يرى الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان، أن التطورات الجارية لا يمكن فهمها ضمن إطار حرب تقليدية ذات نهاية عسكرية واضحة، بل تمثل عملية متكاملة لإعادة هندسة النظام الإقليمي. ويؤكد أن ما يحدث يجمع بين الضغط العسكري المباشر وفرض تسويات سياسية قسرية، في سياق يعيد ترتيب موازين القوى بشكل أعمق من مجرد نتائج ميدانية.
وفي تصريحات لـ"180 تحقيقات"، يشير إلى أن السؤال لم يعد مرتبطًا بمن ينتصر عسكريًا، بل بكيفية إعادة تعريف هذا الانتصار سياسيًا لكل طرف. هذا التحول في طبيعة الصراع يعكس انتقال المنطقة من منطق الحسم العسكري إلى منطق إدارة النتائج، حيث تصبح الرواية السياسية جزءًا أساسيًا من معادلة القوة.
ويضيف أن هذه المرحلة تعكس تحولات بنيوية في الإقليم، إذ يتم توظيف الحرب كأداة لإعادة تشكيل التوازنات، وليس فقط لتحقيق مكاسب ميدانية آنية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
إيران وإعادة السرد
في هذا السياق، يوضح أتاجان أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في قبول إيران بشروط أمريكية، ولكن ضمن إطار إعادة صياغة الرواية السياسية للنتائج. فالتسوية، وفق هذا التصور، لن تُقدَّم كهزيمة، بل كنجاح في منع إسقاط النظام، وهو ما يسمح للنظام الإيراني بالحفاظ على تماسكه الداخلي.
ويؤكد أن هذا النمط من إعادة إنتاج الخطاب ليس جديدًا في المنطقة، حيث تلجأ الأنظمة التي تواجه ضغوطًا وجودية إلى الفصل بين النتائج العسكرية والرواية السياسية. وبذلك يتحول التنازل التكتيكي إلى ما يُقدَّم كصمود استراتيجي، فيما يُعاد تسويق القبول بالشروط كحماية للسيادة الوطنية.
ورغم فعالية هذا الخطاب داخليًا، يشدد على أنه لا يغير من الواقع الاستراتيجي، حيث ستدخل إيران مرحلة انكفاء طويل، يتسم بتراجع النفوذ الإقليمي وتقييد القدرة على المبادرة، ما يعكس تحولًا عميقًا في موقعها داخل معادلة القوة.
حسابات واشنطن
في المقابل، يتوقع أتاجان أن تتجه الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، إلى إعادة ضبط أهدافها بما يتناسب مع الواقع الميداني والسياسي. فبدلًا من شعارات مثل "تدمير إيران" أو "تغيير النظام"، ستتحول الأولويات نحو أهداف أكثر قابلية للتحقيق وأقل كلفة.
وتشمل هذه الأهداف تحجيم القدرات الاستراتيجية الإيرانية، وفرض ترتيبات أمنية جديدة، إضافة إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية. هذا التحول يعكس براغماتية أمريكية تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من النتائج بأقل تكلفة ممكنة.
وسيتم تسويق هذه النتائج كنصر مركب يجمع بين إضعاف الخصم أمنيًا، وتقليل الكلفة اقتصاديًا، وفرض الشروط سياسيًا دون الانخراط في حرب طويلة مفتوحة، وهو ما يمنح واشنطن قدرة على إعادة تعريف النجاح وفق معاييرها الخاصة.
ما بعد الحرب
ويؤكد أتاجان أن أي وقف محتمل للحرب لن يمثل نهاية للصراع، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ في المنطقة. هذه المرحلة ستشهد انتقال مركز الصراع من المواجهة المباشرة إلى إعادة تشكيل خرائط السيطرة والتأثير.
ويشير إلى أن المفارقة تكمن في أنه مع تراجع حدة المواجهة مع إيران، ستُفتح ساحات أخرى لإعادة ترتيب التوازنات، ما يعني أن الصراع سيتخذ أشكالًا جديدة أكثر تعقيدًا. هذا التحول يعكس طبيعة النظام الإقليمي الذي يعيد إنتاج التوتر بأدوات مختلفة.
ويضيف أن هذه المرحلة ستتسم بمرونة أعلى في التحالفات، مع تصاعد دور الحسابات البراغماتية على حساب الاصطفافات التقليدية، ما يعيد تشكيل بنية العلاقات الإقليمية بشكل جذري.
لبنان كحالة اختبار
في لبنان، يتوقع أتاجان فرض واقع أمني جديد يقوم على إعادة تشكيل البيئة الحدودية، عبر إنشاء منطقة عازلة بعمق يقارب عشرة كيلومترات، وتقليص قدرة الفاعلين المحليين على التأثير في المعادلة الأمنية. هذا التوجه يعكس تحولًا في طريقة إدارة الصراع.
ويشير إلى أن هذا النموذج يعبر عن انتقال إسرائيل من سياسة الردع التقليدي إلى سياسة إعادة رسم المجال الحيوي الأمني، بما يضمن تقليص مصادر التهديد على المدى الطويل. هذا التحول يعكس استراتيجية أكثر هجومية في إدارة الحدود.
كما يؤكد أن هذا السيناريو سيؤدي إلى إعادة تعريف قواعد الاشتباك، بحيث تصبح أكثر تقييدًا للفاعلين المحليين، ما يكرّس واقعًا أمنيًا جديدًا يخدم المصالح الإسرائيلية بشكل مباشر.
سوريا وإعادة الجغرافيا
أما في سوريا، فيرى أتاجان أن التحركات ستكون أكثر دقة لكنها تحمل أبعادًا استراتيجية أعمق، حيث سيتم التركيز على السيطرة أو التأثير في مناطق مرتفعة وحساسة مثل جبل الشيخ، إلى جانب تثبيت النفوذ في مناطق مثل القنيطرة.
ويؤكد أن هذا النهج يعكس استخدام الجغرافيا كأداة استراتيجية لإعادة إنتاج ميزان القوة، حيث تتحول السيطرة على المواقع الحيوية إلى عنصر حاسم في تحديد النفوذ طويل الأمد. هذه المقاربة تتجاوز العمليات العسكرية التقليدية.
ويضيف أن إنشاء شريط أمني محدود لكنه عالي القيمة يعكس استراتيجية قائمة على تحقيق أقصى تأثير بأقل انتشار، ما يمنح إسرائيل قدرة على التحكم في مساحات واسعة دون الحاجة إلى وجود عسكري كثيف.
صعود النفوذ الإسرائيلي
ضمن هذه التحولات، يشير أتاجان إلى أن إسرائيل تبدو المستفيد البنيوي الأكبر، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على مستوى إعادة تشكيل موقعها داخل النظام الإقليمي. فإضعاف إيران دون إسقاطها يحقق لها مكاسب استراتيجية كبيرة دون تحمل كلفة المواجهة الشاملة.
ويضيف أن هذه التطورات تتيح لإسرائيل توسيع هامش حركتها الإقليمية، ودفع عدد من الدول العربية نحو مزيد من الانخراط السياسي معها، في إطار إعادة تشكيل التحالفات. هذا المسار يعكس تحولات عميقة في بنية العلاقات الإقليمية.
كما يؤكد أن ما يجري لا يمثل مجرد انتصار تكتيكي، بل إعادة تموضع استراتيجي في قلب النظام الإقليمي، بما يعزز موقع إسرائيل كفاعل مركزي في رسم التوازنات المستقبلية.
إيران بعد الحرب
في المقابل، يتوقع أتاجان أن تواجه إيران مرحلة صعبة حتى في حال بقاء نظامها، حيث ستتعرض لاستنزاف اقتصادي واضح، وتراجع في نفوذها الإقليمي، إضافة إلى اهتزاز في خطابها الأيديولوجي. هذه التحديات تعكس عمق التحولات التي فرضتها الحرب.
ويشير إلى أن إعادة بناء الموقع الإيراني قد تستغرق عقودًا، مع حاجة إلى إعادة صياغة أدوات النفوذ، بما في ذلك توظيف الخطاب الديني وإعادة إحياء القضايا المركزية مثل القضية الفلسطينية. إلا أن هذه الأدوات قد تكون أقل فاعلية من السابق.
ويضيف أن محاولة ترميم ما يُعرف بمحور المقاومة ستواجه صعوبات كبيرة، في ظل تغير موازين القوى، ما يجعل قدرة إيران على استعادة دورها السابق محدودة ومقيدة بعوامل داخلية وخارجية.
تآكل الأيديولوجيا
ويختتم أتاجان تحليله بالإشارة إلى أن أحد أبرز التحولات يتمثل في تراجع فعالية الخطاب الأيديولوجي التقليدي في المنطقة. فالتطورات الحالية تدفع نحو صعود البراغماتية السياسية، وتراجع تأثير الشعارات الكبرى التي هيمنت على الخطاب الإقليمي لعقود.
ويؤكد أن المنطقة تتجه نحو مرحلة تُقدَّم فيها المصالح على الشعارات، ما قد يشكل بداية لمرحلة ما بعد الأيديولوجيا في الشرق الأوسط. هذا التحول يعكس إعادة تعريف لمفاهيم القوة والشرعية.
ويشير إلى أن هذه التحولات، رغم طابعها الصراعي، قد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل الواقع الإقليمي بشكل أكثر استقرارًا على المدى الطويل، إذا ما تم استثمارها في بناء توازنات جديدة أكثر واقعية.










