قال الدكتور بكير أتاجان، الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط، إنه منذ عام 1991، تبلورت في الخليج بنية أمنية يمكن توصيفها بـ”الأمن المُفوض”، حيث جرى نقل الوظيفة الأساسية للدفاع والردع إلى قوة خارجية، هي الولايات المتحدة. هذه البنية لم تكن مجرد ترتيبات عسكرية، بل تحوّلت إلى نظام متكامل يربط الأمن الإقليمي بالإرادة الاستراتيجية الأمريكية.
وأوضح "أتاجان"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن النتيجة المباشرة لذلك كانت تعطيل تطور نموذج أمني ذاتي، سواء على المستوى الخليجي أو العربي الأوسع، وتحويل الاعتماد على الخارج من خيار تكتيكي إلى عقيدة استراتيجية شبه دائمة.
اقتصاد الحماية: من الضمان الأمني إلى علاقة تبعية
وأكد "أتاجان" أنه ضمن هذا النموذج، لم يعد الأمن وظيفة سيادية خالصة، بل أصبح سلعة قابلة للتسعير. الفوائض النفطية الضخمة سمحت بتمويل هذه المنظومة، لكنها في الوقت ذاته كرّست نمطًا من “الاعتماد المريح” الذي قلّص الحوافز لبناء قدرات دفاعية مستقلة.
اقرأ أيضا: واشنطن بوست: دول الخليج تطالب ترامب بإنهاء الحرب مع إيران.. لكن ليس الآن
وأشار إلى أن تجربة إدارة دونالد ترامب كشفت الطبيعة التعاقدية الصريحة لهذه العلاقة، حيث جرى ربط الحماية الأمنية بشكل مباشر بالتدفقات المالية وصفقات التسليح. هذا التحول نقل العلاقة من شراكة استراتيجية إلى ما يشبه “نظام حماية مدفوع”، ما يطرح تساؤلات حول استدامته في ظل تغير أولويات واشنطن.
فجوة الردع: حدود الفاعلية العملياتية
وبين الباحث التركي أنه رغم الكثافة العسكرية الأمريكية في الخليج، فإن فعالية هذه المنظومة في تحقيق الردع الشامل تبدو موضع شك متزايد. فالتطورات الأخيرة تشير إلى أن الوجود العسكري لا يترجم تلقائيًا إلى ردع فعال. وأضاف أن التطورات كشفت أيضا أن القواعد الثابتة تمثل أهدافًا مكشوفة في بيئة تهديدات غير متناظرة، كما أن قدرة هذه المنظومة على حماية البنية التحتية الحيوية لدول الخليج ليست مضمونة بالكامل
وأردف: "هذا يعني أن “فائض القوة” الظاهري لا يعادل بالضرورة “فائض أمن”، بل قد يخفي هشاشة بنيوية في نمط الانتشار نفسه".
معضلة التعرض: القواعد كمولد للتهديد
وشدد "أتاجان" على أن إحدى الإشكاليات المركزية في هذا النموذج هي ما يمكن تسميته بـ”معضلة التعرض” (Exposure Dilemma).
ونوّه أن وجود القواعد الأمريكية نتج عنه ربط أمن الخليج مباشرة بالصراعات الأمريكية مع أطراف إقليمية. كما منح خصوم واشنطن مبررات استراتيجية لاستهداف هذه القواعد. وحذر من أن ذلك ينقل التهديد من كونه احتمالًا إلى كونه عنصرًا بنيويًا دائمًا
وزاد: "بعبارة أخرى، القواعد لا توفر الحماية فقط، بل تُنتج في الوقت ذاته أسبابًا إضافية للخطر".
مفارقة الحماية المعكوسة
كما حذر "أتاجان" من أنه في الحالات القصوى، قد تجد دول الخليج نفسها أمام وضع paradoxical يتمثل في حماية الأصول العسكرية الأمريكية داخل أراضيها، بدلًا من العكس.
اقرأ أيضا: نيويورك تايمز: أوروبا تعمل على صياغة خطة ما بعد الحرب لمرافقة ناقلات النفط
ولفت إلى أن هذا التحول يعكس خللًا عميقًا في توزيع الأعباء والمخاطر، ويقوض الفرضية الأساسية التي قامت عليها هذه المنظومة: أن الوجود الأمريكي يقلل التهديد، لا يعيد إنتاجه.
القيود الهيكلية على فك الارتباط
وأوضح "أتاجان" أنه رغم تنامي الشكوك، فإن التحلل من هذا النموذج يواجه عدة قيود، أبرزها الاعتماد التقني والعسكري العميق على المنظومات الغربية، وغياب بنية قيادة وسيطرة إقليمية موحدة.
وأضاف أن القيود تشمل أيضا التباينات السياسية بين دول الخليج نفسها، وكلفة التحول المرتفعة زمنيًا وماليًا
وأكد الباحث التركي أن هذه العوامل تجعل أي انتقال نحو نموذج بديل عملية تدريجية ومعقدة، وليست قرارًا سياديًا بسيطًا.
سيناريوهات بديلة: نحو أمن إقليمي متعدد الأقطاب
وقال "أتاجان" إن البدائل المطروحة لا تتمثل في القطيعة مع الولايات المتحدة، بل في إعادة التوازن.
وتوقع الخبير في شؤون الشرق الأوسط مجموعة من السيناريوهات، أبرزها تنويع الشراكات الأمنية عبر إدماج قوى إقليمية مثل تركيا ومصر، أو تطوير قدرات ردع ذاتي تدريجي بدل الاعتماد الكامل على المظلة الخارجية، أو بناء أطر أمن جماعي إقليمي تتجاوز الانقسامات التقليدية، أو الانتقال من “الأمن المستورد” إلى “الأمن المُنتج محليًا”
واستدرك قائلا إن نجاح هذه السيناريوهات مشروط بإرادة سياسية واستثمار طويل الأمد في البنية الدفاعية.

وأكد "أتاجان" أن النموذج الأمني القائم في الخليج يواجه اليوم اختبارًا بنيويًا، لا ظرفيًا. فالقواعد الأمريكية لم تعد تُقيّم فقط بقدرتها على الردع، بل أيضًا بدورها في إعادة تشكيل طبيعة التهديد.
وأضاف: "المعضلة لم تعد: هل توفر هذه القواعد الحماية؟ بل أصبحت: هل تخلق، في الوقت ذاته، شروطًا جديدة لانعدام الأمن؟".
وختم تصريحه بالقول: "في بيئة استراتيجية سريعة التحول، قد لا يكون الخطر في غياب الحماية… بل في الاعتماد المطلق على نموذج واحد لها".










