4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

بين شبح انفجار إيران وكابوس الفوضى الإقليمية: لماذا تمنع تركيا حرب إسرائيل على طهران؟

لم يأتِ تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن وجود مؤشرات على سعي إسرائيل لشن هجوم على إيران في سياق إعلامي عابر أو كجزء من خطاب دبلوماسي تقليدي.

بقلم: عمرو المصري
٢٤ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
17 مشاهدة
خامنئي وأردوغان

خامنئي وأردوغان

لم يأتِ تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن وجود مؤشرات على سعي إسرائيل لشن هجوم على إيران في سياق إعلامي عابر أو كجزء من خطاب دبلوماسي تقليدي. بل عكس، في جوهره، قلقًا استراتيجيًا عميقًا داخل مؤسسات الدولة التركية من سيناريو تعتبره أنقرة الأخطر منذ سنوات، يتمثل في فتح جبهة حرب كبرى على حدودها الشرقية بعد أن لم تكد تنهي تداعيات الجبهات المفتوحة في سوريا والعراق.

فيدان لم يكتفِ بالتحذير من الهجوم المحتمل، بل حرص على تفكيك السردية الغربية والإسرائيلية حول الداخل الإيراني، مؤكدًا أن الاحتجاجات، رغم واقعيتها، لا تعني بالضرورة انهيار النظام، ولا تمثل أرضية صلبة لرهانات خارجية على تغيير جذري من الداخل. هذا التوصيف لا يخدم إيران وحدها، بل يخدم قبل كل شيء المصلحة التركية التي ترى في استقرار إيران – ولو النسبي – خط دفاع أول عن أمنها القومي.

هاجس الفوضى لا الصواريخ

في الحسابات التركية، لا تكمن الخطورة الأساسية في الضربة العسكرية بحد ذاتها، بل في ما يمكن أن تفتحه من مسارات فوضى ممتدة. أنقرة لا تنظر إلى إيران كخصم أيديولوجي أو منافس فقط، بل كدولة مركزية في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأي تصدع داخلي واسع فيها سيعني تلقائيًا موجات لجوء ضخمة، وتمدّد جماعات مسلحة، وفراغًا أمنيًا على امتداد حدود طويلة ومعقدة.

تجربة تركيا مع انهيار الدولة في العراق، ثم الحرب في سوريا، لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية والأمنية التركية. لذلك، حين يقول فيدان: «لا نريد فتح جرح كبير جديد بينما لم نكد نضمد جراح سوريا والعراق»، فهو لا يستخدم استعارة بل يحدد خطًا أحمر استراتيجيًا، عنوانه أن أي حرب على إيران ستُدخل المنطقة في مرحلة عدم يقين تتجاوز بكثير قدرة أنقرة على الاحتواء.

العقوبات والاحتجاجات: قراءة تركية واقعية

اللافت في خطاب فيدان أنه رفض التفسير الاختزالي للاحتجاجات الإيرانية باعتبارها حركة إسقاط نظام، معتبرًا أن الضائقة الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الطويلة هي المحرك الأساسي، وأن المشهد مليء بـ«مناطق رمادية» لا تحتمل الاستنتاجات السطحية. هذه القراءة تتقاطع مع موقف تركي أوسع يرفض توظيف الأزمات الاجتماعية كمدخل لتفكيك الدول.

هاكان فيدان2

 

أنقرة تدرك أن أي رهان أمريكي أو إسرائيلي على تفجير الداخل الإيراني قد يرتد بنتائج عكسية، ليس فقط بفشل الرهان، بل بخلق فوضى لا يمكن التحكم بمآلاتها. من هنا، فإن الإصرار التركي على أولوية التفاوض، حتى مع إدراك تعقيد المسار النووي وتشابكه مع ملفات أخرى تضيفها واشنطن، يعكس قناعة بأن كلفة الحرب ستكون أعلى بكثير من كلفة التسويات الناقصة.

إسرائيل كعامل تهديد مشترك

الرد الإيراني على تصريحات فيدان -الذي نقلته وكالة الأنباء الإيرانية- كشف بوضوح أحد مفاتيح العلاقة المعقدة بين أنقرة وطهران: وجود عدو مشترك يتمثل في المشروع الإسرائيلي الذي تسعى طهران إلى تصويره كمخطط لتجزئة دول المنطقة، وهو توصيف لا ترفضه تركيا بالكامل، وإن اختلفت معه في اللغة والأدوات.

طهران ترى أن السلوك التركي الداعم لها مؤخرًا نابع من إدراك جيوسياسي بأن تحويل إيران إلى بؤرة عدم استقرار سيصيب تركيا مباشرة في أمنها واقتصادها. فأنقرة، وفق الرواية الإيرانية، لا تريد لإيران أن تصبح مصدرًا دائمًا للتهديد، لأن ذلك يعني خطوط طاقة مهددة، وتجارة إقليمية مضطربة، وحدودًا مفتوحة على احتمالات أمنية لا تنتهي.

تركيا وإيران: علاقة صراع وتعاون في آن واحد

العلاقة التركية–الإيرانية ليست تحالفًا، لكنها أيضًا ليست خصومة صافية. هناك صراع نفوذ واضح في سوريا، والعراق، والقوقاز، وحتى في آسيا الوسطى وأفريقيا. لكن هذا الصراع محكوم بسقف عالٍ من البراجماتية، حيث يدرك الطرفان أن التصادم المفتوح سيخدم طرفًا ثالثًا، غالبًا ما يكون إسرائيل أو الولايات المتحدة.

التعاون الأمني، خاصة في ملفات حساسة مثل تتبع نشاطات الموساد داخل تركيا، يشير إلى مستوى تنسيق يتجاوز الخلافات الظاهرة. هذا التعاون، وإن ظل بعيدًا عن الإعلام، يعكس إدراكًا مشتركًا بأن التهديد الإسرائيلي لا يستهدف إيران وحدها، بل يمتد إلى بنية الأمن الإقليمي ككل.

أنقرة ورفض سيناريو الانهيار

بدوره، سلط الباحث في الشأن الإيراني، محمود شعبان، الضوء على جوهر القلق التركي: الخوف من انهيار النظام الإيراني أو حتى اهتزازه العميق. فتركيا، كدولة مركزية في الإقليم، ترى أن سقوط إيران لن يفتح باب «شرق أوسط جديد» مستقر، بل سيطلق ديناميات حرب أهلية وفوضى عابرة للحدود، قد تنتهي بتفكك الدولة الإيرانية نفسها.

من هذا المنطلق، جاءت تصريحات فيدان في ذروة الاحتجاجات الإيرانية لتبعث برسالة مزدوجة: الأولى للداخل الإيراني، مفادها أن تركيا لا تراهن على الفوضى؛ والثانية لواشنطن وتل أبيب، بأن التعويل على الشارع لإسقاط النظام الإيراني هو رهان خاسر، وأن البديل الوحيد هو التفاوض لا الحرب.

نظرة واحدة إلى إسرائيل.. بزاويتين مختلفتين

هل تتوحد تركيا وإيران في النظرة إلى إسرائيل؟ الإجابة الدقيقة: نعم في التشخيص الاستراتيجي، لا في المنطلق الأيديولوجي. صحيح أن أنقرة لا تتبنى خطاب طهران العقائدي، لكنها تشترك معها في اعتبار إسرائيل عامل زعزعة استقرار دائم، يسعى إلى فرض معادلات أمنية تخدم تفوقه الإقليمي ولو على حساب تفكيك الدول المحيطة.

هذا التقاطع لا يلغي الخلافات، لكنه يفسر لماذا تبدو تركيا اليوم أكثر حرصًا من أي وقت مضى على منع العدوان على إيران. فبالنسبة لأنقرة، المعركة ليست دفاعًا عن طهران بقدر ما هي دفاع عن توازن إقليمي هش، ترى أن انهياره سيضعها في قلب عاصفة لا تريد، ولا تستطيع، خوضها مجددًا.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

بين شبح انفجار إيران وكابوس الفوضى الإقليمية: لماذا تمنع تركيا حرب إسرائيل على طهران؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°