أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن قادة الاتحاد الأوروبي لن يغادروا قمة بروكسل المنعقدة، اليوم الخميس، دون التوصل إلى اتفاق حاسم بشأن تمويل أوكرانيا، في واحدة من أكثر القمم حساسية منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية. وجاء موقف فون دير لاين ليعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن لحظة الحسم قد وصلت، وأن أي تردد إضافي سيُضعف مصداقية الاتحاد وقدرته على العمل كفاعل دولي مستقل.
وقالت فون دير لاين، في تصريحات للإعلاميين قبيل انطلاق القمة، إن «علينا أن نجد حلاً اليوم»، مؤكدة دعمها «التام للمطالب البلجيكية بتقاسم جميع دول الاتحاد المخاطر المرتبطة بقرض إعادة الإعمار»، والذي يستند إلى استخدام الأصول الروسية المجمّدة. ويعكس هذا الموقف محاولة واضحة لسد الثغرات السياسية والقانونية التي عطلت اتخاذ القرار خلال الأشهر الماضية.
أوكرانيا واختبار المصداقية الأوروبية
تُعقد القمة في لحظة دقيقة يواجه فيها الاتحاد الأوروبي اختبارًا حقيقيًا لمصداقيته وقدرته على اتخاذ قرارات صعبة. فبعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف الدعم الأمريكي لأوكرانيا، بات الأوروبيون مطالبين بتوفير الجزء الأكبر من الدعم المالي والعسكري لكييف خلال العامين المقبلين، دون الاعتماد على واشنطن.
وحذّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في وقت سابق من هذا الأسبوع، من تداعيات الفشل، قائلاً إن عدم التحرك سيؤثر «بشدة على قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل لسنوات، وربما لفترة أطول»، في إشارة إلى أن الرهان لا يقتصر على أوكرانيا، بل يمتد إلى مستقبل الاتحاد نفسه.
زيلينسكي يضغط من بروكسل
يتوجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إلى بروكسل في محاولة أخيرة لإقناع القادة الأوروبيين بأهمية اتخاذ قرار سريع وحاسم. وتواجه أوكرانيا، في حال استمرار التعثر، خطر نفاد التمويل بحلول الربع الأول من عام 2026، ما قد ينعكس مباشرة على قدرتها العسكرية والاقتصادية.
ويأتي ذلك في وقت أكد فيه زيلينسكي، الأربعاء، أن روسيا تستعد لعام جديد من الحرب، رغم تسارع وتيرة المحادثات القائمة على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبحسب مسؤول في البيت الأبيض، من المقرر عقد اجتماع بين مبعوثين روس وأمريكيين في نهاية الأسبوع في ميامي، إلا أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا يلوح في الأفق حتى الآن.
خياران.. وخلافات عميقة
أمام قادة الاتحاد الأوروبي خياران رسميان لا ثالث لهما. الأول يتمثل في اقتراض الاتحاد الأوروبي لتمويل دعم أوكرانيا، وهو خيار يواجه تحفظات شديدة من دول عدة، على رأسها ألمانيا، فيما تعارضه المجر بشكل قاطع، ما يجعله شبه مستحيل نظرًا لاحتياجه إلى إجماع كامل.
أما الخيار الثاني، وهو الأكثر دعمًا، فيقوم على استخدام الأصول الروسية المجمّدة، والتي يبلغ معظمها نحو 210 مليارات يورو وتوجد في بلجيكا تحت سيطرة مؤسسة «يوروكلير» المالية في بروكسل. ويمكن لهذه الأصول تمويل قرض «إصلاح» بقيمة 90 مليار يورو لصالح أوكرانيا، وربما أكثر إذا اقتضت الحاجة.
وتؤيد غالبية دول الاتحاد هذا الخيار لاعتبارات سياسية ومالية واضحة، إذ لا يحمّل دافعي الضرائب أي أعباء إضافية، ويؤكد التزام أوروبا بدعم أوكرانيا، كما يبعث برسالة قوية عن استقلالية القرار الأوروبي، في وقت تُعد فيه هذه الأصول محورًا حساسًا في محادثات السلام التي تقودها واشنطن.
لحظة استقلال أوروبا
وصفت أورسولا فون دير لاين، في كلمة أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، استخدام الأصول الروسية بأنه «قادر على تغيير قواعد اللعبة بالنسبة إلى أوروبا وأوكرانيا»، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل «لحظة استقلال أوروبا»، في إشارة إلى تحرر القرار الأوروبي من الهيمنة الأمريكية التقليدية.
لكن هذا المسار لا يخلو من العقبات، إذ تبقى موافقة بلجيكا مسألة محورية. ويؤكد رئيس وزرائها بارت دي ويفر باستمرار أن بلاده لا يمكن أن تتحمل وحدها تبعات أي إجراءات انتقامية قانونية أو مالية قد تقدم عليها موسكو. وقال دي ويفر بوضوح: «إذا قفزنا، نقفز جميعًا معًا»، مطالبًا بضمانات جماعية لتقاسم المخاطر.
مخاوف بلجيكية وضمانات ناقصة
يخشى دي ويفر من ردود فعل روسية قد تكون «دائمة»، ويطالب بحماية قوية لمصالح بلاده، بما في ذلك استثماراتها ومصالحها الاقتصادية داخل روسيا. في المقابل، يرى شركاؤه الأوروبيون أن هذه المطالب مبالغ فيها، وهم مستعدون لتقديم ضمانات محددة لقرض يُمنح لأوكرانيا، لكنهم يرفضون التوقيع على ما وصفه أحد المفاوضين الأوروبيين بـ«شيك على بياض».
وتُناقش حاليًا آليات حماية قانونية ومالية معقدة، على أمل تذليل العقبات قبل انتهاء القمة، بما يسمح بالتوصل إلى اتفاق سياسي جامع.
قرار بالأغلبية الممكنة
نظريًا، يمكن اتخاذ قرار استخدام الأصول الروسية المجمّدة بأغلبية مؤهلة من الدول الأعضاء، حتى من دون موافقة بلجيكا أو المجر، التي تُعد الدولة الأوروبية الأقرب إلى الكرملين. غير أن هذا الخيار، رغم قانونيته، يظل محفوفًا بمخاطر سياسية قد تعمّق الانقسامات داخل الاتحاد.
ورغم كل التعقيدات، شددت فون دير لاين، صباح اليوم، على أن الدول الـ27 «لن تغادر بروكسل من دون حل مالي لأوكرانيا»، وهو موقف عززه مصدر دبلوماسي أوروبي أكد أن «الدعم المالي لأوكرانيا سيُقدّم على أي حال»، في إشارة إلى أن أوروبا باتت أمام لحظة لا تحتمل التراجع.










