًا في ظل بيئة دولية مضطربة.
غزة كمحور
تُعدّ حرب غزة العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل أولويات الجولة، إذ لم تعد القضية الفلسطينية ملفًا ثانويًا في الحسابات الإقليمية. حجم الجرائم الإسرائيلية، والدعم الأمريكي المفتوح لها، دفع دولًا محورية، بينها تركيا والسعودية ومصر، إلى إعادة تقييم رهاناتها السابقة.
بالنسبة لأنقرة، تشكّل غزة مدخلًا لاستعادة دورها كفاعل إقليمي ذي خطاب أخلاقي وسياسي، في مواجهة عجز النظام الدولي عن كبح الاحتلال. هذا الموقف لا ينفصل عن محاولة تركيا توظيف القضية الفلسطينية في بناء شبكة تفاهمات إقليمية تتجاوز الاصطفافات التقليدية.
في المقابل، ترى القاهرة والرياض أن استمرار الحرب دون أفق سياسي يهدد استقرار المنطقة برمتها، ويعيد إنتاج موجات عنف وفوضى عابرة للحدود. من هنا، يصبح التنسيق الثلاثي المحتمل أداة ضغط سياسية تهدف إلى فرض معادلات جديدة على واشنطن وتل أبيب، ولو بحدودها الدنيا.
الملف الإيراني
يحضر الملف الإيراني كظل ثقيل فوق جولة أردوغان، خاصة مع تصاعد التهديدات الأمريكية واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بتحريض إسرائيلي. أنقرة، التي ترفض الحرب المفتوحة، تسعى إلى لعب دور كابح للتصعيد، مستفيدة من قنواتها المفتوحة مع مختلف الأطراف.
التقاطع التركي–السعودي–المصري في رفض الحرب لا يعني تطابقًا كاملًا في الرؤى، لكنه يعكس إدراكًا مشتركًا بأن أي ضربة لإيران ستفتح أبواب الفوضى على مصراعيها. هذا الإدراك يدفع نحو البحث عن صيغ تفاهم إقليمي تقلل من الاعتماد على المظلة الأمريكية المتآكلة.
في هذا السياق، تبدو جولة أردوغان محاولة لبناء نواة تنسيق إقليمي قادرة على امتصاص الصدمات المقبلة. فبدل ترك المنطقة رهينة لقرارات واشنطن وتل أبيب، تسعى هذه الدول إلى استعادة هامش من الاستقلالية الاستراتيجية، ولو بشكل تدريجي.
جولة أردوغان.. نحو تكتل مرن
لا يمكن قراءة جولة أردوغان بمعزل عن فكرة التكتلات المرنة التي بدأت تتشكل في الإقليم، بعيدًا عن التحالفات الصلبة التقليدية. ما يجري ليس إعلان محور جديد، بل محاولة لتأسيس أرضية تنسيق تسمح بإدارة الخلافات دون انفجار.
هذا التكتل المحتمل يقوم على المصالح المتقاطعة لا الأيديولوجيات، وعلى البراغماتية السياسية لا الشعارات. نجاحه سيظل مرهونًا بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة، سواء في خفض التصعيد أو في تحسين شروط الاستقرار الاقتصادي.
تكشف جولة أردوغان أن المنطقة دخلت مرحلة بحث محموم عن توازنات جديدة بعد انهيار الكثير من المسلمات القديمة. وبين حرب غزة، واحتمالات المواجهة مع إيران، وتراجع الدور الأمريكي، تبدو هذه الزيارات محاولة استباقية لإعادة ترتيب الأوراق قبل أن تفرض الأحداث مسارات أكثر قسوة.










