20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: حين يُصفِّقُ بعضُنا للقصف.. هل نحتفلُ بجرحِ الوطن؟

في لحظات الحروب والأزمات الكبرى، لا يكون الخطر محصوراً في الصواريخ التي تسقط على المدن، بل في التحوّلات التي تصيب وعي المجتمعات. فالأخطر من القصف نفسه أن يظهر بين أبناء الوطن من يبرّر هذا القصف أو يصفّق له، فقط لأنّه يستهدف فئةً يختلف معها سياسياً أو طائفياً

بقلم: د. ليون سيوفي
٦ مارس ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
33 مشاهدة
حين يُصفِّقُ بعضُنا للقصف.. هل نحتفلُ بجرحِ الوطن؟

حين يُصفِّقُ بعضُنا للقصف.. هل نحتفلُ بجرحِ الوطن؟

في لحظات الحروب والأزمات الكبرى، لا يكون الخطر محصوراً في الصواريخ التي تسقط على المدن، بل في التحوّلات التي تصيب وعي المجتمعات. فالأخطر من القصف نفسه أن يظهر بين أبناء الوطن من يبرّر هذا القصف أو يصفّق له، فقط لأنّه يستهدف فئةً يختلف معها سياسياً أو طائفياً.

هذه لحظةٌ خطيرة في تاريخ أي بلد، لأنها تعني أن الخلاف الداخلي بدأ يتحوّل إلى قبولٍ بتدمير البيت المشترك.

إنّ من يظنّ أنّ القصف الإسرائيلي يمكن أن يكون موجهاً بدقّة إلى فئةٍ دون أخرى، أو أنّه يمكن أن يخدم مصلحة جزء من اللبنانيين دون غيرهم، يخطئ في قراءة طبيعة الصراعات في هذه المنطقة. فالحروب لا تعرف حدوداً طائفية ولا سياسية عندما تقع، والدمار لا يسأل عن هوية الضحية قبل أن يصيبها.

لقد علّمنا التاريخ أنّ الدول لا تتحرّك بدافع العاطفة تجاه شعوب أخرى، بل وفق مصالحها واستراتيجياتها. ولذلك فإنّ الاعتقاد بأنّ قوةً خارجية يمكن أن تتدخل عسكرياً داخل بلد ما من أجل مصلحة فئة داخله، هو وهمٌ سياسيٌّ خطير.

وفي هذا السياق، يجب أن تُقال كلمةٌ واضحة لمن يراهن على القوة الخارجية... لا تظنّوا أنّ إسرائيل تريد أمنكم أو سلامكم. فلديها مشروعٌ تسعى إلى تحقيقه على حساب شعوب هذه المنطقة. وإذا استمرّ البعض في التصفيق للقصف أو تبريره، فسيكتشف متأخّراً أنّ الثمن لن يدفعه طرفٌ واحد، بل سيدفعه الجميع… بالوطن وبالدم.

في الحقيقة، عندما يُدمَّر جزء من الوطن، فإنّ الوطن كلّه يُصاب بالضعف. وعندما تُقصف مدينة أو حيّ أو منطقة، فإنّ ارتدادات ذلك تمتدّ إلى الاقتصاد، والأمن، والاستقرار الاجتماعي، ومستقبل الدولة بأكمله.

ولهذا فإنّ التصفيق لقصف الوطن يشبه إلى حدّ بعيد التصفيق لمرضٍ ينهش الجسد. قد يظنّ البعض أنّ الألم سيصيب عضواً واحداً، لكن المرض إذا استفحل لا يلبث أن ينتشر في كل الجسد.

لا يعني هذا بالطبع أن تُلغى الخلافات السياسية داخل المجتمع اللبناني، فهي موجودة في كل الدول. لكن الفرق كبير بين الخلاف السياسي المشروع وبين القبول بأن يأتي الحلّ عبر صواريخ الخارج.

إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن هو أن يفقد أبناؤه الإيمان بأنّ مستقبلهم يجب أن يُصنع داخل الوطن لا فوق أنقاضه.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى إعادة ترميم فكرةٍ بسيطة كانت دائماً أساس بقاء الدول: أنّ الخلاف بين أبناء الوطن يجب أن يبقى داخل حدود الوطن، لا أن يتحوّل إلى دعوةٍ لتدميره.

فالأوطان لا تُبنى بالقصف، ولا تُحمى بالشماتة، ولا تُنقذها صواريخ الآخرين. الأوطان تُبنى عندما يدرك أبناؤها أنّ اختلافهم لا يلغي حقيقة واحدة لا يمكن الهروب منها:

أنّهم جميعاً يعيشون في الجسد نفسه… وإذا مرض الجسد، فلن ينجو منه أحد.
 

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير