3 يوليو 2026|القاهرة 28 °

كيف توازن تركيا بين الغرب والشرق في عالم متعدد الأقطاب؟

برزت تركيا كلاعب محوري يسعى لصياغة دور "قوة التوازن" في عالم يتفكك فيه نظام القطبية الواحدة لصالح تعددية قطبية مرنة.

بقلم: محمد أبو غالي
١٦ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
10 مشاهدة
كيف توازن تركيا بين الغرب والشرق في عالم متعدد الأقطاب؟

كيف توازن تركيا بين الغرب والشرق في عالم متعدد الأقطاب؟

برزت تركيا كلاعب محوري يسعى لصياغة دور "قوة التوازن" في عالم يتفكك فيه نظام القطبية الواحدة لصالح تعددية قطبية مرنة.
 

وتجلى هذا الدور بوضوح من خلال مشاركتها الفاعلة في مناورات حلف شمال الأطلسي (الناتو) "ستيدفاست دارت 2026" (Steadfast Dart 26) التي جرت في فبراير الحالي، حيث استعرضت أنقرة قدراتها العسكرية البحرية والبرية المتطورة، مؤكدة التزامها الاستراتيجي تجاه الحلف، وفي الوقت ذاته، بعثت برسائل قوة تعكس استقلاليتها في اتخاذ القرار.

إن الاستراتيجية التركية اليوم لا تكتفي بالتموضع التقليدي بين الشرق والغرب، بل تعمد إلى توسيع نفوذها في ساحات استراتيجية جديدة، لاسيما في القارة الإفريقية ومن خلال ملفات الطاقة المعقدة. ووفقاً لتقارير إخبارية، فإن التحركات التركية نحو إفريقيا لم تعد تقتصر على المساعدات الإنسانية، بل انتقلت إلى مرحلة "دبلوماسية الطاقة" عبر اتفاقيات استراتيجية للتنقيب عن النفط والغاز في الصومال وبناء محطات طاقة في دول مثل بوركينا فاسو، مما يجعل من أنقرة شريكاً لا غنى عنه في مستقبل القارة السمراء، ومنافساً قوياً للقوى التقليدية والناشئة هناك.

المناورات العسكرية ورسائل الردع

تعد المشاركة التركية الكثيفة في مناورات "ستيدفاست دارت 2026" بألمانيا وإسبانيا، بمشاركة نحو ألفي جندي ومجموعات بحرية متكاملة مثل السفينة "أناضولو"، دليلاً حياً على أن أنقرة ترفض أن تكون مجرد عضو هامشي في الناتو.

وبحسب بيانات وزارة الدفاع التركية، فإن هذا الاستعراض للقوة يهدف إلى إثبات "العقل العملياتي" المتفوق للجيش التركي وقدرته على الاستجابة السريعة للأزمات الدولية، مما يعزز من مكانتها كركيزة أساسية في الأمن الأوروبي الأطلسي، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في القطب الشمالي وشرق أوروبا.

ومع ذلك، فإن هذا الالتزام العسكري تجاه الغرب يقابله حذر استراتيجي؛ إذ تدرك تركيا أن علاقتها بالناتو تمنحها ثقلاً يتيح لها التفاوض من موقع قوة مع الأقطاب الصاعدة مثل روسيا والصين. إن إدارة الرئيس رجب طيب أردوغان تستخدم عضوية الحلف كدرع دفاعي وورقة ضغط سياسية، مما يسمح لها بالتحرك بمرونة في ملفات تتعارض أحياناً مع الرؤية الأمريكية، مثل الانفتاح على تكتلات "بريكس" أو تعزيز التعاون العسكري مع دول خارج المنظومة الغربية، في محاولة لفرض معادلة تركية خاصة في النظام الدولي الجديد.

دبلوماسية الطاقة والتمدد الإفريقي

تمثل التحركات التركية في قطاع الطاقة خلال عام 2026 نقطة تحول كبرى، حيث تسعى أنقرة للتحول من مستورد للطاقة إلى مركز إقليمي لتداولها وتصديرها. ووفقاً لتصريحات وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، فإن عام 2026 يشهد قفزة في الإنتاج المحلي من حقول البحر الأسود، بالتزامن مع توسع عمليات التنقيب الخارجية، لاسيما في الصومال وباكستان. هذا الطموح الطاقوي يهدف بشكل أساسي إلى خفض التبعية للخارج وتقليص فاتورة الاستيراد التي تنهك الاقتصاد التركي، مع تعزيز الروابط السياسية مع الدول الشريكة عبر "الممر الأخضر" نحو أوروبا.

وفي إفريقيا، تتبنى تركيا نموذجاً فريداً يجمع بين الاستثمار في البنية التحتية وتأمين موارد الطاقة، حيث وقعت شركة "أكسا إنرجي" التركية اتفاقيات طويلة الأمد لتوليد الكهرباء في بوركينا فاسو، مكررة نجاحاتها السابقة في غانا والسنغال. هذا التغلغل الاقتصادي، المدعوم بصناعات دفاعية متطورة تجد سوقاً رائجاً في القارة، يمنح تركيا دور "القوة الناعمة والصلبة" معاً، ويجعل منها وسيطاً مقبولاً لدى الحكومات الإفريقية التي تضيق ذرعاً بالتدخلات الغربية التقليدية أو الهيمنة الصينية المطلقة.

الوساطة السورية الإسرائيلية والتوازن

تأخذ الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط أبعاداً أكثر تعقيداً مع بروز مؤشرات على مفاوضات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل، حيث تشير تقارير صحفية، من بينها تقارير لـ "سكاي نيوز عربية" و"الجزيرة"، إلى جولات تفاوضية في باريس تهدف لتفعيل اتفاقية فض الاشتباك. ورغم أن الوساطة المعلنة حالياً تبدو فرنسية-أمريكية، إلا أن الدور التركي يظل حاضراً في الخلفية، خاصة بعد التطورات الدراماتيكية التي شهدتها سوريا في أواخر عام 2024 وسعي أنقرة لضمان استقرار حدودها الجنوبية ومنع قيام أي كيانات انفصالية.

إن تركيا تدرك أن استقرار سوريا يمثل مفتاحاً لأمنها القومي، لذا فإن أي تقارب بين دمشق وتل أبيب، حتى لو كان أمنياً ومحدوداً، يتطلب تنسيقاً مع أنقرة التي أصبحت اليوم القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في الشمال السوري. هذا الدور "الوسيط" أو "المراقب النشط" يعزز من فرضية تركيا كقوة توازن إقليمي؛ فهي قادرة على التحدث مع جميع الأطراف، بما في ذلك روسيا وإيران والإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب، مما يجعلها رقماً صعباً في أي تسوية شاملة تتعلق بملفات الأرض والطاقة والأمن في شرق المتوسط.

فلسطين والعدوان كاختبار للمواقف

لا يمكن فصل الدور المتوازن لتركيا عن موقفها النقدي الحاد تجاه الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في ظل استمرار المجازر والعدوان في فلسطين منذ أكتوبر 2023. وتؤكد المواقف التركية الرسمية، منذ نهاية عام 2023 وصولاً إلى عام 2026، على زيف السردية الإسرائيلية وضرورة وقف حرب الإبادة الجماعية، محملة الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة في استمرار الصراع عبر دعمها اللامحدود للكيان الإسرائيلي. هذا الموقف المبدئي يمنح تركيا مصداقية واسعة في الشارع العربي والإسلامي، ويوازن بين مصالحها البراجماتية كعضو في الناتو والتزاماتها الأخلاقية والسياسية تجاه القضية الفلسطينية.

إن النبرة التركية في عام 2026 تعكس وعياً عميقاً بأن القوة الحقيقية في النظام الدولي المتعدد الأقطاب لا تأتي فقط من التحالفات العسكرية، بل من القدرة على اتخاذ مواقف أخلاقية وسيادية ترفض التبعية المطلقة.

ومع استمرار العدوان الإسرائيلي، تصر أنقرة على ربط أي استقرار إقليمي بحل عادل وشامل للفلسطينيين، مما يضعها في مواجهة دبلوماسية مستمرة مع واشنطن، ولكنها مواجهة مضبوطة بإيقاع المصالح المتبادلة، وهو جوهر السياسة التركية "الهجينة" التي تبرع في الرقص على حبال التناقضات الدولية.

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال