20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

قمة إسلام آباد الرباعية: تحوّل استراتيجي أم إعادة تموضع تكتيكي في ميزان القوة الإقليمي؟

قال الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط، د. بكير أتاجان، إن ما يجري في إسلام آباد لا يمكن قراءته كاجتماع بروتوكولي عابر، بل كإشارة مكثفة إلى لحظة إعادة تشكّل في بنية النظام الإقليمي للشرق الأوسط

بقلم: عمرو المصري
٣٠ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
16 مشاهدة
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من مصر ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود والباكستاني إسحق دار والتركي هاكان فيدان في صورة جماعية خلال اجتماعهم في إسلام أباد يوم الأحد. صورة من وزارة الخارجية التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من مصر ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود والباكستاني إسحق دار والتركي هاكان فيدان في صورة جماعية خلال اجتماعهم في إسلام أباد يوم الأحد. صورة من وزارة الخارجية التركية

قال الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط، د. بكير أتاجان، إن ما يجري في إسلام آباد لا يمكن قراءته كاجتماع بروتوكولي عابر، بل كإشارة مكثفة إلى لحظة إعادة تشكّل في بنية النظام الإقليمي للشرق الأوسط ومحيطه الآسيوي. 

وأضاف "أتاجان"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات": "نحن أمام محاولة واعية لصياغة معادلة جديدة تتجاوز ثنائية الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية، دون أن تعلن القطيعة معها بشكل مباشر".

وأعلنت باكستان، التي تلعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن، إنها تستعد لاستضافة "محادثات هادفة" في الأيام المقبلة بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ شهر مع إيران.

وأجرى وزراء خارجية باكستان والسعودية ومصر وتركيا في إسلام آباد، الأحد (29 مارس 2026)، محادثات بشأن الحرب في الشرق الأوسط، في ظل جهود الوساطة التي تبذلها باكستان بين الولايات المتحدة وإيران. واستمر الاجتماع الرباعي بين وزراء خارجية تلك الدول في إسلام آباد بضع ساعات.

وأشار "أتاجان" إلى أن القمة التي جمعت السعودية وتركيا ومصر وباكستان تعكس انتقالًا من “سياسة ردّ الفعل” إلى “هندسة الفعل الإقليمي”، حيث لم يعد الهدف إدارة الأزمات، بل إعادة تعريف قواعدها.

باكستان: من هامش الجغرافيا إلى مركز الوساطة

وأوضح "أتاجان" أن التحول الأبرز يتمثل في صعود باكستان كقناة خلفية حساسة بين واشنطن وطهران. ولفت إلى أن هذا الدور ليس تفصيليًا، بل يعكس إعادة توزيع لوظائف القوة.

فمن الناحية السياسية، يرى "أتاجان" أن باكستان تستثمر موقعها كدولة غير مصنفة ضمن محاور الصراع المباشر، ما يمنحها قابلية للوساطة المقبولة من الطرفين.

أما أمنيًا، فإن امتلاكها قدرات نووية يضفي عليها وزنًا ردعيًا غير معلن، يجعلها شريكًا لا يمكن تجاهله في ملفات التصعيد، وفقا لـ"أتاجان".

وتابع: "دبلوماسيًا: إدارة قنوات الاتصال غير الرسمية تعني امتلاك مفاتيح التهدئة والتصعيد في آنٍ معًا".

وأكد الباحث التركي أن تحوّل إسلام آباد إلى “عقدة اتصال” بين الخصوم يضعها في قلب أخطر ملف عالمي: منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران.

إيران ومضيق هرمز: التهدئة المشروطة

وبين "أتاجان" أن موافقة طهران، بضمانة باكستانية، على تسهيل مرور عدد أكبر من السفن عبر مضيق هرمز تحمل دلالات عميقة. فمن الناحية الاقتصادية، يعني ذلك تقليل مخاطر تعطيل شريان الطاقة العالمي يخفف الضغط على الأسواق ويمنح إيران هامشًا تفاوضيًا بدل المواجهة.

كما أشار إلى الدلالة السعكرية تتمثل في تخفيض احتمالات الاحتكاك المباشر مع القوات الأمريكية في الخليج. فيما فسر الأمر من الناحية الاستراتيجية بأنه يعني إرسال رسالة بأن طهران مستعدة لتبديل أدواتها من التصعيد إلى “إدارة التوتر”.

وشدد "أتاجان" على أن هذه الخطوة لا تعني تراجعًا، بل إعادة تموضع محسوبة ضمن لعبة توازنات دقيقة.

تحرّك الحلفاء خارج المظلة الأمريكية

ونوّه الخبير في شؤون الشرق الأوسط إلى أن اجتماع أربع دول تُصنّف تقليديًا ضمن شركاء واشنطن دون حضور أمريكي مباشر يكشف عن تحول نوعي.

وأضاف أن السعودية، تركيا، مصر، باكستان لا تنسحب من النظام الدولي، لكنها تعيد تعريف موقعها داخله. فهذا التحرك يمثل بداية نظام إقليمي شبه مستقل قادر على المبادرة بدل انتظار الإملاءات.

وأكد "أتاجان" أن الأهمية هنا ليست في القمة نفسها، بل في “سابقتها”: اتخاذ قرار جماعي خارج الإطار الأمريكي.

أدوار الدول: هندسة توازن متعددة الأبعاد

وحول أدوار ومكانة كل دولة من الدول الأربعة، أشار "أتاجان" إلى أن السعودية تمثل مركز الثقل الاقتصادي والسياسي. فهي تقود مسار التهدئة في الخليج، وتمتلك أدوات التأثير في سوق الطاقة العالمي، كما يمكن أن تتحول من “ممول” إلى “صانع قرار إقليمي”.

وبين "أتاجان" أن تركيا تعد الجسر الاستراتيجي داخل الناتو، فهي تجمع بين عضوية الناتو وعلاقات معقدة مع الشرق. كما أنها تمتلك قدرة على المناورة بين واشنطن وموسكو وطهران. أيضا، تمثل أنقرة عنصر حاسم في موازنة البعد العسكري والسياسي.

وأوضح "أتاجان" أن مصر في هذه المعادلة تعد ركيزة الاستقرار الجيوسياسي. فهي تمثل توازنًا عربيًا تقليديًا يمنع الانزلاق إلى الاستقطاب الحاد. كما أنها تتحكم بممرات استراتيجية (قناة السويس). وتلعب دور “المُثبّت” في أي معادلة إقليمية.

وأخيرا، يرى "أتاجان" أن باكستان تمثل  الوسيط الذكي، فهي تدير قنوات الاتصال الحساسة، وتملك وزنًا أمنيًا غير تقليدي (نووي + موقع جغرافي)، وتتحول إلى منصة تفاعل بين القوى الكبرى والإقليمية.

الصين: الحضور الصامت

رغم غيابها العلني، قال "أتاجان" إن الصين تمثل العمق الاستراتيجي لهذا الحراك. فاقتصاديًا، تكمن مصلحتها الأساسية في استقرار تدفق الطاقة.

WhatsApp Image 2026-03-30 at 12.24.27 PM.jpeg


 

وتابع: "سياسيًا: تدعم نماذج التهدئة التي تقلّص النفوذ الأمريكي دون صدام مباشر. واستراتيجيًا: تفضّل العمل عبر وكلاء إقليميين بدل المواجهة المباشرة".

ويلخص "أتاجان" دور الصين بعبارة أخرى: "بكين لا تقود المشهد… لكنها تهيئ له الأرضية".

لماذا يثير اجتماع إسلام آباد قلق إسرائيل؟

وشدد الباحث التركي على أن هذا التشكيل الإقليمي يضرب عدة مرتكزات في الرؤية الإسرائيلية، على رأسها إجهاض سيناريو الفوضى الشاملة التي تبرر التوسع أو إعادة رسم الخرائط.

وأوضح "أتاجان" أن إسرائيل قلقة أيضا من تحويل الصراع من طائفي إلى سياسي قابل للتفاوض، وبالتالي، تقليص الاعتماد على القوة العسكرية كأداة وحيدة للحسم.

وأشار إلى أن النتيجة التي تثير مخاوف تل أبيب هي أن البيئة الاستراتيجية تتحول من “فرصة” إلى “قيد”.

ماذا يعني ذلك لبنيامين نتنياهو؟

وأكد "أتاجان" أن التداعيات على حسابات القيادة الإسرائيلية وبنيامين نتنياهو واضحة، أبرزها أن الحرب تتحول إلى استنزاف طويل بدل نصر حاسم.

ونوّه إلى ان اتجاه دول الخليج إلى التهدئة بدل الاصطفاف يعني مزيد من التعقيد في حسابات نتنياهو. مع الأخذ في الاعتبار أن واشنطن تبحث عن مخرج لا عن تصعيد.

ويرى "أتاجان" أن أهم ما يثير الخوف لدى نتيناهو هو ولادة تحالف إقليمي خارج الحسابات الإسرائيلية.

بداية نظام جديد أم لحظة عابرة؟

وختم "أتاجان" تصريحه بالتأكيد على أن ما بدأ في إسلام آباد قد لا يكون نهاية فورية للهيمنة الأمريكية، لكنه بلا شك بداية تآكل احتكار القرار، وصعود قوى إقليمية تصنع السياسة بدل تنفيذها، وظهور قنوات موازية لإدارة الأزمات

وأردف: "نحن أمام مشهد انتقالي، ليس سقوط نظام… بل إعادة توزيعه. وقد تكون هذه القمة هي الشرارة الأولى لمرحلة يُعاد فيها تعريف من يملك القرار في الشرق الأوسط… وكيف يُصنع؟".

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال