قال الكاتب تسفي برئيل إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تواجه تحديات معقدة على أربع جبهات رئيسية في الشرق الأوسط، تشمل غزة ولبنان وسوريا وإيران، حيث تتراكم على مكتبه مسودات لم يتم توحيدها بعد في خطة عملية قابلة للتنفيذ يمكن أن تُغلق هذه الجبهات الأربع، مع مراعاة التوازن بين المصالح الأمريكية وحلفائها وواقع القوى على الأرض. وأشار برئيل إلى أن كل جبهة من هذه الجبهات تحمل خصائصها المعقدة التي تجعل أي قرار أمريكي محفوفًا بالمخاطر، إذ يجب أن توازن بين الضغوط الدبلوماسية والمصالح العسكرية والاستراتيجية لكل طرف معني، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يواجه البيت الأبيض في إدارة الصراعات الإقليمية وتفادي الانزلاق إلى أزمات مفتوحة.
وأضاف برئيل، في مقال نُشر بصحيفة هآرتس، أن هذه التحديات ليست نظرية فحسب، بل ترتبط بوقائع ملموسة على الأرض، مثل مسودة القرار المقدمة لمجلس الأمن بشأن الإطار التشغيلي للقوة متعددة الجنسيات في غزة، والانتظار اللبناني لرد إسرائيل على مقترحات التفاوض بشأن الترتيبات الأمنية، والحوار غير المكتمل مع إيران، بالإضافة إلى الترقب الشديد للمبادرة الأمريكية المتعلقة بترتيبات سورية–إسرائيل بعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع للبيت الأبيض، والتي صوّرت إعلاميًا على أنها إنجاز سياسي، لكنها في الواقع لم تحسم القضايا الجوهرية بعد، بما يخلق حالة من الغموض حول المدى الفعلي للنفوذ الأمريكي على الأرض.
سوريا: تعقيد الترتيبات
وأشار برئيل إلى أن تمديد الإعفاء من العقوبات بموجب "قانون قيصر" يمثل خطوة رمزية للشرع، لكنه لا يضمن تدفق الاستثمارات والمساعدات الضرورية لإعادة الإعمار، خاصة مع استمرار اعتراضات بعض أعضاء الكونغرس، بمن فيهم نواب جمهوريون حساسون لموقف إسرائيل، ما يوضح أن التحركات الأمريكية، وإن بدت داعمة، تبقى محدودة عمليًا. كما ذكر أن انضمام سوريا للتحالف الدولي لمحاربة "داعش"، رغم أهميته الرمزية، لم يرتقِ إلى المستوى العملياتي، ما يمنع الولايات المتحدة من سحب قواتها أو تسليم إدارة الحرب للجيش السوري، غير الجاهز بما يكفي، وهو ما يعكس التعقيدات الاستراتيجية المشتركة بين تركيا وسوريا والولايات المتحدة، مع صعوبة تنفيذ أي خطة تتعلق بالتحالفات العسكرية بسبب رفض دمشق وأنقرة تقييد تشكيلات الأكراد، بينما يطالب الأكراد بالاحتفاظ بهياكلهم الدفاعية في مناطقهم.
وأوضح برئيل أن الترتيبات الأمنية المباشرة مع إسرائيل، رغم ما أعلن عنه الشرع من تقدم، ما زالت متعثرة، وأن معارضته لإقامة منطقة منزوعة السلاح على الحدود الجنوبية والغربية لسوريا، كما صرح لصحيفة "واشنطن بوست"، تعكس اعتبارات عملية ووطنية، حيث يرى أن هذه المنطقة قد تُتيح لجماعات معادية لإسرائيل العمل ضدها، بالإضافة إلى أن الأرض سورية بطبيعتها ويجب أن تبقى تحت سيطرة دمشق، وهو ما يعقد أي مبادرة أمريكية لتولي القوات الأمريكية إدارة المنطقة أو فرض ضوابط أمنية على الأرض، ويشير إلى أن المواقف السورية منسقة مع القيادة التركية لتفادي انحراف واشنطن عن مصالح دمشق.
لبنان: مفاوضات متوقفة
أما في لبنان، فأكد برئيل أن الرئيس جوزيف عون ما زال ينتظر رد إسرائيل على اقتراحه لإطلاق مفاوضات مباشرة، مشيرًا إلى أن لبنان يرى التفاوض كخيار وحيد بعد فشل الحرب، وأن المفاوضات يجب أن تكون مع الخصوم لا الأصدقاء، بينما إسرائيل تُفضل الحفاظ على حرية العمل العسكري، بما يعكس فجوة كبيرة بين الطموحات اللبنانية والسياسات الإسرائيلية الفعلية، وهو ما يزيد من صعوبة تحقيق أي نتائج ملموسة على الأرض. وأضاف برئيل أن الجيش اللبناني يواجه قيودًا ميدانية بسبب رفض إسرائيل السماح له بدخول مناطق يشتبه بوجود أسلحة حزب الله فيها، ما يعكس فشل تطبيق خطة جمع السلاح في جنوب نهر الليطاني، ويجعل من أي اتفاق سياسي يعتمد على التسوية ونزع السلاح رهين الضغط الأمريكي على إسرائيل، وهو ما لم يحدث بعد، ويبقي الوضع اللبناني–الإسرائيلي في حالة من الجمود.
الضغط الأمريكي والخيارات
وأشار برئيل إلى أن جميع الجبهات الأربع تعتمد على قرار ترامب النهائي، سواء في الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي السورية، أو منح تركيا الدور القيادي في الحرب ضد داعش، أو تحديد مستقبل التحالف مع الأكراد، أو فرض قبول إسرائيل للورقة السياسية اللبنانية، مع الإشارة إلى أن أي تحرك أمريكي خاطئ قد يؤدي إلى تصعيد جديد أو تقويض ثقة الحلفاء، أو ردود فعل سلبية من اللاعبين الإقليميين. واعتبر أن قدرة الإدارة الأمريكية على ترجمة النفوذ السياسي إلى حلول فعلية مرتبطة بالقدرة على التنسيق بين القوى المختلفة وإدارة التعقيدات العسكرية والسياسية على الأرض، وهو ما يعكس حجم الاختبار الذي يواجهه ترامب شخصيًا.
القوة على الطاولة
ختامًا، أكد برئيل أن كل الأوراق الدبلوماسية والخطط العسكرية والسياسية تتقاطع في البيت الأبيض، حيث تُتخذ القرارات النهائية التي ستحدد مصير الجبهات الأربع، ويظل الغموض سيد الموقف في الوقت الراهن، ما يعكس الدور الحاسم الذي يضطلع به ترامب في فرض خياراته على الأطراف المعنية، وتحديد سقف التحركات الممكنة لكل لاعب، ويضع الإدارة الأمريكية أمام تحدي كبير في إدارة الصراعات الإقليمية، وتحقيق مصالحها الاستراتيجية دون الانزلاق إلى أزمات جديدة أو مفاقمة التوترات القائمة.










