ليست المشكلة في الحروب… بل في الذين يبيعونها لشعوبهم على أنها ضرورة، ثم يستقبلون نتائجها في نعوشٍ مُغلقة. هناك، لا يبقى خطاب، ولا تنفع شعارات، ولا تُجدي كل تبريرات “الأمن” و”الردع”.
في إسرائيل، يقف بنيامين نتنياهو أمام تناقضٍ فاضح: دولةٌ تُنفق الملايين وتُحرّك العالم لاستعادة جثمان الطيّار رون أراد، لكنها في الوقت نفسه تدفع بجنودها إلى ساحاتٍ تعرف مسبقاً أنّ العودة منها قد تكون في توابيت. أيُّ منطقٍ هذا؟ أيُّ أخلاقٍ تسمح بأن تُقدَّس جثةٌ غائبة، بينما تُستهلَك أجسادٌ حيّة على مذبح قراراتٍ سياسية؟
نتنياهو لا يقود حرباً فقط… بل يقود ماكينة تبرير. كلّ نعشٍ يعود، يُغلّفه بخطابٍ جاهز: “كان لا بدّ”. لكن الحقيقة التي لا يستطيع الهروب منها هي أنّ العدد حين يكبر، يسقط القناع. حين تتحوّل التوابيت إلى مشهدٍ يومي، لا يعود السؤال “من قتلهم؟” بل “من أرسلهم؟”.
وفي واشنطن، لا يبدو المشهد أقلّ قسوة. دونالد ترامب، أو أي رئيسٍ في الولايات المتحدة، يعرف جيداً أنّ صورة تابوتٍ ملفوفٍ بالعلم كفيلة بإسقاط أقوى خطابٍ سياسي. هذه دولةٌ تعلّمت من حرب فيتنام وحرب العراق أنّ الشعوب قد تتحمّل الأكاذيب… لكنها لا تتحمّل رؤية أبنائها يعودون قتلى بلا معنى واضح.
ومع ذلك، تُدار الحروب كما لو أنّ الدم تفصيلٌ ثانوي. تُتخذ القرارات خلف مكاتب محصّنة، وتُرسل الجيوش إلى حيث لا يذهب صُنّاع القرار. هنا، يصبح السؤال أكثر قسوة من كل الاتهامات، لماذا لا يقف أبناء السياسيين في الصفوف الأولى؟ لماذا تُترك كلفة الحرب لمن لا يملكون قرارها؟
ليس هذا سؤالاً شعبوياً، بل فضحٌ لبنيةٍ كاملة، من يقرّر الحرب، لا يدفع ثمنها. ومن يدفع الثمن، لا صوت له في القرار.
نتنياهو وترامب، كلٌّ بطريقته، يراهنان على شيءٍ واحد: أنّ بإمكانهما التحكم بالرواية. لكن الروايات لا تصمد أمام التوابيت. كلّ نعشٍ هو اتهام. كلّ جنازةٍ هي محاكمة. وكلّ أمٍّ ثكلى هي شهادةٌ ضدّ قرارٍ اتُّخذ بعيداً عن الألم الحقيقي.
الحروب لا تُفضَح في ساحات القتال، بل عند عودة الجنود إلى بيوتهم… بلا حياة. هناك، يسقط القادة من مواقعهم الرمزية، ويظهرون كما هم: صُنّاع قراراتٍ لا يتحمّلون نتائجها.
والحقيقة التي يحاولون دفنها مع الجنود هي هذه...
ليس أقسى ما في الحرب أنّها تقتل… بل أنّها تكشف، بلا رحمة، من الذي قرّر القتل… ومن الذي دفع ثمنه.










