4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد خليل مصلح يكتب: من الجنون إلى العقلانية.. تحليل استراتيجي للتحولات الإسرائيلية-الإقليمية- الدولية

البنية الحالية تتميز بتزامن أزمات في المحاور الأربعة: اقتصادياً، طاقة إسرائيل على شفا "عتمة" محتملة مع إغلاق مصافي حيفا واعتمادها شبه الكامل على الغاز. عسكرياً، أنفاق غزة تتعافى بوتيرة أسرع من تدميرها، والجيش الإسرائيلي يعاني إرهاقاً بنيوياً.

بقلم: د. محمد خليل مصلح
١٨ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
15 مشاهدة
نتنياهو وترامب

نتنياهو وترامب

المشهد الراهن يشهد "لحظة كثافة" حيث تتقاطع أزمات متعددة (اقتصادية، عسكرية، سياسية، دولية) لإنتاج "نقطة تحول" محتملة. "الجنون" المتمثل في نتنياهو وسموتريتش وترامب مؤقت لارتباطه بأشخاص ذوي طموح سياسي خيالي، بينما "العقلانية" المتجسدة في البديل البينيتي تتأهب لـ"إدارة" الانحدار. لكن "الإنقاذ" لن يوقف الصراع، بل سيجدده في أشكال أقل حدة تتوافق مع نظام عالمي متعدد الأقطاب صاعد.

المحور الأول: "اللحظة المجتمعة" - انهيار نظامي

البنية الحالية تتميز بتزامن أزمات في المحاور الأربعة: اقتصادياً، طاقة إسرائيل على شفا "عتمة" محتملة مع إغلاق مصافي حيفا واعتمادها شبه الكامل على الغاز. عسكرياً، أنفاق غزة تتعافى بوتيرة أسرع من تدميرها، والجيش الإسرائيلي يعاني إرهاقاً بنيوياً. 

سياسياً، نتنياهو يواجه محاكمات واحتجاجات وانشقاقاً في "المنظومة" الأمنية. دولياً، ترامب يتجه نحو "تفاوض" إيراني يُحرج حليفه الإسرائيلي. هذه ليست "أزمة" قابلة للإدارة، بل "انهيار نظامي" يفرض "الإنقاذ" كضرورة وجودية.

المحور الثاني: "الإسفين الإيراني" - ذكاء تكتيكي

إيران تنفذ استراتيجية "الشد والإرخاء": شد عبر عقيدتها التكتيكية (الرد السريع متعدد الجبهات)، وإرخاء عبر تفاوض مرحلي (النووي فقط بتجاهل الباليستي). الهدف تفكيك "الجبهة الموحدة" الأمريكية-الإسرائيلية. 

إيران تقدم لترامب "فوزاً سريعاً" يضعف "الحليف" المزعج، محولة الضغط الأمريكي إلى أداة ضغط على نتنياهو.

المحور الثالث: "اللعبة الداخلية" - تفريق وإنقاذ

المعارضة الإسرائيلية بنيوياً "غير متجانسة" و"غير متفاهمة": اليسار العلماني يرفض "الثمن" (التهجير والإبادة) لكنه بلا بديل عملي. اليمين "الأمني" يرفض "الأيديولوجيا" الإبادية لكنه محاصر في "المنظومة". 

اليمين المتطرف يتقاسم الهدف مع نتنياهو لكنه يكرهه شخصياً. المراهنة على بينيت عبر "حملته" الجديدة تقدم "بديلاً" ( لكنه في جوهره "نتنياهو بأناقة": أقل جنوناً، أكثر فعالية، لكنه نفس البنية الاستعمارية.

المحور الرابع: "الجنون" كـ"حالة" مؤقتة

"الجنون" المتمثل في نتنياهو وسموتريتش وترامب ليس "بنية" ملتصقة بالنظام، بل "حالة" مرتبطة بأشخاص ذوي "طموح سياسي خيالي". نتنياهو يسعى لأن يكون "الزعيم التاريخي" و"منقذ إسرائيل"، فيهرع إلى الأمام ويرفض الهزيمة. 

سموتريتش يطمح لـ"أرض إسرائيل الكاملة" والتطهير، فيتبنى خطاباً إبادياً يصف الفلسطينيين بـ"النازيين" وينادي بعودة الاستيطان في غزة و فتح باب الهجرة في الضفة الغربية. ترامب يسعى لـ"الفوز الأكبر" و"السلام بالقوة"، فيمارس الابتزاز والاستعراض. هذا "الجنون" مؤقت لأنه مرتبط بـ"أجساد" (شيخوخة، فشل، استنزاف، موت)، لا بـ"بنية" تتجاوز الأفراد.

المحور الخامس: "النظام العالمي" الجديد - تعدد الأقطاب

المشهد يتجه من "أحادي" (هيمنة أمريكية) إلى "متعدد" (توازن رعب، حروب بالوكالة، أزمات مُدارة). الصين تضغط على أمريكا اقتصادياً وتكنولوجياً، وتحمي إيران. روسيا تمتد عسكرياً ونووياً، معقدة الحسابات الإسرائيلية. تركيا تتموضع جغرافياً وإيديولوجياً بين الناتو والإسلام السياسي. إيران تظل "قلب" الصراع الإقليمي. السعودية تتأرجح بين أمريكا والصين/روسيا. 

أوروبا قطب بحد ذاته  محتملة لو اتحدت، لكنها مُشتتة وتبعية عسكرية. "الأشكال الأقل حدة" في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي تتوافق مع هذا التحول: "عقلانية" تدير الاحتلال بدلاً من "جنون" يُفجّره، وهذا مطلب ترامب من نتنياهو بعدم التصعيد في الضفة حتى لا تنفجر الأوضاع وتتصاعد المقاومة.

المحور السادس: الفلسطينيون - "فاعلون" في "الضعف"

الفلسطينيون "حاضرون-غائبون" في المشهد الإسرائيلي: "استقرارهم" (الهدوء) يمنح الاحتلال شرعية، و"استقطابهم" (العنف) يبرر له التسلح. "الضعف" يجعلهم "مرآة" تعكس العنف المُمارس عليهم، و"مفتاحاً" للاستقرار والاستقطاب حتى للاحتلال نفسه. 

فاعليتهم تتمثل في الصمود، والمقاومة (الأنفاق، الصواريخ)، والرواية (الحق، العودة)، والتحالفات (المحور، الصين، روسيا). "الضعف" هنا قوة: القدرة على تحويل القمع إلى فضيحة، والوجود إلى مقاومة.

السيناريو الأرجح: "الانقلاب الهادئ"

التسلسل المتوقع: "تصاعد" في أسبوع أول (عتمة، أنفاق، محاكمات، اتفاق إيراني)، ثم "عزلة" في أسبوع ثانٍ (ترامب يُباعد، الجيش يتردد)، ثم "اللحظة" في أسبوع ثالث (كارثة محدودة أو محاكمة حاسمة). 

وأخيراً "الإنقاذ" في أسبوع رابع (بينيت/غانتس، تراجع عن التهجير، تفاوض هادئ). النتيجة "استقرار مُهشم"، "إسرائيل بينت (أقل جنوناً، أكثر فعالية)، لكنها نفس البنية الاستعمارية.

ما بعد الإنقاذ: تحديات مفتوحة

"الجنون" سيعود عبر سموتريتش بن غفير والطموحيت في حزب الليكود إذا نجحوا في الانتخابات المقبلة. "الحقوق" الفلسطينية ستبقى مُهدرة، ما يعني لا هدوء واستقطاب إقليمي دولي و مقاومة عسكرية .

نعم "العدوان" سيتأجل لا يلغى، إذ إيران والمحور سيتعافيان، والردع سيبقى مؤقتاً. والصراع بين الأقطاب سيتجدد في "أشكال أقل حدة" تتوافق مع النظام العالمي المتعدد.

السؤال المفتوح: هل "الإنقاذ" (التأجيل) يفتح "أفقاً" للتغيير الجوهري؟ أم أن "الانهيار الكامل" (مهما كان مكلفاً) قد يكون "الولادة" الحقيقية لنظام إقليمي جديد؟

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير