بعد شهر على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تبدو الجبهة العسكرية عالقة في نمط الاستنزاف الجوي والبحري، دون حسم حقيقي رغم كثافة الضربات. ومع استمرار فشل القصف في فرض نتيجة نهائية، يتصاعد النقاش داخل الدوائر العسكرية حول خيار الانتقال إلى العمليات البرية، بوصفه الورقة الأكثر خطورة والأقل ضماناً في آن واحد.
المعطيات الميدانية تشير إلى أن واشنطن لم تدفع حتى الآن بقوات برية واسعة إلى داخل الأراضي الإيرانية، لكنها في المقابل كثّفت من إعادة تموضع وحدات التدخل السريع وقوات الإنزال في الخليج، في خطوة تعكس استعداداً لسيناريوهات تصعيد محدودة. هذا التناقض بين التحضير والتردد يعكس إدراكاً عميقاً لتعقيد البيئة الإيرانية، التي لا تشبه أي ساحة حرب تقليدية خاضتها أمريكا خلال العقود الماضية.
تؤكد تقديرات الخبراء في مراكز الأبحاث الغربية أن غزو إيران برياً يتطلب جيشاً ضخماً لا تمتلكه أمريكا بدون استدعاء الاحتياط الإجباري المثير للجدل سياسياً. تمتد إيران على مساحة 636 ألف ميل مربع، أي أكبر بكثير من العراق وأكثر تضاريسها وعورة، حيث تحتل الجبال نصف مساحتها تقريباً وتختبئ المدن الكبرى خلف ممرات طبيعية يصعب اختراقها.
يقدر المحللون العسكريون أن احتلالاً على غرار نموذج العراق 2003 سيحتاج إلى ما بين 600 و800 ألف جندي، بينما لا يتوفر للجيش الأمريكي حالياً سوى 200-250 ألف جندي في أقصى حالات التعبئة.
يذكر خبراء معهد "أتلانتيك كاونسل" في تحليل نشر مؤخراً أن "إيران دولة شاسعة بتضاريس صعبة للغاية، وسيتطلب احتلالها مئات الآلاف من الجنود".
يضيف المحللون أن "أي استخدام للقوات البرية سيكون محصوراً على الأرجح في عمليات القوات الخاصة لمهمات محددة"، في إشارة واضحة إلى استحالة الاحتلال الشامل. تتفق مراكز دراسات أخرى مثل "سي تي إس آي إس" و"ستراتفور" على أن الحرب ستبقى محصورة في الضربات الجوية والمواجهات غير المباشرة طالما ظلت اضطرابات مضيق هرمز مؤقتة.
السيناريو الأول: الوضع الراهن لا يتغير
يرى المحللون في مركز "سي تي إس آي إس" للدراسات الاستراتيجية أن الحرب ستبقى في مسارها الحالي كصراع جوّي بحري مدعوم بالاشتباكات غير المباشرة عبر الوكلاء. تستمر الضربات الجوية في تدمير المنصات الإيرانية والبنية التحتية، بينما تركز القوات الأمريكية والإسرائيلية على الاعتراض الدفاعي وفرض العقوبات البحرية. يرجح هؤلاء الخبراء أن تؤدي المفاوضات غير المباشرة عبر وسطاء باكستانيين أو عمانيين إلى هدنة دون الحاجة إلى جنود على الأرض.
فيما يشير المحللون في "ستراتفور" إلى أن هذا السيناريو يبقى الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، خاصة إذا تمكنت القوات البحرية من استعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز. تتحمل دول الخليج العربي العبء الأكبر من الهجمات غير المباشرة، مما يدفعها للضغط على واشنطن لتجنب أي تصعيد بري قد يحول أراضيها إلى ساحات قتال. يستمر الجمود العسكري مع تفوق أمريكي جوي واضح، لكن دون قدرة على حسم المعركة أو إجبار طهران على الرضوخ.
السيناريو الثاني: عمليات برية محدودة
تسربت خطط البنتاغون في أواخر مارس الحالي لتشمل عمليات "تستمر أسابيع" لكنها لا تصل إلى حد الغزو الكامل، وتشمل قوات العمليات الخاصة والإنزال البحري للمارينز. تتضمن هذه الخطط أيضاً استخدام وحدات مشاة تقليدية محددة لتنفيذ مهام عالية التأثير وقصيرة المدة، مثل تدمير منشآت نووية تحت الأرض أو تحييد قدرات إيرانية في الجزر الاستراتيجية. يصف المحللون هذه العمليات بأنها "ضيقة وتكتيكية" تهدف إلى غارات استخباراتية أو تحرير رهائن أو الاستيلاء على أصول حيوية، وليس احتلالاً أو تغييراً للنظام.
اقرأ أيضا: صواريخ إيران تستنزف أمريكا وإسرائيل.. وحرب الأيام الـ30 تفضح "الضربة الساحقة"
يحذر هاريسون مان، محلل الاستخبارات السابق في الجيش الأمريكي، من أن "الاستيلاء الكامل على بعض الأهداف يمكن أن يكون أقرب إلى مهمة انتحارية" بسبب ترسانة إيران من المسيرات والمدفعية والصواريخ المضادة للوصول. يضيف مان أن القوات الخاصة يمكنها تنفيذ عمليات تسلل محدودة، لكن الاحتفاظ بالأرض سيكون مستحيلاً في ظل التحصينات الإيرانية المنتشرة. تشير تحركات وحدات المارينز المنتشرة على متن السفن "طرابلس" و"بوكسر" إلى أن الجزر الساحلية قد تكون الهدف الأول لمثل هذه العمليات.
السيناريو الثالث: توغل بري أوسع
يرى المحللون في مركز "أتلانتيك كاونسل" أن هذا السيناريو لن يتحقق إلا إذا فشلت العمليات المحدودة أو ردت إيران بردود فعل مدمرة كاستهداف القواعد الخليجية أو منشآت النفط العالمية. تتضمن الخطط متعددة المراحل التي نوقشت في محاكاة عسكرية عمليات إنزال جوي وهجوم برمائي والاحتفاظ بمواقع استراتيجية تحت غطاء جوي كثيف. يحذر الخبراء من أن هذا السيناريو سيحول الحرب بسرعة إلى مستنقع حقيقي، حيث ستتحول المدن الإيرانية إلى ساحات قتال حضرية تفوق أي تجربة سابقة لأمريكا.
يشير تحليل لموقع "نيو عرب" إلى أن "إيران أكبر بكثير وأكثر تعقيداً جغرافيا من العراق، وأي غزو سيحتاج إلى مئات الآلاف من الجنود وأشهر من التحضير ودعم قواعد إقليمية غير متوفرة حالياً". يضيف التحليل أن حتى الصقور في معهد "إيه إي آي" مثل مايكل روبين يعتبرون العملية البرية الواسعة "غير واقعية ولا قيد الدراسة". تبقى العقبات السياسية هائلة، حيث ترفض الدول الخليجية تحويل أراضيها إلى منصات انطلاق للغزو، ويعارض الرأي العام الأمريكي أي حرب برية جديدة في الشرق الأوسط.
لماذا إيران مختلفة عن أي خصم سابق؟
تركز عقيدة إيران العسكرية على المقاومة اللامركزية باستخدام الألغام البحرية والمسيرات الانتحارية وشبكة واسعة من الوكلاء، مصممة لإيقاع خسائر فادحة في صفوف أي غازٍ. تساعد التضاريس الوعرة المدافعين الإيرانيين، بينما تواجه القوات الأمريكية صعوبات لوجستية هائلة في إمداد قواتها عبر الخليج العربي تحت نيران مستمرة. يخشى المحللون أن أي توغل بري، حتى لو كان محدوداً، سيوحد المجتمع الإيراني ضد "الاحتلال الأجنبي" ويقوي النظام بدلاً من إضعافه.
تحذر دراسة صادرة عن معهد "تشاتام هاوس" من أن إيران تستعد لمثل هذا السيناريو منذ سنوات، حيث بنت أنفاقاً تحت المدن ومراكز قيادة محصنة ومستودعات أسلحة موزعة في كل أنحاء البلاد. يضيف المحللون أن أي احتلال مؤقت سيُقابل بحرب استنزاف يومية من مليشيات موالية لإيران، مما يرفع التكاليف البشرية والمادية إلى مستويات غير مسبوقة. تخلص التقديرات إلى أن حتى العمليات المحدودة قد تشعل جبهات إقليمية جديدة، كاستهداف القواعد الأمريكية في الخليج أو شن هجمات على ناقلات النفط في جميع أنحاء المنطقة.
المواقع المستهدفة في حال الغزو البري الأمريكي لإيران: ماذا يقول الخبراء؟
جزيرة خارك: الهدف الأكثر ترجيحاً
تسيطر جزيرة خارك المرجانية الصغيرة في الخليج العربي على 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، مما يجعلها العصب الاقتصادي للنظام ومصدر تمويل برنامجه العسكري. استهدفت الضربات الجوية الأمريكية مواقع عسكرية فيها كالدفاعات الجوية والقواعد البحرية ومخازن الصواريخ، لكن الاستيلاء البري عليها سيوجه ضربة قاضية للاقتصاد الإيراني. يصف خبراء عسكريون هذه الجزيرة بأنها "هدف عالي الاحتمال" في خطط البنتاغون، حيث يمكن الاستيلاء عليها عبر إنزال بحري أو اقتحام جوي بواسطة قوات المارينز.
اقرأ أيضا: ترامب يعلنها صريحة: أريد نفط إيران.. وقد أستولي على جزيرة خرج
يحذر المحللون من أن جزيرة خارك تشكل "فخاً مميتاً" لأي قوة تغامر بالاستيلاء عليها، لأنها تبعد 15 ميلاً فقط عن الساحل الإيراني وتقع في مرمى الصواريخ والمسيرات قصيرة المدى. يشرح هاريسون مان، المحلل السابق في الاستخبارات الأمريكية، أن الجنود الأمريكيين قد يتحولون إلى "رهائن فعليين" في الجزيرة الصغيرة، مما يمنح إيران نصراً دعائياً هائلاً. تنتشر الألغام البحرية في المياه المحيطة، وتتمركز قوات الكوماندوز البحرية الإيرانية في الجزر المجاورة، مما يجعل الإمداد والإخلاء عملية شبه مستحيلة.
جزيرة قشم ومواقع مضيق هرمز
تصف بعض التقارير العسكرية جزيرة قشم بأنها "مدينة صواريخ تحت الأرض" مخبأة في أنفاق طبيعية وصناعية، وتحتوي على ترسانة هائلة من الصواريخ المضادة للسفن. يهدف تحييد أو الاستيلاء على هذه المنشآت إلى دعم جهود إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يعطل الملاحة فيه منذ أسابيع. تنطبق نفس المنطق على جزر أصغر أخرى وموانئ ساحلية تستخدمها القوات البحرية الإيرانية لشن هجماتها على السفن التجارية.
تتمركز وحدات الإنزال البرمائي الأمريكية بشكل واضح للقيام بمثل هذه المهمات، حيث تتدرب هذه القوات على الاستيلاء على الجزر في مناورات سابقة. يرجح خبراء معهد "واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" أن تكون هذه الجزر هدفاً للعمليات البرية المحدودة، لأنها أقل تحصيناً من المناطق الداخلية وأسهل في الاستيلاء عليها. يضيف الخبراء أن السيطرة على هذه الجزر ستقطع خطوط الإمداد البحرية الإيرانية وتضرب قدرتها على تهديد الملاحة الدولية في الخليج.
المنشآت النووية والصاروخية
تستهدف قوات العمليات الخاصة الأمريكية بقايا منشآت نانوثنز وفوردو وأراك وأصفهان، التي تعرضت لقصف جوي مكثف لكن بعض مرافقها تحت الأرض قد لا تزال صامدة. تنفذ هذه القوات غارات "الدخول والخروج" لتأمين مواد انشطارية أو تدمير مخابئ محصنة أو جمع استخبارات عن البرنامج النووي الإيراني. يستفيد المهاجمون من التفوق الجوي الكامل لتوفير الغطاء لهذه العمليات، التي لا تستغرق عادة أكثر من ساعات قليلة.
يحذر المحللون في معهد "تشاتام هاوس" من أن هذه المنشآت تقع في عمق الأراضي الإيرانية، مما يجعل الوصول إليها والعودة منها مخاطرة كبيرة دون دعم بري كثيف. تشير تقديرات البنتاغون إلى أن بعض المفاعلات النووية محصنة بعشرات الأمتار من الخرسانة والصخور، مما يجعل تدميرها من الجو مستحيلاً ويتطلب عبوات ناسفة خاصة يتم تفجيرها في الموقع. يظل خيار الغارات الخاصة مطروحاً بقوة، لكن تنفيذه يتوقف على استخبارات دقيقة عن مواقع المخابئ ونقاط الضعف في الدفاعات الجوية الإيرانية.
المناطق الكردية الغربية
تطرح بعض التحليلات سيناريو التنسيق مع الجماعات الكردية الإيرانية لشن توغل محدود في المناطق الكردية غرب البلاد، بهدف الضغط على طهران أو جمع استخبارات. يمكن أن تشمل هذه العمليات قوات خاصة أمريكية تقدم المشورة والدعم الناري للقوات الكردية، دون اشتباك مباشر مع الحرس الثوري. يرى مؤيدو هذا السيناريو أنه أقل تكلفة سياسياً وعسكرياً، ويمكن أن يحقق مكاسب تكتيكية دون جر أمريكا إلى مواجهة برية شاملة.
يحذر خبراء "أتلانتيك كاونسل" من أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها تحول التوغل المحدود إلى احتلال طويل الأجل تدفع ثمنه القوات الكردية وحدها. تذكرنا هذه السيناريوهات بتجربة أفغانستان حيث تحول الدعم لوكلاء محليين إلى التزام عسكري استمر لعقدين من الزمن. يصف محللون آخرون هذا الخيار بأنه "منخفض الاحتمال" بسبب تعقيدات الشرق الأوسط وخشية واشنطن من انزلاق تدريجي إلى مستنقع حرب برية.
البنية التحتية النفطية ومراكز القيادة
يمكن أن تشمل الأهداف الثانوية قواعد الحرس الثوري في المناطق الداخلية أو منشآت نفطية إضافية، لكن الخبراء يصرون على أن هذه ستكون "غارات ضيقة" وليست عمليات تطهير للمدن. يستبعد المحللون بشكل قاطع أي سيناريو يتضمن قتالاً في شوارع طهران أو مدن كبرى أخرى، لأن ذلك سيحول الحرب إلى كارثة بشرية وسياسية. تؤكد جميع التقديرات أن الهدف هو "فرض تكاليف تدفع إيران للتفاوض" وليس "إعادة صنع إيران" أو تغيير نظام حكمها.
تخلص إحدى المحاكاة العسكرية التي أجراها مركز للدراسات الاستراتيجية إلى أن "المكاسب التكتيكية قصيرة الأجل ممكنة، لكن الاحتفاظ بالأرض سيكون صعباً للغاية، مما يخاطر بصراع طويل الأمد وخسائر فادحة". يحذر نفس التحليل من أن العمليات البرية، حتى لو كانت محدودة، قد تفتح أبواب جهنم في المنطقة بأسرها دون أي مخرج استراتيجي واضح. يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع أمريكا احتواء هذه المخاطر، أم أن الحرب على إيران مقبلة على مرحلة جديدة وأكثر دموية؟
لماذا تجتاز أمريكا الخط الأحمر؟
ترتفع حدة التصعيد مع كل يوم تمر فيه الحرب دون حسم، ويصر القادة العسكريون على أن القوة الجوية وحدها لا تستطيع تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل. يضغط الجمهوريون المحافظون على إدارة ترامب لاستخدام "الخيار البري" بعد أن فشلت العقوبات والضربات الجوية في كسر إرادة طهران. يرد المحللون المستقلون بأن "أي وجود بري أمريكي في إيران سيكون كارثة استراتيجية، بغض النظر عن حجمه أو مدته".
تستمر المناورات الأمريكية في الخليج، وتتحرك وحدات المارينز إلى مواقع متقدمة، لكن البيت الأبيض يعلن رسمياً أن "جميع الخيارات مطروحة". يقر مسؤولون كبار بأن أي قرار بالغزو البري سيحتاج إلى موافقة الكونغرس ودعم حلفاء إقليميين قد لا يكون موجوداً. تظل الأيام القادمة حاسمة: إما أن تنجح الدبلوماسية في إيجاد مخرج، أو أن تنزلق المنطقة إلى حرب برية ستغير وجه الشرق الأوسط لعقود قادمة.










