4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

تركيا في 2025: تثبيت الداخل وتوسيع النفوذ في إقليم مضطرب

كان عام 2025 محطة مهمة في مسار تركيا، إذ شهدت البلاد مزيجاً من التحولات الإقليمية الحادة مع إعادة تموضع سياسي ودبلوماسي ملموس

بقلم: شيماء مصطفى
٧ يناير ٢٠٢٦
26 دقائق قراءة
26 مشاهدة
تركيا في 2025: تثبيت الداخل وتوسيع النفوذ في إقليم مضطرب

تركيا في 2025: تثبيت الداخل وتوسيع النفوذ في إقليم مضطرب

كان عام 2025 محطة مهمة في مسار تركيا، إذ شهدت البلاد مزيجاً من التحولات الإقليمية الحادة مع إعادة تموضع سياسي ودبلوماسي ملموس، تزامناً مع اختبار صعب للاقتصاد الوطني ومشهد داخلي اتسم بالحراك والتنافس. ففي الوقت الذي عززت فيه أنقرة حضورها كلاعب رئيسي في معادلات الشرق الأوسط وشرق المتوسط، واجهت البلاد تحديات اقتصادية وضغوطاً سياسية داخلية أعادت طرح أسئلة الاستقرار والإصلاح وإدارة التوازنات.

وفي الملف أدناه، الذي أعده "180 تحقيقات تجدون حصاد تركيا في عام 2025، وأبرز التطورات التي أعادت تشكيل موقع البلاد على خريطة الإقليم والعالم، من التحولات في السياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية، إلى موقع تركيا في معادلات الشرق الأوسط، مروراً بأداء الاقتصاد التركي ومؤشرات التعافي والتحدي، وصولاً إلى المشهد السياسي الداخلي وما شهده من اصطفافات وتحولات. ويختتم الملف بقراءة استشرافية لملامح عام 2026، في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة، والرهانات الاقتصادية، ومسارات الاستقرار السياسي ودور تركيا في الإقليم.

ويبرز الملف مجموعة من المعالم الرئيسة لعام 2025، من أرقام قياسية في الاقتصاد التركي، وصادرات ومبادرات محلية مهمة، إلى دور محوري لتركيا في إدارة الأزمات الإقليمية في سوريا وغزة، ونشاط دبلوماسي واسع النطاق شمل القمم الدولية والزيارات الثنائية مع قادة العالم، فضلاً عن حراك سياسي داخلي ملحوظ على صعيد الانتخابات الحزبية والإصلاحات المحلية ومكافحة الإرهاب، مما يجعل عام 2025 عاماً مفصلياً في مسيرة تركيا نحو 2026.

حصاد الاقتصاد التركي في 2025

شهد الاقتصاد التركي خلال عام 2025 تفاعلات مركبة بين مؤشرات نمو لافتة في قطاعات التصدير والصناعة والدفاع والتكنولوجيا، وبين تحديات داخلية فرضتها تقلبات المناخ والكوارث الطبيعية، إلى جانب سياسات اجتماعية وإسكانية واسعة النطاق.

صادرات تركيا والتموضع الاقتصادي الدولي

  • بلغت صادرات السلع والخدمات من تركيا في عام 2025 مستوى قياسياً غير مسبوق وصل إلى 396 مليار دولار
  • تركيا أصبحت رابع أكبر مركز إنتاج في أوروبا والثاني عشر عالمياً
  • في مجال السيارات، تنتج تركيا سنوياً نحو 1.5 مليون مركبة، فيما تجاوزت صادرات السيارات 41 مليار دولار
  • صادرات الصناعات الدفاعية التركية ارتفعت أربعين ضعفاً، من 248 مليون دولار عام 2002 إلى 9.87 مليارات دولار في 2025
  • أصبحت تركيا خامس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، مع وصول حجم التبادل التجاري إلى 232.7 مليار دولار، وارتفاع الصادرات التركية إلى الاتحاد إلى 117 مليار دولار
  • توزعت صادرات تركيا في 2025 على 73.7 مليار دولار مع دول منظمة التعاون الإسلامي، و11 مليار دولار مع الدول التركية، و5.6 مليارات دولار مع دول البلقان غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ونحو 19.2 مليار دولار مع الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

تعكس هذه الأرقام انتقال الاقتصاد التركي من مرحلة التعافي إلى مرحلة إعادة التموضع الدولي، حيث يشير بلوغ الصادرات 396 مليار دولار إلى نجاح استراتيجية تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على الطلب الأوروبي وحده.

 كما أن الارتفاع الكبير في صادرات الصناعات الدفاعية لا يمثل فقط عائداً مالياً، بل يعكس تحوّل هذا القطاع إلى أداة نفوذ جيوسياسي، تربط الاقتصاد بالسياسة الخارجية.

وفي المقابل، يكشف اعتماد جزء كبير من النمو على الصادرات عن حساسية الاقتصاد التركي تجاه التقلبات العالمية، ما يجعل الاستقرار المالي واستدامة الطلب الخارجي تحدياً دائماً.

التضخم والسياسات النقدية

  • سجلت معدلات التضخم انخفاضاً ملحوظاً، حيث تراجع التضخم السنوي إلى 31.07 بالمئة في نوفمبر 2025

  • يُعد هذا المستوى الأدنى منذ أربع سنوات مقارنة بـ44.38 بالمئة في نهاية 2024
  • يعكس هذا التراجع تحسناً تجاوز 44 نقطة مئوية منذ مايو 2024

التكنولوجيا والفضاء والاتصالات

  • دشنت تركيا أول قمر صناعي للاتصالات من إنتاج محلي وهو TÜRKSAT 6A في أبريل

  • القمر تم تطويره باستخدام 84 مكوناً محلياً بنسبة توطين تجاوزت 80 بالمئة
  • بدخول TÜRKSAT 6A الخدمة أصبحت تركيا واحدة من 11 دولة قادرة على إنتاج أقمارها الصناعية الخاصة بالاتصالات

يعكس أداء الاقتصاد التركي في عام 2025 مرحلة انتقالية دقيقة، من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث تزامن تحقيق أرقام قياسية في الصادرات والإنتاج الصناعي والتقدم التكنولوجي مع استمرار ضغوط هيكلية لم تُحسم جذرياً بعد.

على صعيد السياسات النقدية، فإن تراجع معدلات التضخم يمثل إنجازاً نسبياً للحكومة والبنك المركزي، بعد سنوات من الضغوط السعرية الحادة، إلا أن هذا التحسن جاء مصحوباً بتكلفة اجتماعية واقتصادية واضحة، تمثلت في تراجع القوة الشرائية وارتفاع كلفة التمويل وتباطؤ الطلب المحلي. وبذلك، وجد الاقتصاد التركي نفسه في 2025 أمام معادلة غير مريحة بين ضرورة الاستمرار في كبح التضخم والحاجة إلى تحفيز النمو واحتواء التوتر الاجتماعي.

غير أن هذا الزخم لم يلغِ التحديات البنيوية التي واجهها الاقتصاد خلال العام، إذ تركت الكوارث الطبيعية آثاراً مباشرة على البنية التحتية والقطاع الزراعي، في وقت واصلت فيه كلفة الطاقة والتمويل الضغط على الميزان التجاري والمالية العامة، إلى جانب استمرار هشاشة الليرة أمام الصدمات الخارجية.

 كما ظلت الفجوة بين مؤشرات النمو الكلي ومستوى معيشة المواطن واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية، ما دفع الحكومة إلى توسيع تدخلها الاجتماعي عبر برامج الإسكان والدعم، وهو ما زاد من أعباء الإنفاق العام.

حصاد الاقتصاد.jpeg
 

 الداخل السياسي في حصاد تركيا 2025

اتسم الداخل السياسي التركي خلال عام 2025 بدرجة عالية من التوتر والحراك المتداخل، حيث تلاقت ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب مع الصراع الحزبي والقضائي، وتقاطعت إعادة تشكيل موازين القوى داخل الأحزاب مع قضايا كبرى طالت البلديات الكبرى، وفي مقدمتها إسطنبول. كما برز ملف “تركيا بلا إرهاب” بوصفه أحد أكثر المسارات حساسية وتأثيراً على المشهد السياسي، بالتوازي مع تشديد الدولة على إنفاذ القانون ومواجهة الجريمة المنظمة.

حزب العمال الكردستاني ومسار “تركيا بلا إرهاب

كان الحدث الأبرز في تركيا، هو الرسالة المكتوبة من زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، التي دعا فيها جميع الجماعات إلى إلقاء السلاح وحل الحزب نفسه، في تطور اعتُبر تحولاً لافتاً في الخطاب المرتبط بالملف الكردي.

لاحقا، أعلن حزب العمال الكردستاني أن عناصره المسلحة داخل الحدود التركية بدأت الانسحاب إلى العراق، وفق بيان صدر عند سفح جبل قنديل. علّق الرئيس رجب طيب أردوغان على مسألة تسليم السلاح معتبراً الخطوة جزءاً من هدف “تركيا خالية من الإرهاب”، ومشدداً على أن المسار يهدف إلى أمن البلاد وسلام الأمة.

يمثل مسار “تركيا بلا إرهاب” -إن تحقق بشكل مستدام- تحولاً بنيوياً في معادلة الأمن الداخلي. نجاح هذا المسار قد يفضي على المدى البعيد إلى تخفيف العبء الأمني والعسكري عن الدولة، وإعادة توجيه الموارد نحو التنمية، كما قد يسهم في تهدئة واحدة من أقدم بؤر الصراع الداخلي. غير أن هشاشة هذا المسار، واعتماده على متغيرات إقليمية معقدة في العراق وسوريا، يجعلان الاستقرار الناتج عنه مشروطاً وقابلاً للاهتزاز، ما يعني أن أي انتكاسة فيه قد تعيد إنتاج التوتر الأمني بشكل أكثر حدّة، وتترك أثراً سلبياً طويل الأمد على الثقة المجتمعية.

إعادة تثبيت القيادة السياسية والتحالفات الحزبية

كان العام 2025 على موعد مع إعادة انتخاب الرئيس رجب طيب أردوغان رئيساً لحزب العدالة والتنمية في المؤتمر الكبير العادي الثامن، بإجماع أصوات المندوبين، في خطوة عززت تماسك الحزب الحاكم

في المقابل، أعاد حزب الشعب الجمهوري انتخاب أوزغور أوزيل رئيساً عاماً للحزب في مؤتمرين استثنائي وعادي، مؤكداً استمرار القيادة الحالية رغم الاضطرابات التنظيمية.

ويمكن القول إن عام 2025 هو عام إعادة تثبيت واضحة للقيادة السياسية داخل معسكر الحكم، من خلال إعادة انتخاب الرئيس رجب طيب أردوغان رئيساً لحزب العدالة والتنمية، واستمرار التحالف مع حزب الحركة القومية رغم الظروف الصحية التي مر بها دولت بهجلي. هذا التماسك النسبي في التحالف الحاكم منح السلطة قدرة أكبر على إدارة الملفات الحساسة، خصوصاً في ظل معارضة تعاني من انقسامات داخلية عميقة.

الأزمة القضائية والسياسية المحيطة ببلدية إسطنبول الكبرى

في موازاة ذلك، تحولت الأزمة القضائية والسياسية المحيطة ببلدية إسطنبول الكبرى إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع احتداماً في الداخل التركي.

فقد تصاعدت الضغوط القضائية على رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو، عبر لوائح اتهام متعددة شملت تهم الإهانة والتهديد واستهداف موظفين رسميين، ثم تحقيقات لاحقة بتزوير وثائق رسمية تتعلق بشهادته الجامعية.

إن القضية التي بدأت باتهامات إدارية وقضائية ضد أكرم إمام أوغلو، سرعان ما توسعت لتشمل أبعاداً سياسية وإعلامية وأمنية، وصولاً إلى اعتقاله وإيقافه عن مهامه، وتعيين قيادة مؤقتة للبلدية، ثم توسيع التحقيقات لتشمل مئات المشتبه بهم.

فالأزمة القضائية والسياسية المرتبطة ببلدية إسطنبول الكبرى تمثل أحد أخطر مفاصل التأثير طويل الأمد. فهذه القضية، بما تحمله من أبعاد سياسية وإعلامية وأمنية، قد تعيد رسم حدود الصراع بين المركز والبلديات، وبين السلطة التنفيذية والمعارضة المحلية. وعلى المدى البعيد، قد تؤدي إلى إعادة تعريف دور البلديات الكبرى في النظام السياسي التركي، إما عبر تعزيز الرقابة المركزية عليها، أو عبر تعميق الشعور لدى قطاعات من الناخبين بأن المسار القضائي بات جزءاً من الصراع السياسي، وهو ما ينعكس مباشرة على منسوب الثقة بالمؤسسات.

البلديات والمعارضة بين الفساد وإعادة الهيكلة

امتد الاشتباك السابق إلى ملف البلديات والمعارضة عموماً، مع تصاعد قضايا الفساد وإعادة الهيكلة داخل حزب الشعب الجمهوري. طالت تحقيقات فساد عدداً من رؤساء البلديات، من بينهم عمدة أضنة الكبرى وعمدة أديامان ونائب عمدة بويوك شكمجة، في إطار ملفات تتعلق بمنظمة إجرامية.

ويمكن القول إن تفكك المعارضة، خاصة داخل حزب الشعب الجمهوري، يحمل تداعيات مزدوجة. فمن جهة، يخفف الضغط السياسي عن الحكومة في الأجل القصير، لكنه من جهة أخرى يضعف الحياة السياسية التعددية، ويؤدي إلى فراغ تمثيلي قد تملؤه تيارات احتجاجية غير منظمة أو خطابات شعبوية أكثر حدة، ما يشكل تهديداً كامناً للاستقرار الاجتماعي والسياسي على المدى المتوسط والبعيد.

إنفاذ القانون ومكافحة الجريمة المنظمة

شهدت أنقرة أكبر عملية لمكافحة المخدرات في تاريخ الجمهورية تحت اسم “ناركوكابان-أنقرة”، بمشاركة آلاف من عناصر الشرطة ومداهمات متزامنة أسفرت عن مئات الاعتقالات. عكست العملية توجهاً رسمياً لتشديد القبضة الأمنية ضد شبكات الجريمة المنظمة باعتبارها جزءاً من الاستقرار الداخلي.

إذن، نجحت الدولة التركية في تشديد على ملف الأمن الداخلي ومكافحة الجريمة المنظمة. تشديد إنفاذ القانون ومكافحة الجريمة المنظمة يعزز منطق الدولة القوية القادرة على فرض النظام، وهو عنصر أساسي في الاستقرار. إلا أن استدامة هذا المسار تتطلب موازنة دقيقة مع ملف الحريات العامة، إذ إن أي إحساس مجتمعي بتغليب المقاربة الأمنية على الحقوق السياسية قد يراكم احتقاناً صامتاً، يظهر لاحقاً في شكل أزمات سياسية أو اجتماعية أوسع.

السياسات الاجتماعية والإسكان

على المستوى الاجتماعي، سعت الحكومة إلى تخفيف حدة الضغوط الاقتصادية عبر توسيع مشاريع الإسكان الاجتماعي، في محاولة لامتصاص التوتر الاجتماعي المتراكم. من هنا، كان إطلاق حملة تعبئة لتوفير 500 ألف وحدة سكنية اجتماعية ضمن "مشروع الإسكان لهذا القرن".

رغم تلك الجهود الملموسة، إلا أن الكوارث الطبيعية التي ضربت البلاد، من حرائق الغابات إلى الزلازل، فرضت بدورها أعباء إضافية على الدولة، وربطت الاستقرار السياسي بقدرة المؤسسات على إدارة الأزمات الطارئة والاستجابة السريعة لها.

وشهدت تركيا موجات واسعة من حرائق الغابات نتيجة ارتفاع درجات الحرارة خلال يونيو ويوليو، لا سيما في بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط.

ومنذ الأول من يونيو اندلع 1516 حريقاً تمت السيطرة على 1507 منها، مع تنفيذ أكثر من 10 آلاف طلعة جوية وإلقاء 33200 طن من المياه.

كما ضرب زلزال بقوة 6.1 درجات منطقة سنديرجي في باليكسير في أغسطس، وأسفر عن وفاة شخص واحد وتضرر 1036 وحدة مستقلة في 729 مبنى. تكرر الزلزال نفسه في أكتوبر، وأسفر عن إصابات غادر أصحابها المستشفيات بعد تلقي العلاج.

تشير معطيات 2025 إلى أن الاستقرار السياسي التركي يدخل مرحلة أكثر تعقيداً، يقوم فيها على مزيج من الضبط الأمني، وإعادة الهيكلة السياسية، وإدارة الأزمات الاجتماعية. هذا الاستقرار قد يبدو متماسكاً في المدى القريب، لكنه في المدى الطويل سيظل مرهوناً بقدرة الدولة على تحويل القوة المؤسسية إلى عقد اجتماعي متجدد، يوازن بين الأمن والحرية، وبين الحسم السياسي والتعددية، وبين المركز والأطراف.

حصاد الداخل.jpeg
 

موقع تركيا في معادلات الشرق الأوسط خلال 2025

كانت تركيا -خلال عام 2025- على موعد مع ترسيخ  مكانتها كفاعل مركزي في معادلات الشرق الأوسط، بعد أن انتقلت من موقع التأثر بتوازنات الإقليم إلى موقع التأثير المباشر في مساراته السياسية والأمنية. ومع تصاعد الأزمات في غزة وسوريا، وتبدل موازين القوى الإقليمية، برز الدور التركي بوصفه عنصراً حاسماً في إدارة الصراعات وفتح مسارات التهدئة، مستنداً إلى شبكة علاقات إقليمية واسعة وقدرة متزايدة على المناورة الدبلوماسية والوساطة السياسية.

تركيا والتسوية الإقليمية في سوريا

في عام 2025، لعبت تركيا، دوراً محورياً في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع العقوبات عن سوريا، في خطوة منحت دمشق فرصة حقيقية لتحقيق الاستقرار وإعادة الاندماج في المجتمع الدولي.

هذا التحرك عكس رؤية تركية تقوم على دعم قيام دولة سورية موحدة وذات سيادة وقادرة على النهوض اقتصادياً وسياسياً، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لأمن المنطقة واستقرارها.

تتعامل تركيا مع الملف السوري بوصفه قضية تتجاوز أمن الحدود إلى ملفات اللاجئين، ومكافحة الإرهاب، وتوازنات القوى الإقليمية، وانعكاساتها على الداخل التركي. فالهجمات الإسرائيلية المتكررة، والوجود الإيراني، وتردد الولايات المتحدة، وحسابات روسيا، تجعل من الساحة السورية معادلة شديدة التعقيد بالنسبة لأنقرة.

غزة والدور التركي في وقف الحرب

خلال عام 2025، اضطلعت تركيا، إلى جانب مصر وقطر، بدور فاعل في التوصل إلى وقف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، عبر اتفاق تم التوصل إليه بوساطة مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذا الدور عزز مكانة أنقرة كوسيط موثوق في واحدة من أعقد أزمات المنطقة وأكثرها حساسية.

غير أن إسرائيل واصلت خرق بنود الاتفاق خلال مرحلته الأولى، ما هدد الانتقال إلى المرحلة الثانية وألقى بظلال من الشك على مستقبل الاتفاق برمته. كما عارضت تل أبيب احتمال نشر قوات تركية في غزة، وهو ما عكس خشيتها من تحول الدور التركي من سياسي ودبلوماسي إلى أمني ميداني، وزاد من تعقيد مسار التهدئة.

لقد عززت تركيا موقعها كوسيط إقليمي مؤثر. هذا الدور منح أنقرة وزناً سياسياً وأخلاقياً في واحدة من أكثر القضايا حساسية في الشرق الأوسط، ورسخ صورتها كدولة قادرة على الجمع بين الخطاب السياسي والدور العملي في مسارات التهدئة. غير أن استمرار الخروقات الإسرائيلية للاتفاق كشف حدود القدرة على فرض الالتزام، وأعاد التأكيد على أن النفوذ التركي، رغم اتساعه، يصطدم بجدار التعنت الإسرائيلي والدعم الغربي له.

أيضا، يمكن قراءة رفض إسرائيل أي وجود أمني تركي محتمل في غزة على أنه انعكاش لخشيتها من تحوّل الدور التركي من وسيط إلى طرف مؤثر ميدانياً، وهو ما يفسر محاولات تل أبيب تقليص هامش الحركة التركية في الملف الفلسطيني.

موقع تركيا إقليميا.jpeg
 

التحولات في السياسة الخارجية التركية خلال 2025


شهدت السياسة الخارجية التركية في عام 2025 حيوية غير مسبوقة، حيث ركّزت أنقرة على توسيع شبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية، وتعزيز مكانتها كوسيط مؤثر في النزاعات الإقليمية والدولية، وكذلك الانخراط في الساحات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة والناتو ومنظمة شنغهاي للتعاون، واستندت هذه التحولات إلى استراتيجية متكاملة تجمع بين الزيارات الرسمية، والمشاركة في القمم الدولية، والمفاوضات المباشرة مع قادة العالم، والجهود الدبلوماسية الهاتفية المكثفة.

الزيارات الخارجية والقمم الدولية

مثّل عام 2025 ذروة واضحة في ديناميكية السياسة الخارجية التركية، حيث انتقلت أنقرة من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة المبادرة الاستباقية متعددة المسارات. هذا التحول لم يكن مجرد تكثيف في النشاط الدبلوماسي، بل عكس إعادة صياغة واعية لدور تركيا في النظام الدولي، بوصفها دولة تسعى للتموضع كقوة متوسطة ذات تأثير عابر للأقاليم، وقادرة على الجمع بين الشرق والغرب، وبين المنصات التقليدية والبديلة في السياسة الدولية.

قام الرئيس أردوغان بسلسلة من الزيارات الخارجية في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، مثل زياراته إلى هولندا، والصين، ونيويورك، ومصر وجنوب أفريقيا، بما في ذلك حضور قمم تخص حلف الناتو ومنظمة شنغهاي والأمم المتحدة وقمة شرم الشيخ وقمة مجموعة العشرين.

لقد اعتمدت أنقرة خلال 2025 على دبلوماسية نشطة قوامها التحرك الميداني المباشر، حيث عكست الزيارات الخارجية المكثفة للرئيس أردوغان اتجاهاً نحو تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد.

 

استضافة الزعماء والوفود الدولية

استضاف الرئيس أردوغان 21 رئيس دولة وحكومة 25 مرة خلال 2025، بينهم الرئيس الرواندي بول كاغامي، الرئيس السوري أحمد الشرع، الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، والحاكم العام الأسترالي سام موستين.

إن استضافة أنقرة لعدد كبير من قادة الدول والحكومات عززت صورتها كمنصة دبلوماسية مفتوحة للحوار، خصوصاً في ظل استقبال شخصيات من دول متخاصمة أو تعيش أزمات داخلية وخارجية. هذا الدور جعل من تركيا نقطة التقاء للوساطات السياسية، ورسخ موقعها كدولة قادرة على التواصل مع أطراف متناقضة، من أوكرانيا وروسيا إلى دول الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.

الأزمات الدولية والجهود الإنسانية

في ملف الأزمات الإنسانية والدولية، أظهرت أنقرة قدرة على التعامل مع الأحداث الطارئة بوصفها فاعلاً مسؤولاً، لا يقتصر دوره على البيانات السياسية، بل يمتد إلى المتابعة المباشرة والتضامن العملي. هذا السلوك عزز البعد الأخلاقي في السياسة الخارجية التركية، وربطه بمفهوم “الدولة الفاعلة” لا “الدولة المتفرجة”.

فبعد حادث تحطم الطائرة التي كانت تقل رئيس الأركان العامة الليبي، الجنرال محمد علي الحداد، أعرب أردوغان عن تعازيه الرسمية، وأشرف على بدء التحقيقات اللازمة، مؤكداً التضامن التركي مع ليبيا وأمنها العسكري والسياسي.

أظهرت هذه الخطوات قدرة تركيا على التعامل مع الأزمات المفاجئة، وتعزيز العلاقات الثنائية مع دول الجوار، وإبراز دورها كفاعل مسؤول في الاستقرار الإقليمي.

بصورة عامة، كشفت تحولات 2025 عن سياسة خارجية تركية أكثر ثقة بالنفس، تعتمد على مزيج من القوة الناعمة والدبلوماسية النشطة، مدعومة بقدرات سياسية واقتصادية وأمنية، وتسعى إلى تحويل تعدد الساحات إلى رافعة نفوذ لا إلى مصدر استنزاف.

السياسة الخارجية.jpeg
 

 

نظرة مستقبلية: 2026.. التحديات والفرص

الاقتصاد التركي في 2026: بين الاستمرار والتحدي

يدخل الاقتصاد التركي عام 2026 وهو أكثر تنوعاً وقدرة على الصمود مقارنة بالسنوات السابقة، لكن هناك مجموعة من الفرص والتحديات التي ستواجه الاقتصاد التركي في 2026.

إذا انطلقنا من الفرص، فيمكن للاقتصاد التركي البناء على منجزات 2025، عبر الحفاظ على زخم الصادرات الصناعية والدفاعية، واستقرار نسبي في معدلات التضخم، وتحسن تدريجي في الثقة الاستثمارية، خاصة إذا استمرت السياسات النقدية المنضبطة بالتوازي مع إصلاحات هيكلية في سوق العمل والطاقة. في هذا المسار، يمكن لتركيا أن تعزز موقعها كمركز إنتاج إقليمي، وتحقق نمواً أكثر توازناً ينعكس تدريجياً على مستويات الدخل، شرط تحسن البيئة الدولية وعدم حدوث صدمات جيوسياسية أو مالية كبرى.

السيناريو الأكثر ترجيحاً للاقتصاد التركي في 2026، يقوم على استمرار النمو ولكن بوتيرة أبطأ، في ظل بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة نسبياً، واستمرار الضغوط على العملة وكلفة التمويل. في هذا الإطار، سيظل الاقتصاد التركي معتمداً بشكل كبير على الصادرات، مع محدودية قدرة الطلب المحلي على لعب دور محرك للنمو، ما يفرض على الحكومة الاستمرار في سياسات الدعم الاجتماعي دون تحقيق اختراق حاسم في معالجة جذور التفاوت الاقتصادي.

أما عن أبرز التحديات التي ستواجه الاقتصاد التركي في 2026، تتمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقرار الأسعار والنمو الاقتصادي، وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي في ظل تقلبات الأسواق العالمية، ومعالجة هشاشة العملة دون خنق الاستثمار. كما تبرز تحديات الطاقة والتغير المناخي كعوامل ضاغطة طويلة الأمد، خاصة على الزراعة والأمن الغذائي والبنية التحتية.

إلى جانب ذلك، يظل التحدي الاجتماعي حاضراً بقوة، حيث سيبقى تحسين مستوى معيشة المواطن وربط النمو الكلي بتحسن ملموس في الدخول والخدمات أحد أصعب اختبارات السياسة الاقتصادية. كما أن استمرار الاعتماد على قطاعات ذات طابع جيوسياسي، مثل الصناعات الدفاعية، يفرض على أنقرة إدارة دقيقة للمخاطر السياسية المرتبطة بالاقتصاد.

والتخوف الأكبر هو أن يتعرض الاقتصاد التركي في 2026 لانتكاسة نسبية، في حال تصاعدت التوترات الإقليمية أو العالمية، أو شهدت الأسواق الأوروبية تباطؤاً حاداً، أو عادت الضغوط التضخمية بفعل صدمات الطاقة والغذاء. في هذا السيناريو، قد تتقلص هوامش المناورة أمام صانع القرار الاقتصادي، وتتزايد كلفة خدمة الدين، ويتعمق الضغط الاجتماعي، ما يعيد الاقتصاد إلى دائرة إدارة الأزمات بدلاً من التخطيط الاستراتيجي.

 

الداخل السياسي التركي في 2026

بالحديث عن الداخل السياسي التركي في 2026، هناك أيضا مجموعة من الفرص والسيناريوهات والتحديات المحتملة. في السيناريو الأول، وهو السيناريو التوافقي الإيجابي، قد ينجح الداخل التركي في الانتقال من مرحلة الصدام إلى مرحلة إدارة التوازنات، إذا استمر مسار “تركيا بلا إرهاب” دون انتكاسات، وتراجعت حدة الصراع القضائي–السياسي، مع قدرة السلطة على احتواء المعارضة دون إقصائها الكامل. في هذا المسار، يمكن أن يشهد المشهد السياسي قدراً من الاستقرار النسبي، يسمح بإعادة توجيه الاهتمام نحو الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.

أما السيناريو الثاني، وهو السيناريو المرجّح، فيقوم على استمرار حالة الشد والجذب بين السلطة والمعارضة، مع بقاء الملفات القضائية الكبرى مفتوحة، واستمرار التوتر حول البلديات والإعلام والحريات، دون انزلاق إلى مواجهة شاملة. في هذا الإطار، سيظل الداخل السياسي التركي مستقراً أمنياً، لكنه مشحون سياسياً، ما يحدّ من فرص التوافق الوطني الواسع.

في المقابل، يفترض السيناريو السلبي تصاعد الاستقطاب السياسي في حال تعثّر مسار إنهاء ملف الإرهاب، أو توسعت الأزمات القضائية لتشمل شخصيات معارضة إضافية، أو ترافقت الضغوط الداخلية مع أزمات اقتصادية حادة. في هذا السيناريو، قد تدخل البلاد مرحلة توتر سياسي أطول أمداً، تزيد فيها حساسية الشارع وتتقلص هوامش المناورة السياسية.

أما عن أبرز التحديات التي ستواجه الداخل السياسي التركي في 2026، فيتصدرها الحفاظ على التوازن بين الأمن والديمقراطية، ومنع تحول القضاء إلى ساحة صراع سياسي مفتوح، وضمان عدم ارتداد مسار “تركيا بلا إرهاب” سلباً على الاستقرار الداخلي. كما يبرز تحدي إعادة بناء ثقة الشارع بالمؤسسات، في ظل تآكل الثقة السياسية وارتفاع سقف التوقعات الاجتماعية.

إلى جانب ذلك، ستظل قدرة المعارضة على إعادة تنظيم صفوفها وتقديم بديل سياسي حقيقي عاملاً مؤثراً في استقرار المشهد، كما أن إدارة تداعيات الكوارث الطبيعية والضغوط الاقتصادية ستبقى مرتبطة بشكل وثيق بالاستقرار السياسي. وفي المحصلة، يدخل الداخل السياسي التركي عام 2026 وهو أكثر إحكاماً من حيث السيطرة المؤسسية، لكنه لا يزال هشاً من حيث التوافق المجتمعي، ما يجعل إدارة التوازنات التحدي الأكبر أمام صانع القرار.

 

موقع تركيا في الشرق الأوسط خلال 2026

هناك مجموعة من السيناريوهات المتوقعة التي تتعلق بموقع تركيا في الشرق الأوسط خلال 2026. في السيناريو الأول، قد تنجح تركيا في ترسيخ دورها كضامن إقليمي للاستقرار، إذا ما تواصل مسار التهدئة في غزة، وتقدمت التسوية السياسية والاقتصادية في سوريا، خصوصاً مع بدء تشغيل مشاريع الطاقة والربط الكهربائي. في هذا السياق، يمكن لأنقرة أن تتحول إلى مركز توازن إقليمي، يجمع بين الوساطة السياسية والتأثير الاقتصادي، ما يعزز مكانتها لدى القوى الدولية والإقليمية.

أما السيناريو الثاني، وهو السيناريو المرجّح، فيقوم على استمرار الدور التركي النشط، لكن ضمن بيئة إقليمية مضطربة. في هذا المسار، ستبقى تركيا لاعباً مؤثراً في سوريا وغزة، دون تحقيق اختراقات حاسمة، مع استمرار الاحتكاك السياسي مع إسرائيل، وإدارة حذرة للعلاقات مع إيران وروسيا والولايات المتحدة. هذا السيناريو يكرّس النفوذ التركي، لكنه يستنزف أدواته الدبلوماسية والأمنية.

في السيناريو الثالث الأكثر تشاؤما، قد تواجه تركيا تصعيداً إقليمياً يحد من قدرتها على المناورة، في حال انهيار اتفاق غزة، أو تفاقم الصراع الإسرائيلي–الإيراني على الساحة السورية، أو عودة النشاط الإرهابي في شمال سوريا. في هذا الإطار، قد تجد أنقرة نفسها أمام معادلة أمنية معقدة، تفرض عليها زيادة الانخراط العسكري والأمني على حساب الدور الدبلوماسي.

كما تبرز بعض التحديات المحتملة أمام تركيا في الحفاظ على توازن دقيق بين توسيع النفوذ وتجنب الاستنزاف، خصوصاً في ظل تعدد ساحات الاشتباك الإقليمي. كما يبرز تحدي إدارة العلاقة مع إسرائيل، التي ترى في الدور التركي تهديداً مباشراً، إلى جانب تعقيدات التنسيق مع الولايات المتحدة وروسيا في الملف السوري.

كذلك، تواجه أنقرة تحدي ربط أدوارها الإقليمية باستقرارها الداخلي، سواء من حيث ملف اللاجئين، أو الكلفة الاقتصادية للانخراط الإقليمي، أو المخاطر الأمنية المرتبطة بعودة التنظيمات المتطرفة.

تدخل تركيا المرحلة المقبلة وهي أكثر حضوراً وتأثيراً في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت ذاته أكثر انكشافاً على أزمات الإقليم، ما يجعل نجاحها مرهوناً بقدرتها على تحويل النفوذ السياسي إلى استقرار طويل الأمد.

 

السياسة الخارجية التركية في 2026

يمكن توقع عدة سيناريوهات أيضا تتعلق بالسياسة الخارجية لتركيا في 2026. في السيناريو الأول، قد تنجح تركيا في تثبيت موقعها كقوة توازن دولية، إذا ما استمرت في لعب دور الوسيط المقبول دولياً، خصوصاً في غزة وأوكرانيا، مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع كل من واشنطن وموسكو وبكين. في هذا المسار، يمكن لأنقرة أن تعزز مكاسبها السياسية عبر ترجمتها إلى شراكات اقتصادية وأمنية طويلة الأمد.

السيناريو الثاني يقوم على استمرار الزخم الدبلوماسي التركي، لكن في بيئة دولية أكثر تعقيداً. في هذا الإطار، ستبقى تركيا لاعباً نشطاً في القمم والمنصات الدولية، دون تحقيق اختراقات حاسمة في الملفات الكبرى، مع إدارة دقيقة للخلافات مع الغرب، واستمرار سياسة التوازن بين المحاور الدولية.

أما السيناريو الثالث، فيفترض تصاعد الضغوط على السياسة الخارجية التركية، سواء عبر توتر أكبر مع إسرائيل والغرب على خلفية غزة، أو نتيجة احتدام الاستقطاب الدولي بين المعسكرين الغربي والشرقي. في هذا السيناريو، قد تجد أنقرة نفسها مضطرة لاتخاذ خيارات أصعب، تحدّ من قدرتها على المناورة متعددة الاتجاهات.

ورغم النشاط الدبلوماسي الواسع الذي ميّز السياسة الخارجية التركية في 2025، تواجه أنقرة حزمة مركّبة من التحديات الإقليمية والدولية التي حدّت من هامش المناورة في بعض الملفات، وفرضت معادلات دقيقة بين الطموح السياسي ومتطلبات الاستقرار والأمن القومي.

أولى هذه التحديات تمثلت في تعقيد البيئة الإقليمية المحيطة بتركيا، حيث تتقاطع ملفات سوريا وغزة وشرق المتوسط والعلاقات مع الغرب في وقت واحد، ما يضع صانع القرار التركي أمام ضغوط متزامنة يصعب تفكيكها أو إدارتها بمعزل عن بعضها البعض. فكل تقدم في مسار يقابله ارتداد أو تعقيد في مسار آخر، وهو ما يجعل السياسة الخارجية التركية في حالة إدارة أزمات مستمرة أكثر منها تحركاً في بيئة مستقرة.

وعلى الصعيد الدولي، تمثل العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحدياً مركباً، إذ تسعى تركيا إلى الحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية داخل الناتو، وفي الوقت نفسه توسيع هامش استقلالها السياسي والعسكري. غير أن ملفات مثل الصناعات الدفاعية، والعقوبات، وحقوق الإنسان، وتحديث الاتحاد الجمركي، تظل أدوات ضغط غربية حاضرة في كل مرحلة تفاوضية، ما يحد من سرعة تحقيق اختراقات نوعية في العلاقات.

كما يفرض تصاعد الأزمات العالمية، من الحرب الأوكرانية إلى التوترات في آسيا والبحر الأحمر، أعباء إضافية على السياسة الخارجية التركية، التي باتت مطالبة بلعب أدوار متعددة كوسيط، وضامن أمن، وشريك اقتصادي، في آن واحد. هذا التمدد في الأدوار يعزز مكانة تركيا، لكنه في المقابل يستهلك موارد سياسية وعسكرية واقتصادية متزايدة.

توقعات وتحديات.jpeg
 

 

 

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

تركيا في 2025: تثبيت الداخل وتوسيع النفوذ في إقليم مضطرب - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°