20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

2025 في فلسطين (1-2): عام الإبادة المفتوحة وتكريس العلو الإسرائيلي

هذا الملف لا يقدّم سردًا زمنيًا للأحداث فحسب، بل يسعى إلى تفكيك بنية عام 2025 بوصفه عامًا كاشفًا لطبيعة الصراع، ولتحولات الاحتلال، ولمآلات القضية الفلسطينية.

بقلم: عبدالرحمن كمال
٦ يناير ٢٠٢٦
25 دقائق قراءة
58 مشاهدة
حصاد 2025 في فلسطين

حصاد 2025 في فلسطين

لم يكن عام 2025 عامًا عابرًا في التاريخ الفلسطيني، بل شكّل محطة مفصلية في مسار الإبادة المفتوحة التي بدأت في أكتوبر 2023، وتحوّلت مع الوقت إلى مشروع متكامل لإفناء الإنسان والمكان والذاكرة. دخلت فلسطين هذا العام تحت وعود دولية بوقف النار، وخرجت منه وهي تواجه إبادة متعددة الأشكال: عسكرية، وتجويعية، وديموجرافية، واقتصادية، وسياسية، تُمارَس بغطاء أمريكي كامل، وصمت أوروبي انتقائي، وعجز دولي فاضح عن لجم الاحتلال أو محاسبته.

ما جرى في 2025 لم يكن مجرد تصعيد عسكري، بل انتقال نوعي في سلوك الاحتلال، الذي تعامل مع اتفاقات وقف إطلاق النار كأدوات تكتيكية لإعادة التموضع، لا كالتزامات سياسية أو قانونية. فغزة حُوّلت إلى مساحة منكوبة ومنزوعة الحياة، والضفة الغربية دُفعت نحو ضمّ فعلي وتطهير ديموجرافي صامت، بينما تمددت نيران الحرب إلى الإقليم، من لبنان وسوريا إلى إيران واليمن، وصولًا إلى الخليج، في تعبير صارخ عن حالة «العلو الإسرائيلي» غير المسبوقة.

في المقابل، كشف عام 2025 بوضوح زيف الادعاءات الغربية حول «القيم» و«حقوق الإنسان»، إذ واصلت أمريكا لعب دور الشريك الكامل في الإبادة عبر التسليح والفيتو والحماية السياسية، فيما تذبذبت أوروبا بين الخطاب الأخلاقي والمصالح الأمنية وصفقات السلاح. أما النظام الدولي، فبدا عاجزًا عن تحويل الاعترافات الدبلوماسية والبيانات إلى أدوات ضغط حقيقية توقف المجازر وتكسر معادلة الإفلات من العقاب.

هذا الملف لا يقدّم سردًا زمنيًا للأحداث فحسب، بل يسعى إلى تفكيك بنية عام 2025 بوصفه عامًا كاشفًا لطبيعة الصراع، ولتحولات الاحتلال، ولمآلات القضية الفلسطينية. إنه حصاد عامٍ تداخلت فيه الإبادة مع السياسة، والمفاوضات مع القصف، والدبلوماسية مع التجويع، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل كان 2025 ذروة العلو الإسرائيلي، أم مقدمة لانكساره؟

ولا يقف هذا الملف عند حدود التشخيص والرصد، بل يتجاوزهما إلى محاولة استشراف ما بعد 2025، انطلاقًا من معادلات القوة التي تشكّلت خلاله. فالمشهد الفلسطيني يدخل عامه التالي محمّلًا باحتمالات متناقضة: بين سعي الاحتلال إلى تثبيت نتائج الإبادة عبر الضمّ والتجويع وإدارة الصراع بالنار، وبين محاولات دولية وعربية مترددة لإعادة إحياء مسار سياسي بات مفرغًا من مضمونه. كما يفتح العام الجديد أسئلة كبرى حول مستقبل غزة بين إعادة الإعمار أو إعادة الإبادة، ومستقبل الضفة بين الانفجار أو الاحتواء القسري، ومستقبل الإقليم الذي بات الصراع الفلسطيني فيه شرارة دائمة لحروب أوسع. وفي هذا السياق، يتعامل الملف مع المستقبل لا بوصفه تنبؤًا، بل كسلسلة سيناريوهات مشروطة بموازين القوة، وبمدى قدرة الفلسطينيين وحلفائهم على كسر معادلة الإفلات الإسرائيلي من العقاب، أو على الأقل تعطيل استمرارها.

عام الإبادة متعددة الأشكال رغم اتفاقات وقف النار

دخلت فلسطين العام 2025 وهي مثقلة بإبادة بدأت في أكتوبر 2023، ومحملة بآمال أن ينجح المجتمع الدولي في إجبار الاحتلال على وقف جرائم الحرب التي يشنها. للوهلة الأولى، بدا أن تلك الآمال ستتحول إلى واقع ملموس. فلم يكد يمر 20 يوما من العام 2025، إلا وجرى الإعلان عن وقف إطلاق النار. ففي 19 يناير 2025، وصلت الوساطة الدولية إلى إعلان وقف إطلاق نار شامل من ثلاثة مراحل، ينصّ على انسحاب كامل لقوات الاحتلال من غزة. لكن سرعان ما تبددت الآمال وعادت الإبادة بوتيرة أشد وأشكال أكثر تعددا.

ففي 18 مارس 2025، انتهت الهدنة عملياً بهجوم إسرائيلي جوي كثيف استهدف أنحاء عدة من القطاع. انتقلت الإبادة من الشكل العسكري إلى نمط آخر أشد فتكا: التجويع. جاعت غزة حد الموت، وظهرت مجازر المساعدات، بعدما افتضح الدور الخفي لمؤسسة غزة الإنسانية، التي أراد ترامب أن يجعلها تحل محل منظمات الإغاثة الأممية وفي مقدمتها "الأونروا"، نزولا على رغبة نتنياهو. كما شهدت تلك الفترة إعلان الاحتلال الحرب على أبراج مدينة غزة، التي دفعت مئات آلاف الناس للنزوح جنوبا تحت حمم القصف الجوي والمدفعي.

عام الإبادة.jpeg

 

بحلول أبريل، استؤنفت المفاوضات عبر الوسطاء (مصر وقطر)، حيث عرضت حماس صفقة مبادلة شاملة (إطلاق جميع الأسرى مقابل هدنة لخمس سنوات). رفضت الحكومة الإسرائيلية هذا العرض وأقرت تنفيذ خطة عسكرية جديدة في مايو حملت اسم «عملية عربات جدعون» للاستيلاء الكامل على مدينة غزة. وفي سبتمبر، شنت إسرائيل حملة عسكرية مكثفة على مدينة غزة، ضمن خطة أطلقت عليها «عملية عربات جدعون 2»، مع تدمير واسع للبنى التحتية وتهجير مدني كبير نحو جنوب القطاع. تزامن ذلك مع جهود دبلوماسية أميركية أسفرت عن إطلاق خطة سلام مؤلفة من 20 بنداً.

وفي أكتوبر، دخلت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (قمة شرم الشيخ)، إلا أن إسرائيل استمرت في خروقات الهدنة وعرقلت الانتقال للمرحلة الثانية. ليتبنى مجلس الأمن قراراً (رقم 2803) في نوفمبر، يقضي بدعم الخطوات الرامية لوقف الحرب على غزة، لكن الخروقات الإسرائيلية لم تأبه بالقرار، ولا تزال الإبادة متواصلة.

إن الاحتلال لا يتوانى عن عرقلة أي محاولات لبدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة الذي تم توقيعه في شرم الشيخ، برعاية ترامب ووساطة مصر وقطر وتركيا. فتارة يتذرع الاحتلال بسلاح المقاومة الفلسطينية، الذي يعلم القاصي والداني أن تسليمه درب من المستحيل. ومنذ توقيع الاتفاق، لم يفعل الاحتلال شيئا سوى خرق الاتفاق والانقلاب على ما تم الاتفاق عليه، سواء فيما يخص المساعدات وفتح المعابر، او الانسحاب من قطاع غزة.

قطاع غزة.. منطقة منكوبة ومنزوعة الحياة

عاش قطاع غزة خلال العام 2025 أوضاعا كارثية بشرية ومادية. وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء، بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023 أكثر من 72 ألف شهيد (98% منهم في غزة). وحدها غزة سجلت نحو 70,942 شهيداً بنهاية 2025 (منهم 18,592 طفلاً و12,400 امرأة)، مع حوالي 11 ألف مفقود وعشرات آلاف الجرحى. نزح نحو 2 مليون فلسطيني قسراً (من أصل 2.2 مليون قبل الحرب) وتركت ملايين العائلات بلا مأوى. تزامن ذلك مع انخفاض سكاني حاد (هبوط 10.6% بعد عامين فقط؛ أي فقدان نحو 254 ألف نسمة) نتيجة القتل والتهجير. وقد أسهم هذا كله في تحويل غزة إلى أزمة إنسانية هي الأسوأ في تاريخها الحديث، تكاد تنبذ فكرة البقاء أو التعافي ما لم تتغيّر المعادلة السياسية-الأمنية جذرياً.

في المجال الاقتصادي، سجّل القطاع انهياراً شاملاً: البطالة تجاوزت 77%، والناتج المحلي تراجع بنسبة 84% مقارنة بالعام 2023، وواصل انكماشه خلال عام 2025 بنسبة إضافية بلغت 8.7% مقارنة بعام 2024. وتم تدمير 99% من قطاع الإنشاءات و94% من الصناعة. وصعوبة الإمداد بقيت جلية؛ إذ دخل غزة قرابة 157 شاحنة يومياً (نحو 30% من حاجاته) مقابل 500–600 قبل الحرب، وهو ما أبقى أسعار السلع ترتفع جنونياً (مستويات تضخم فوق 150%). حتى الدعوات إلى إعادة إعمار القطاع لم تجد تمويلاً حقيقياً، فالأمم المتحدة وحكومات دولية قدرت متطلبات إعادة البناء بأكثر من 70 مليار دولار ومهلة عقود. معالم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في غزة خلال 2025 لا تشي إلا بأن القطاع قد بات منزوع الحياة تقريباً بانتظار حل سياسي جذري (فتح المعابر وتمويل دولي)، وإلا فإن أفول القطاع أمام طبيعة السياسات الإجرامية الإسرائيلية سيستمر بلا أفق.

الضفة الغربية: استيطان وحصار وتغيّرات ديموجرافية

بالتوازي لما حدث في غزة، شهدت الضفة الغربية خلال 2025 تصعيداً أمنياً واستيطانياً واسعاً وصارماً شكّل نقلة نوعية في وضع السكان والواقع المعيشي.

توسع استيطاني وانتهاكات متصاعدة

تحت حكومة إسرائيلية يهيمن عليها اليمين المتطرف، تحوّل الاستيطان إلى سياسة «ضمّ فعلي» معلن. فقد أُقيم في 2025 نحو 84 بؤرة استيطانية جديدة (رقم قياسي يفوق 56 في 2024)، فيما أعلن وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش عن شرعنة 69 بؤرة أخرى في عام واحد – وهو رقم قياسي يُظهر رغبة الاحتلال في «حسم الصراع ميدانياً».

كما أصدرت السلطات الإسرائيلية (بأوامر عسكرية) 95 قراراً لنهب الأراضي الفلسطينية، لمصلحة شق طرق استيطانية استراتيجية (مثلاً طريق بعرض 22 كلم في الأغوار الشمالية). وقد صودرت 5,500 دونم تقريباً من أراضي المزارعين لتنفيذ هذه المشاريع الاستيطانية.

كذلك، كان هناك 170 مخططًا هيكليًا في مستوطنات الضفة الغربية في عام 2025، أهمها وأخطرها مخططان ضمن مشروع E1، بنحو 3400 وحدة استيطانية، وهذا يُعد تجاوزًا لخطوط كانت تبدو في السابق أنها حمراء، لكن دولة الاحتلال تجاوزتها في عام 2025. إن مراحل التخطيط والبناء، التي كانت تستغرق سنوات وتمر بـ 17 مرحلة، جرى اختزالها إلى مرحلتين أو ثلاث فقط، ليصبح المشروع يمر في أسابيع أو أشهر بدلًا من سنوات.

الضفة الغربية استيطان وحصار.jpeg

 

رافق التوسع الاستيطاني زيادة الهجمات على الفلسطينيين. سجلت هيئات المراقبة استشهاد 16 فلسطينياً نتيجة اعتداءات المستوطنين خلال العام، بينما أعلن جيش الاحتلال أنه قتل 230 فلسطينياً في عمليات أمنية بالضفة (مُبرراً ذلك بانتمائهم لكتائب المقاومة) واعتقل نحو 7,400 آخرين. كما صادر جيش الاحتلال (إلى جانب الأسلحة) نحو 16.5 مليون شيكل يزعم أنها أموال إرهاب، ودمر 30 منزلاً بحجج أمنية.

وفي سياق أوسع، أدّى التصعيد إلى هدم أكثر من 1,000 منشأة فلسطينية خلال 2025 (إجمالاً نحو 3,500 منذ أكتوبر 2023)، فضلاً عن عمليات هدم المنازل التي تستهدف عائلات الشهداء والمعتقلين.

التهجير القسري وتغيير التركيبة الديموجرافية

دفعت السياسات الإسرائيلية بتعميق الطابع العسكري والديموجرافي للاحتلال. إذ أفادت تقارير حقوقية أن عام 2025 شهد تهجيراً قسرياً لاثنين وعشرين تجمعاً بدوياً فلسطينيّاً (مجموع السكان المهجّرين نحو 3,600 شخص) من مناطق مثل عرب الكعابنة في الخان الأحمر ووادي القلط. تأتي هذه الخطوات ضمن «تطهير عرقي صامت» تستهدف قلب الضفة وسكانها الأصليين.

نتيجة كل ذلك، تعيد مؤسسات إسرائيلية رسم خارطة الضفة: ضمّ لطرقات وشبكات مياه وكهرباء وربط مستوطنات جديدة بل حلقات حول القدس (مشروع E1)، بما يعمّق السيطرة الأمنية ويفكك الترابط المكاني للمدن والقرى الفلسطينية.

إن هذه البيانات تعكس تحولاً استراتيجياً في الضفة الغربية: إذ تؤكد أنه لم يعد الموضوع استيطاناً فرعياً تقليدياً، بل خطة شاملة لضم الأراضي وتغيير الواقع الديموجرافي بالقوة. فشلت الجهود الأيديولوجية أو الوجودية لحل الدولتين بسبب هذه الممارسات، التي أدت إلى ضم الضفة واقعياً رغم عدم وجود إعلان رسمي.

وفي هذا الإطار، حذّر مراقبون أن الضفة باتت «مواجهة استيطان سريع» يهدد وجود السكان الفلسطينيين، وأن مآلات القضية ترتبط الآن بمدى قدرة المجتمع الدولي على وضع حد لهذه العملية، في ظل حالة العجز وانعدام الثقة في السلطة الفلسطينية.

انعكاسات الصراع على المشهد الإقليمي

كان العام 2025 لحظة فارقة في امتداد تداعيات حرب الإبادة الإشرائيلية على فلسطين إلى محيطها الإقليمي. وأشارت معطيات نشرها جيش الاحتلال الإسرائيلي، في تلخيصه لعام 2025، إلى تنفيذه نحو 20,900 غارة خلال العام 2025 على ما وصفها بأنها أهداف على الجبهات المختلفة، إضافة إلى تنفيذه نحو 430 عملية عسكرية على مختلف الجبهات، شملت قطاع غزة، والضفة الغربية المحتلة، ولبنان، وسوريا، وإيران، واليمن، بذريعة "حماية أمن سكان إسرائيل".

جاء الانعكاس الأبرز للحرب الإسرائيلية على غزة في حرب الـ 12 يوما التي اندلعت بين الاحتلال وإيران. فقد صعد الصراع إلى مستوى النيران العابرة للجغرافيا، حين أعلن الاحتلال شنّ «عملية الأسد الصاعد» على أهداف داخل إيران في يونيو 2025. في المقابل، ردّت إيران بإطلاق حوالي 500 صاروخ باليستي على الأراضي الإسرائيلية. وفي 22 يونيو، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ غارات مكثفة بالتنسيق الكامل مع إسرائيل استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، حيث شاركت فيها قاذفات بي-2.

ولم تكن جبهة إيران هي الوحيدة التي تمثل ارتدادا للحرب الإسرائيلية على غزة. ففي مارس 2025، انخرطت الولايات المتحدة وبريطانيا، ومن خلفهم إسرائيل، في عدوان غاشم على اليمن، بعد حملة الإسناد القوية التي أطلقتها جماعة أنصار الله اليمنية نصرة لغزة، وكبدت الولايات المتحدة والاحتلال خسائر اقتصادية فادحة، بالإضافة إلى خسائر البنية التحتية والأرواح في إسرائيل جراء إطلاق صواريخ ومسيرات يمنية.

انعكاسات الصراع.jpeg

 

وفي لبنان، ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النارفي 27 نوفمبر 2024، كثف الاحتلال عدوانه ضد مواقع يُزعم أنها لحزب الله. ولا يزال هناك قلق من اندلاع مواجهة مفتوحة بين الجيش اللبناني وحزب الله من جهة، والاحتلال من جهة أخرى، إن حاولت إسرائيل توسيع عملياتها.

وفي سوريا، وصلت الغارات الإسرائيلية إلى داخل العمق السوري، بينما استهدف سلاح الجو بعض مطارات النظام السوري بذريعة منع نقل أسلحة إلى حزب الله. كما دخلت إسرائيل على خط الفتنة بين المكونات السورية، مستعينة بعلاقاتها بالشيخ الدرزي حكمت الهاجري.

ولا ننسى بالطبع العدوان الإسرائيلي على الدوحة في 9 سبتمبر، عندما استهدفت الغارات الإسرائيلية منطقة كتارا التي يقع فيها المقر الذي يقيم فيه أعضاء وفد حركة حماس المفاوض في الدوحة. وقد أطلقت إسرائيل على العملية اسم عملية قمة النار. ويُعدّ الهجوم الإسرائيلي هو الأول لإسرائيل في دولة عربية في الخليج العربي وثاني هجوم تتعرَّض له الأراضي القطرية خلال فترة وجيزة بعد الهجوم الإيراني على قطر في يونيو 2025.

إن اتساع رقعة القتال بهذا الشكل جعل الصراع جزءاً من ديناميكية أوسع في الشرق الأوسط. وحذّر كبار القادة العرب والأوروبيين من خطر انهيار كامل للهدنة واندلاع مواجهة شاملة في حال تجدد القتال، مهددين بتوابع أمنية للمنطقة بأسرها.

الموقف العربي ومستقبل القضية الفلسطينية

احتلت القضية الفلسطينية أولوية مفاوضات وبيانات غير معهودة منذ سنوات. وبدعم وتخطيط سعودي، انعقد مؤتمر الأمم المتحدة عالي المستوى (نيويورك، سبتمبر 2025) من أجل سلام شامل، أسفر عن إعلان نيويورك الذي حظي بتأييد 142 دولة. شدّد الإعلان على حل الدولتين وضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود 4 يونيو 1967، واعتبر القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية.

كما عقدت في 4 مارس 2025 قمة استثنائية بالقاهرة بمشاركة زعماء دول عربية وإسلامية لمواجهة التطورات الأخيرة. أعلنت القمة تأكيد التزامها بمبادرة السلام العربية (2002) وحل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية. وحذر البيان العربي من أي مشروع تهجير للفلسطينيين أو تغيير ديموجرافي للأرض، معتبرين ذلك جريمة تطهير عرقي. كما أدانت القرارات الإسرائيلية بوقف المساعدات وحصار غزة، واعتبرت انتهاكاً لاتفاقية جنيف ولقرارات الأمم المتحدة.

الموقف العربي.jpeg

 

بدورها، قدّمت مصر مشروعاً عربياً شاملاً لإعمار غزة دون تهجير سكانها، ودعت القادة العرب إلى تعبئة الدعم الإقليمي والدولي له، بما يضمن بقاء الفلسطينيين في أرضهم دون نزوح. كذلك جدّد الزعماء تضامنهم مع سكان الضفة، رافضين بشدة اعتداءات الجيش والمستوطنين والاعتداء على الأقصى. وتوافق العرب على المضي قدماً في خطوات دعم السلطة الفلسطينية سياسياً ومالياً، خاصة بعد اتخاذ السلطة إجراءات إصلاحية ملحوظة مثل وقف مخصصات الأسرى وتعهّد عباس بإجراء انتخابات، مع الحث على محاربة الفساد الداخلي وبناء مؤسسات ديمقراطية أكثر كفاءة.

ورغم هذه المكاسب الدبلوماسية، لا يزال التحدي قائماً: فالمعطيات على الأرض، وحجم الدعم الدولي الجديد تضع القضية الفلسطينية عند مفترق طرق بين مسارين؛ الأول يعتمد على الضغط المتزايد على إسرائيل لوقف الاحتلال وتقديم تنازلات (دولياً وإقليمياً)، والثاني يواجه حراكاً إسرائيلياً أحادي الجانب يفرض وقائع جديدة (استيطان وضمّ غير معلن). مآلات القضية مرهونة بنجاح الموقف الدولي والعربي في تحويل خطاب الالتزام إلى خطوات عملية، وتضافر الجهود الفلسطينية الداخلية (مصالحة وطنية، بناء سلطوية، حشد رأي عام عالمي) لمنع تصفية القضية.

الموقف الدولي: دعم غربي للإبادة

شهد 2025 اتساع الاعتراف الدولي بفلسطين، فقد أعلنت ثماني دول (منها أستراليا وبلجيكا وكندا والمملكة المتحدة وفرنسا) اعترافها بدولة فلسطين خلال العام. ودعت المخرجات الدولية إلى وقف فوري للاستيطان ووضع خريطة طريق قابلة للتنفيذ (مبادلة الأسرى، ضمان وصول مساعدات إنسانية، انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة). كما تضمنت نصوصاً تشديداً على الحاجة إلى نزع سلاح «حماس» وانتقال الأمن في غزة للسلطة الفلسطينية بدعم دولي، وكأن النظام الدولي يطالب بتحوّل كامل في معادلة الحكم في غزة.

رغم المكاسب الدبلوماسية، إلا أن الموقف الدولي والغربي كان متناقضا بشكل فج خلال العام 2025. ويمكن أن نستثني الولايات المتحدة من هذا التناقض، إذ أنها من اللحظة الأولى أعلنت تبنيها للموقف الإسرائيلي، ودعمت الإبادة بكل ما أوتيت من قوة وسلاح وحصانة و"فيتو".

فخلال 2025، واصلت واشنطن دعمها العسكري والدبلوماسي المفتوح لإسرائيل. فهي المزود الأول للسلاح لإسرائيل، إذ واصلت ضخ مئات القنابل والصواريخ وعربات القتال إلى جيشها طوال 2024–2025. كما استخدمت حق النقض (الفيتو) بشكل متكرر لحماية إسرائيل من قرارات دولية تدينها أو تطالب بوقف إطلاق النار. ففي سبتمبر 2025 استخدمت الولايات المتحدة فيتوها السادس في مجلس الأمن لصد مشروع قرار كانت جميع الأعضاء العشرة الآخرين قد دعموه لإنهاء الحرب فورًا ورفع القيود عن المساعدات الإنسانية في غزة. وكرّر المندوب الأمريكي حجّة إسرائيل بأن “حماس هي المسؤولة عن بدء الحرب واستمرارها”، مشيرًا إلى أن إسرائيل قبلت شروطًا لإنهائها وأن الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين فقط هو العائق الرئيسي. ورغم الإفراج عن هرلاء الأسرى (باستثناء جثمان جندي واحد) والتزام حماس بكافة بنود اتفاق وقف إطلاق النار الموقع عليه في شرم الشيخ، إلا ان الولايات المتحدة لا تزال تسير خلف نتنياهو بخضوع وانصياع تام، رغم انتهاك نتنياهو لبنود الخطة الأمريكية نفسها.

الموقف الدولي.jpeg

 

أما عن الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية، فقد تباينت مواقف أوروبا بين الدعوة إلى احترام القانون الدولي وبين الحفاظ على العلاقات الأمنية مع إسرائيل.

واستمرت الحكومات الأوروبية في صفقات السلاح مع إسرائيل. فقد أعلنت الحكومة الألمانية، أنها ستلغي القيود التي كانت مفروضة على صادرات المعدات العسكرية إلى إسرائيل، بداية من 24 نوفمبر. كما صادق البرلمان الألماني "البوندستاج" على توسيع صفقة شراء منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية "حيتس 3"، بتكلفة إضافية تُقدَّر بنحو 3.1 مليارات دولار، لترتفع القيمة الإجمالية للصفقة إلى أكثر من 6.7 مليارات دولار، ما يجعلها أكبر صفقة تصدير أمني في تاريخ "إسرائيل".

سيناريوهات المستقبل: هل يتوقف الإجرام الإسرائيلي؟

إن ما شهده العام 2025، يمكن تلخيصه في جملة واحدة: "عام العلو الإسرائيلي". ذلك أن الاحتلال خلال العام المنصرم، بات يشعر بقدرته على العدوان على أي طرف في المنطقة. ففي فترة وجيزة، شن الاحتلال عدوانات متزامنة على كل من فلسطين (غزة والضفة) ولبنان وسوريا وإيران واليمن وحتى قطر. لم يشعر الاحتلال مطلقا بحريته في شن العدوان حيثما أراد ووقتما شاء، مثلما كان في 2025.

من هنا، يكون السؤال الرئيس عند محاولة استشراف المستقبل في 2026 هو: هل يمكن أن نصل إلى اللحظة التي تُقيد فيها يد الاحتلال؟ أم أن العام الجديد سيشهد مزيدا من الاستباحة بشكل يضيف دولا جديدة إلى قائمة ضحايا العدوان الإسرائيلي؟ بنظرة خاطفة على ما جرى خلال أول 3 أيام في العام الجديد (عدوان أمريكي على فنزويلا واختطاف رئيسها الشرعي)، يجعلنا نميل إلى التوقع الثاني، في ظل تهديدات ترامب ضد إيران وحماس وحزب الله.

قطاع غزة

وفيما يخص سيناريوهات المستقبل المحتملة في قطاع غزة، يمكن الحديث عن أكثر من جانب من احتمالات المستقبل. الجانب الأول يختص بالأوضاع السياسية -إن جاز التعبير- في غزة. وهنا سنجد أنفسنا أمام سيناريوهين محتملين.

ينطلق السيناريو الأول من القدرة على تثبيت اتفاق وقف النار والمضي قدما في جهود إعادة الإعمار. ورغم صعوبة ذلك السيناريو، إلا أنه قد يتحقق بفعل الضغوط الدولية لاستبدال إدارة حماس في غزة بآلية مدنية خاضعة لسلطة رام الله أو لإشراف دولي مشترك. ويتوقع المراقبون مشاركة السلطة الفلسطينية تدريجيًا في إدارة غزة (مثلاً من خلال نشر قوة شرطية فلسطينية تحت مظلّة دولية). وفي هذا المسار، قد تعيد حكومة الاحتلال ترتيب الأمور الإدارية إما عبر تسويات مؤقتة أو عبر تجزئة قطاع غزة إلى مناطق نفوذ متعددة، لكن حتى هذه الجهود تبقى محل شك، سواء على صعيد التنفيذ أو على النتيجة.

أما السيناريو الثاني -وهو الأقرب- هو فشل خطة ترامب، وهو ما يريده نتنياهو الذي يشعر بالندم على قبوله الخطة ويرغب في العودة إلى استئناف الحرب، وفقا لمسؤولين أمريكيين. في هذا السيناريو، ستتواصل الإبادة الإسرائيلية ضد القطاع، سواء بالقصف أو الحصار والتجويع، في ظل العجز الدولي والعربي والإسلامي عن التصدي لإجرام نتنياهو وداعمه الأمريكي. وحتى التعويل على رحيل نتنياهو عبر الانتخابات، يبدو أمرا صعب الحصول، في ظل إصرار ترامب على إصدار عفو عن نتنياهو، وهيمنة التطرف على المجتمع الإسرائيلي، وهو ما ازداد بفعل حرية الحركة التي مُنحت للاحتلال خلال العام المنصرم.

نفس الأمر ينطبق على الجانب الاقتصادي، ففي مسار السلام المحتمل، ستشرع جهود ضخمة لإعادة إعمار القطاع، يستلزم ذلك فتح المعابر وعودة المنح الدولية بكثافة. عندها يمكن تحسين البنية التحتية تدريجيًا (كهرباء مياه وموانئ)، ما يخفف من حدة الأزمة الاقتصادية ويفتح بعض فرص العمل. في المقابل، في سيناريو التصعيد المستمر، ستستمر غزة في الانسداد الاقتصادي: يبقى الحصار مشدّدًا، وتستنزف مدن القطاع مواردها بسرعة نتيجة الدمار. في هذا الحالة، تزيد معدلات البطالة والفقر والجوع، وربما تضطر مصر أو الجهات الدولية لتقديم مساعدات طارئة مستمرة لتفادي المجاعة.

وفي الجانب الاجتماعي، إذا تم التوصل لاتفاق مستدام، قد تبدأ الحياة المدنية في الظهور من جديد ببطء؛ تعود بعض العائلات لأماكنها، وتتكاثر المشاريع الصغيرة المدعومة إغاثيًا. لكن مع مرور الوقت تبقى معاناة السكان، والأجيال الجديدة تحمل حاجات متراكمة (ترى الأنقاض والدعم). أما في سياق الحرب المفتوحة المستمرة أو استئنافها، فسينتشر اليأس الاجتماعي والضغط النفسي الحاد. كما أن تقلص فرص الزواج والعمل داخل القطاع يزيد من انفراط النسيج الأسري، ويعزز دور المنظمات الإغاثية كنقطة ارتكاز أساسية للبقاء.

وفي السياق الأمني، في حال وقف إطلاق نار دائم، قد تنشأ قوة أمنية فلسطينية محدودة الانتشار تحت إشراف دولي أو فلسطيني (وفق خطة «السلام الشامل» التي تضمنت تدريبات نحو 12 ألف ضابط شرطة غزي)، تتولى حفظ الاستقرار الداخلي في غزة. إلا أن أي خرق للهدنة المحتملة أو هجوم عسكري قد يعيد بسرعة التفجير. فالاحتلال الذي اعتاد على حرية الحركة وخرق الاتفاقات، قد يقوم بعمليات عسكرية مركزة ضد الأجنحة المسلحة لتصفية قواعد المقاومة، أو لفرض حدود جديدة في غزة كما صرح رئيس الأركان زامير. ولا نغفل بالطبع دور الميليشيات المدعومة من الاحتلال التي ربما يكون لها دور مستقبلي في خدمة أهداف الاحتلال، سواء بفرض اتهجير وإخلاء أكثر من نصف القطاع، أو محاولة استهداف المقاومة.

الضفة الغربية

أما في الضفة الغربية، فيمكن الحديث عن سيناريوهين محتملين في كل جانب أيضا. سياسيًا، يُحتمل أن تُواصل الحكومة الإسرائيلية إجراءات «الضم التدريجي» للضفة عبر توسيع المستوطنات وتطبيق القوانين المدنية على مناطق كبيرة (خارج السيطرة الفلسطينية). هذا السيناريو سيقلص نفوذ السلطة الفلسطينية ويؤجج غضب الشارع. قد ترد السلطة بمحاولة عقد حوارات داخلية أو إجرائها انتخابات عامة (رغم رفض إسرائيل لها)، لتعزيز شرعيتها كبديل عن حماس. أما السيناريو المعاكس، فهو تصاعد المواجهات الشعبية الفلسطينية نتيجة تغييب المقومات الوطنية، ما قد يؤدي إلى موجة احتجاجات أو انتفاضة جديدة، ترد عليها إسرائيل بتكثيف القمع والاعتقالات، ويرجح في هذا المسار زيادة عزلة الاحتلال دوليًا.

وعلى الجانب الاقتصادي، في مسار الاستقرار الأمني الخفيف، قد يلعب مانحون دوليون دورا في تحريك بعض مشاريع التنمية الاقتصادية في الضفة لتجنب انفجار اجتماعي. ولكن إذا استمر الضغط الأمني، ستبقى الحركة الاقتصادية محاصرة، مع انخفاض الاستثمار والسياحة، وارتفاع الديون العامة بسبب تراجع الإيرادات الضريبية الفلسطينية. إن استمرار التجريف الإنساني (هدم منازل واعتقالات) سيعني في المحصلة أن الاقتصاد الفلسطيني يعيش حالة «ركود طويل الأمد»، ما يفاقم البطالة ويزيد الاعتماد على الرواتب المقطوعة أو التحويلات الخارجية.

اجتماعيًا، قد تستمر حالة الاحتقان في الشارع الفلسطيني نتيجة قتل أبرياء واعتقال ناشطين، مما يغذي حالة من اليأس والضغوط النفسية. المشهد المجتمعي سينقسم بين من يدعم الحق في المقاومة المستمرة، ومن يدعو من أجل السلام أو تفاوض السلطة. في سيناريو الهدوء النسبي، يمكن أن تعود مظاهر الحياة الروتينية إلى بعض مناطق الضفة، لكن المؤسسات تظل هشة إن استمرت سياسة العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين.

اما من الجانب الأمني، ففي الأمد المنظور، ستستمر إسرائيل في فرض «معايير أمنية مشددة» تشمل حواجز دائمة وحملات دهم يومية (كما حدث في جنين ونابلس)، وهي سياسة تهدف لكسر بنية المقاومة المسلحة. بالمقابل، قد تنشط فصائل المقاومة بتنسيق عمليات نوعية (كمثل عمليات الطعن أو إطلاق النار ضد أهداف عسكرية) كردّ على الاغتيالات، ما يزيد العنف منخفض الشدة في المنطقة. بطبيعة الحال، الاستقرار الكامل سيبقى بعيد المدى ما دامت الحالة السياسية متوتّرة، وأي محاولة مدنية فلسطينية لإعادة بناء اقتصادية ستلاقي عراقيل أمنية تدور في حلقة مفرغة.

المشهد الإقليمي

في سيناريوهات المشهد الإقليمي المحتملة، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو اشتعال الوضع في بعض الجبهات، خاصة إيران ولبنان واليمن. ويمكن القول إن ما حدث في فنزويلا من عدوان أمريكي واختطاف الرئيس الشرعي نيكولاس مادورو، ربما يؤشر على تكرار النموذج -ولو بشكل مغاير- في دول معينة، ذكرها ترامب مرارا بالاسم، وفي مقدمتها إيران.

كما ترتبط آفاق المنطقة بتحوّلات محتملة على جبهتي الصراع والتطبيع. ويمكن الحديث هنا عنسيناروهين أيضا، الأول يقتضي أن يسعى المجتمع الدولي (بما في ذلك مصر والأردن والسعودية والإمارات وقطر) إلى دعم وقف النار وتحريك قضية إعادة إعمار غزة والدفع لحل الدولتين. غير ان فرص هذا السيناريو تبدو ضعيفة، في ظل تواجد نتنياهو على رأس الحكومة الإسرائيلية.

أما السيناريو الآخر، فهو تعثّر الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، في ظل حرص الاحتلال على عرقلة الانتقال إليها. في هذه الحالة، قد تزاد الخلافات بين إسرائيل وجيرانها العرب، وتبقى مسألة إيران واليمن ولبنان أكثر أولوية مما تبدو عليه حاليًا. احتمال تصعيد الصراع الإقليمي (مثل عمل إيراني انتقامي أو تجدد المعارك بين إسرائيل وحزب الله) لن يُستبعد، خصوصًا إذا تحقّق سيناريو «انقسام دولي» على استمرار الحرب.

عبدالرحمن كمال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال