أكدت حركة حماس، الأربعاء، جاهزيتها لنقل كامل مؤسسات الحكم في قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية، في خطوة سياسية تحمل أبعادًا تتجاوز البعد الإداري، وترتبط مباشرة بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار وترتيبات «اليوم التالي» للحرب. وشددت الحركة، في هذا السياق، على ضرورة إعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين بشكل كامل، ومن دون أي «عوائق إسرائيلية».
وقال المتحدث باسم حركة حماس، حازم قاسم، في تصريحات لوكالة فرانس برس، إن الحركة استكملت التحضيرات العملية لعملية التسليم، موضحًا أن «هناك بروتوكولات جُهزت، وملفات قد أُتمت، ولجان تشرف على عملية التسليم، بحيث نكون أمام عملية تسليم كاملة للحكم في قطاع غزة إلى هذه اللجنة».
وأضاف قاسم أن هذا المسار يعكس موقفًا واضحًا من الحركة تجاه ترتيبات الإدارة المدنية للقطاع، مؤكدًا أن حماس لا تضع عراقيل أمام أي صيغة فلسطينية داخلية لإدارة شؤون غزة، طالما كانت بعيدة عن الإملاءات والاشتراطات الإسرائيلية.
اللجنة الوطنية وترتيبات ما بعد الحرب
وتتكوّن اللجنة الوطنية لإدارة غزة من 15 شخصية فلسطينية، وقد شُكّلت في إطار اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، والذي جرى التوصل إليه بوساطة أمريكية ودخل حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر. وبموجب الاتفاق، تتولى اللجنة إدارة قطاع غزة بشكل مؤقت.

ووفق الترتيبات المعلنة، تعمل اللجنة تحت إشراف ما يُعرف بـ«مجلس السلام»، الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في صيغة تعكس الدور الأمريكي المباشر في هندسة المرحلة الانتقالية داخل القطاع.
ومن المتوقع أن تدخل اللجنة، التي يرأسها المسؤول السابق في السلطة الفلسطينية علي شعث، إلى قطاع غزة فور إعادة فتح معبر رفح الحدودي مع مصر، باعتباره المدخل الرئيسي لتفعيل عملها الإداري والإنساني على الأرض.
معبر رفح: شرط سياسي وإنساني
وشدد المتحدث باسم حماس على أن فتح معبر رفح يشكل شرطًا مركزيًا لإنجاح عمل اللجنة، مؤكدًا أن «المعبر يجب أن يُفتح في كلا الاتجاهين بشكل كامل، مع ضمان حرية الدخول والخروج إلى قطاع غزة دون أية عوائق إسرائيلية».
وأضاف قاسم أن حركة حماس «ستعمل على إنجاح عمل اللجنة»، في إشارة إلى استعدادها لتسهيل مهامها وعدم وضع عراقيل أمامها، طالما التزمت بالاتفاقات الموقعة ولم تخضع لشروط الاحتلال.
ويُعد معبر رفح نقطة دخول حيوية للعاملين في المجال الإنساني، ولشاحنات المساعدات والغذاء والمستلزمات الطبية والوقود، كما شكّل لسنوات طويلة المنفذ الرئيسي لسكان القطاع الراغبين في السفر، في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ عام 2007.
السيطرة الإسرائيلية والقيود المفروضة
وخلال الحرب، سيطرت القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، قبل أن يُعاد فتحه لفترة وجيزة خلال هدنة قصيرة بين إسرائيل وحماس دخلت حيّز التنفيذ في 19 يناير 2025. وخلال تلك الفترة، سُمح في البداية بخروج الأشخاص المصرّح لهم بمغادرة غزة، ولاحقًا بعبور عدد من شاحنات المساعدات.
اقرأ أيضا: خبراء: إغلاق ملف أسرى الاحتلال يهز رواية إسرائيل ويفتح معركة المرحلة الثانية
وبعد الحرب، تحوّل المعبر إلى نقطة أساسية لإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر والمدمّر، وسط مطالبات متكررة من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بإعادة فتحه بشكل دائم ومنتظم.
وفي هذا السياق، أعلن المسؤول علي شعث، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي، أن «رفح أكثر من مجرد بوابة، إنه شريان حياة ورمز للأمل والفرص» بالنسبة لسكان قطاع غزة، في إشارة إلى الأهمية السياسية والإنسانية للمعبر.
اشتراطات الاحتلال وموقف حماس
واعتبر حازم قاسم أن إعلان اللجنة الوطنية فتح معبر رفح خطوة مهمة، لكنه شدد على أن «الأهم هو أن تتابع هذه اللجنة مغادرة ودخول المواطنين بكل حرية وفق الاتفاق، وليس وفق الاشتراطات الإسرائيلية».
وكانت إسرائيل قد أعلنت نيتها إعادة فتح معبر رفح للمشاة فقط، مع فرض «آلية تفتيش إسرائيلية شاملة»، وذلك عقب استعادة رفات آخر رهينة في قطاع غزة، ران عفيلي، الذي دُفن الأربعاء في بلدة ميتار جنوب إسرائيل.
وفي المقابل، أكد المتحدث باسم حماس أن الحركة «ملتزمة باتفاق وقف الحرب على قطاع غزة»، مشيرًا إلى أنها «نفذت كل ما هو مطلوب منها في المرحلة الأولى، وهي جاهزة للدخول في كل مسارات المرحلة الثانية».
محطات مقبلة وصراع على الجوهر
ومع تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية، وإعادة آخر جثمان من غزة إلى إسرائيل، تتمثل المحطات الرئيسية التالية في اتفاق وقف إطلاق النار بقضيتين محوريتين: نزع سلاح حركة حماس، وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة.
ولطالما أكدت حركة حماس أن نزع سلاحها يمثل «خطًا أحمر»، معتبرة أن سلاح المقاومة جزء من معادلة الردع والدفاع عن الشعب الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، أشارت الحركة في أكثر من مناسبة إلى أنها قد تكون منفتحة على تسليم أسلحتها إلى سلطة فلسطينية حاكمة، في إطار وطني جامع، لا يخضع لشروط الاحتلال أو إملاءاته.
وتعكس هذه المعادلة حجم التعقيد الذي يطبع المرحلة المقبلة، حيث يتقاطع المسار الإداري مع جوهر الصراع السياسي والأمني، في ظل استمرار الاحتلال ومحاولته إعادة تشكيل واقع غزة بما يخدم مصالحه الاستراتيجية.
خطوة سياسية ثقيلة
بدوره، قال الدكتور إسماعيل المسلماني، الباحث في الشأن الإسرائيلي، إن إعلان حركة حماس جهوزيتها لتسليم الحكم في قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً إداريًا أو إجراءً تقنيًا معزولًا عن السياق السياسي العام. وأوضح أن الخطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، وترتبط مباشرة بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار وبالصراع المفتوح حول “اليوم التالي” في غزة.

وأشار المسلماني، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، إلى أن هذه الخطوة يمكن قراءتها عبر ثلاث طبقات مترابطة: طبقة الرسالة السياسية التي توجهها حماس، وطبقة الفرص التي يفتحها هذا الطرح، وطبقة العوائق البنيوية التي قد تحول دون نجاحه. ولفت إلى أن الإعلان يأتي في لحظة سياسية حساسة تحاول فيها الأطراف المختلفة فرض تصوراتها لمستقبل القطاع.
وأكد أن قراءة الخطوة خارج هذا الإطار المركّب تفقدها معناها الحقيقي، إذ إن ما يجري لا يتعلق فقط بإدارة الشأن المدني، بل بإعادة رسم مواقع القوة والتأثير في مرحلة شديدة التعقيد.
فصل السلطة والمقاومة
وأوضح المسلماني أن إحدى الدلالات المركزية للخطوة تتمثل في سعي حماس إلى ترسيخ معادلة تفصل بين “السلطة” و“المقاومة”، في رسالة مفادها أن الحركة ليست متمسكة بالحكم بقدر تمسكها بخيار المقاومة. واعتبر أن هذا الطرح يستهدف ضرب الذريعة الإسرائيلية التي تروّج لفكرة أن إسقاط حكم حماس شرط مسبق لأي تسوية سياسية أو تهدئة مستدامة.
وأضاف أن هذا الفصل يفتح، نظريًا، نافذة قبول دولي أوسع، من دون أن تضطر الحركة إلى تقديم تنازلات سياسية أو أمنية مباشرة تمس جوهر مشروعها. فحماس، وفق هذا التصور، تحاول تعديل صورتها السياسية لا تغيير بنيتها أو خياراتها الاستراتيجية.
ورأى أن هذه المقاربة تعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة الضغوط الدولية، ومحاولة لإعادة تعريف موقع الحركة داخل المعادلة الفلسطينية والإقليمية من دون التخلي عن عناصر قوتها الأساسية.
نقل العبء الإداري
وبيّن الباحث في الشأن الإسرائيلي أن تسليم الإدارة لا يعني انسحاب حماس من المشهد، بل يشكل عملية إعادة تموضع محسوبة، تنتقل فيها الحركة من موقع الحاكم المباشر إلى لاعب مؤثر من الخلف. وأكد أن هذا التحول يهدف إلى نقل العبء الإداري اليومي، لا التنازل عن النفوذ السياسي أو أوراق القوة.
اقرأ أيضا: خطة خبيثة لتقويض القضية.. قراءة نقدية في فلسفة الإدارة الدولية لغزة
وأوضح المسلماني أن إدارة قطاع محاصر ومدمّر تمثل عبئًا ثقيلًا، وأن إخراج هذا العبء من واجهة المشهد قد يمنح حماس هامش حركة أوسع سياسيًا وشعبيًا. وفي الوقت ذاته، تحتفظ الحركة بقدرتها على التأثير في المسارات الكبرى المتعلقة بالمقاومة والأمن.
وأشار إلى أن هذا النموذج يتيح لحماس تفادي الاستنزاف الإداري، مع الحفاظ على موقعها كفاعل مركزي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تخص القطاع.
استباق الوصاية الخارجية
وأكد المسلماني أن طرح لجنة تكنوقراط فلسطينية يأتي أيضًا في سياق استباقي، قبل فرض صيغ خارجية لإدارة غزة، مثل الإدارة الدولية أو الوصاية الأمنية متعددة الأطراف. واعتبر أن الرسالة الضمنية للخطوة هي أن الحل يجب أن يكون فلسطينيًا، لا مستوردًا أو مفروضًا من الخارج.
وأوضح أن الحركة تحاول من خلال هذا الإعلان قطع الطريق على مشاريع يجري تداولها في الكواليس الإقليمية والدولية، والتي تهدف إلى إخراج الفلسطينيين من معادلة القرار المباشر بشأن غزة. فالطرح، وفق المسلماني، يعيد التأكيد على أولوية الإطار الوطني، حتى وإن كان بصيغة إدارية تقنية.
وأضاف أن هذا الاستباق يعكس إدراكًا لموازين القوى الدولية، ومحاولة لتثبيت سقف فلسطيني للنقاش قبل أن تتحول الضغوط إلى وقائع مفروضة على الأرض.
فرص الإدارة التقنية
وفي ما يتعلق بفرص نجاح نموذج “الإدارة التقنية”، أوضح المسلماني أن هذا النموذج يمتلك بعض عناصر القوة، في مقدمتها كونه مقبولًا دوليًا على المستوى النظري. فالتكنوقراط، بحسب تعبيره، لغة مريحة للمانحين والمؤسسات الدولية، وتخفف من الحساسية السياسية المرتبطة بإدارة غزة.
وأضاف أن وجود لجنة من هذا النوع قد يفتح مسارًا عمليًا لملف الإعمار، الذي يشكل شرطًا أساسيًا لأي تدفق مالي أو تدخل دولي في القطاع. كما أشار إلى أن الإدارة التقنية قد تساهم في تقليل الاستقطاب الداخلي، في حال كانت اللجنة مستقلة فعليًا وغير خاضعة لمنطق المحاصصة الفصائلية.
غير أن المسلماني شدد على أن هذه الفرص تبقى نظرية ما لم تتوفر شروط سياسية وأمنية أعمق تتيح للإدارة العمل في بيئة أقل عدائية وأكثر استقرارًا.
نقاط الضعف البنيوية
وفي المقابل، حذّر المسلماني من جملة نقاط ضعف جوهرية تحيط بهذا النموذج، أبرزها غياب السيادة الفعلية. وأكد أنه لا يمكن لأي إدارة، مهما كانت كفاءتها، أن تنجح تحت حصار إسرائيلي خانق وتحكم كامل بالمعابر والجو والبحر.
اقرأ أيضا: لجنة تكنوقراط غزة: بماذا تخبرنا 6 تجارب دولية سابقة؟
كما طرح الباحث إشكالية الأمن بوصفها سؤالًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه: من يضبط السلاح؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم؟ واعتبر أن تجاهل هذا السؤال أو ترحيله سيبقي أي إدارة في حالة هشاشة دائمة.
وأضاف أن الشرعية السياسية تمثل تحديًا إضافيًا، إذ إن لجنة لا تحظى بغطاء وطني جامع يضم فتح وحماس وبقية الفصائل ستظل ضعيفة وقابلة للاهتزاز أمام الضغوط الداخلية والخارجية. وخلص إلى أن الإدارة التقنية قد تنجح في إدارة “الأزمة”، لكنها لا تملك أدوات حل “الصراع”.
الموقف الإسرائيلي
وعن المواقف الإقليمية والدولية، قال المسلماني إن إسرائيل ستتعامل مع هذا الطرح برفض واضح، إذا رأت فيه وجود حماس “خلف الستار”. وأوضح أن تل أبيب ستستخدم ملف الأمن وسلاح المقاومة كأدوات رئيسية لإفشال النموذج أو تفريغه من مضمونه.
وأضاف أن إسرائيل تفضّل أحد خيارين: إما فراغًا تُدار فيه غزة أمنيًا وفق أولوياتها، أو إدارة مدنية بلا أي امتداد وطني حقيقي، بما يضمن تحييد البعد السياسي للقضية الفلسطينية.
وأكد أن أي صيغة تحافظ على حضور حماس، ولو بشكل غير مباشر، ستُعد من وجهة النظر الإسرائيلية تهديدًا يجب احتواؤه أو تقويضه.
الحسابات الأمريكية
وفي ما يخص الولايات المتحدة، أوضح المسلماني أنها قد تتعامل مع الطرح بقدر من البراغماتية، طالما أن حماس ليست في الواجهة، ولا توجد فوضى أمنية شاملة. غير أنه شدد على أن هذا القبول سيكون مشروطًا بشروط أمنية صارمة.
وأشار إلى أن واشنطن ستربط أي دعم أو غطاء سياسي بقدرة اللجنة على “الضبط” الأمني، وفق التعريف الأمريكي، وهو ما يفتح الباب أمام ضغوط متواصلة قد تُفرغ النموذج من مضمونه الفلسطيني.
وأضاف أن الموقف الأمريكي سيبقى محكومًا بالتوازن بين الرغبة في الاستقرار ومنع الانفجار، وبين الالتزام بأولويات إسرائيل الأمنية.
الدور المصري والخليجي
ولفت المسلماني إلى أن مصر تبدو الطرف الأكثر واقعية ودعمًا للفكرة، شريطة تحقق جملة من الضوابط، في مقدمتها عدم الانزلاق إلى فوضى أمنية، وعدم انتقال عبء غزة إلى سيناء. واعتبر أن القاهرة تنظر إلى التكنوقراط بوصفهم حلًا مؤقتًا لا دائمًا.
أما دول الخليج، فأوضح أن موقفها يرتبط بالتمويل المشروط بالشفافية والضمانات، وعدم هيمنة الفصائل على القرار. وأضاف أن الدعم الخليجي سيبقى مرتبطًا بالموقف الأمريكي أكثر من ارتباطه بالتوافق الفلسطيني الداخلي.
وأكد أن هذا التداخل في الحسابات الإقليمية يجعل مستقبل اللجنة مرهونًا بتوازنات دقيقة تتجاوز الإطار الفلسطيني الصرف.
موقف السلطة الفلسطينية
وبشأن السلطة الفلسطينية، قال المسلماني إنها تتعامل مع الطرح بحذر وتوجس، خشية أن يؤدي إلى شرعنة نموذج بديل عنها في غزة. وأوضح أن قبولها المحتمل بالفكرة سيبقى مشروطًا بأن تكون اللجنة امتدادًا سياسيًا لها أو واقعة تحت مظلتها.
وأضاف أن هذا الموقف يعكس صراعًا أعمق على الشرعية والتمثيل، وليس مجرد خلاف إداري حول آليات إدارة القطاع.
وأشار إلى أن غياب توافق واضح بين السلطة وبقية القوى الفلسطينية سيضعف أي صيغة مطروحة، مهما بدت متماسكة من الخارج.
خطوة ذكية تكتيكيا
وختم المسلماني تقييمه بالقول إن إعلان حماس يُعد خطوة ذكية على المستوى التكتيكي، تعكس مرونة سياسية من دون تفكيك جوهر المشروع المقاوم. لكنه شدد على أن نجاح نموذج “الإدارة التقنية” يبقى مرهونًا بثلاثة شروط صعبة التحقيق.
اقرأ أيضا: إنقاذ إداري أم وصاية مقنّعة؟.. كيف يقيّم خبراء السياسة لجنة التكنوقراط في غزة؟
وأوضح أن هذه الشروط تتمثل في توفير غطاء وطني فلسطيني جامع، وكسر أو تخفيف القبضة الإسرائيلية، ووجود وضوح في العلاقة بين الإدارة المدنية والقوة العسكرية. وبدون ذلك، ستظل اللجنة مجرد واجهة إدارية لإدارة الركام.
وأكد أن غياب هذه الشروط سيجعل من النموذج المقترح أداة لإدارة الأزمة لا جسرًا حقيقيًا نحو الاستقرار أو الحل السياسي.
صلاحيات غير منقوصة
من جانبه، قال الدكتور أسعد العويوي، أستاذ القضية الفلسطينية والعلوم السياسية بجامعة القدس، إن جوهر عملية نقل الصلاحيات من حركة حماس إلى لجنة التكنوقراط الفلسطينية لا يكمن في الإعلان السياسي بحد ذاته، بل في طبيعة الصلاحيات التي ستُمنح لهذه اللجنة على أرض الواقع. وأكد أن نجاح أي نموذج إداري جديد في قطاع غزة يتطلب أن تكون اللجنة مخوّلة بصلاحيات كاملة، وأن تُمنح حرية حقيقية وشاملة في إدارة شؤون القطاع.
وأوضح العويوي أن اللجنة المرتقب أن يعمل عليها ما يُعرف بـ«مجلس السلام» ستكون أمام اختبار بالغ الصعوبة، في ظل حجم الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب، وتعقيدات الواقع السياسي والأمني المحيط بقطاع غزة. واعتبر أن منح اللجنة صلاحيات شكلية أو مقيدة سيحوّلها إلى إطار عاجز عن الفعل، وغير قادر على إحداث أي تغيير ملموس.
وشدد على أن أي حديث عن نقل صلاحيات لا يكتسب معناه الحقيقي ما لم يُترجم إلى تمكين فعلي للجنة من ممارسة مهامها دون تدخلات أو قيود تعيق قدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه.
شروط النجاح الموضوعية
وبيّن العويوي أن توفر الظروف الموضوعية هو المدخل الأساسي لنجاح لجنة التكنوقراط، وفي مقدمة هذه الشروط رفع الحصار المفروض على قطاع غزة بشكل فعلي. وأكد أن استمرار الحصار يجعل أي إدارة مدنية عاجزة بطبيعتها، مهما كانت كفاءتها أو طبيعة تشكيلها.
وأضاف أن إتاحة الفرصة لإعادة الإعمار تمثل شرطًا ثانيًا لا يقل أهمية، مشيرًا إلى أن إعادة ترتيب الأوضاع في قطاع غزة لا يمكن أن تتم في ظل منع دخول المواد الأساسية، أو تعطيل مشاريع إعادة البناء. ولفت إلى أن إعادة الإعمار يجب أن تُسبق بإعادة تنظيم الواقع الصحي والغذائي والتعليمي، بوصفها متطلبات أساسية للحياة اليومية.
وأوضح العويوي أن تحسين هذه القطاعات يشكل مقدمة ضرورية لأي عملية إعادة إعمار شاملة، تُمكّن المجتمع في غزة من استعادة الحد الأدنى من التوازن والاستقرار بعد الحرب المدمرة.
العائق الإسرائيلي المركزي
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن نجاح اللجنة سيبقى مرهونًا بشكل أساسي بموقف الطرف الإسرائيلي، الذي يملك القدرة على وضع معوّقات مباشرة أمام عملها. ولفت إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يطرح بالفعل عراقيل واضحة، ويضع ما وصفه بـ«العصي في الدواليب» أمام اللجنة وأمام مجلس السلام بشكل عام.

وأوضح أن أبرز هذه المعوّقات تتمثل في فرض الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على المعابر، والإشراف الدقيق والمشدّد على إدخال المساعدات والمواد إلى قطاع غزة. واعتبر أن هذا التحكم يشكل أداة ضغط مركزية تُستخدم لتعطيل أي محاولة حقيقية لإعادة تأهيل القطاع.
وأضاف أن هذه السياسة الإسرائيلية تحول دون البدء الفعلي بإعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة، وتُفرغ أي حديث عن إدارة مدنية جديدة من مضمونه العملي.
من القرار الإعلامي إلى التطبيق
وأكد العويوي أن الموقف المعلن من حركة حماس، سواء على المستوى الفلسطيني أو الدولي، يجب أن يُترجم إلى واقع عملي ملموس على الأرض، لا أن يبقى في إطار القرارات الإعلامية أو التصريحات السياسية. وشدد على أن تمكين لجنة التكنوقراط لا يمكن أن يتم نظريًا أو شكليًا.
وأوضح أن المطلوب هو إتاحة الفرصة الفعلية للجنة لتسلّم مهامها والبدء بالإشراف المباشر على إعادة ترتيب أوضاع قطاع غزة من جميع النواحي. واعتبر أن أي تأخير أو التفاف على هذا التمكين سيؤدي إلى فشل التجربة قبل أن تبدأ.
وأشار إلى أن غياب التطبيق العملي سيُبقي القطاع في حالة فراغ إداري، أو في حالة إدارة عاجزة لا تملك أدوات الفعل الحقيقي.
دور مجلس السلام والمعابر
وفي هذا السياق، شدد العويوي على أن مجلس السلام، إذا كان جادًا في إنجاح مهمة لجنة التكنوقراط، يجب أن يمتلك السيطرة الكاملة على المعابر. وأكد أن هذه السيطرة تشكل شرطًا حاسمًا لإدخال المواد اللازمة لإعادة التأهيل والإعمار.
وأوضح أن تمكين اللجنة من الانخراط في عملية إعادة تأهيل قطاع غزة يتطلب تدفقًا منتظمًا للمواد، بعيدًا عن القيود السياسية والأمنية الإسرائيلية. واعتبر أن المعابر تمثل الشريان الحيوي لأي خطة نهوض حقيقية في القطاع.
وأضاف أن استمرار التحكم الإسرائيلي في المعابر يعني عمليًا تعطيل قدرة اللجنة على تنفيذ أي برنامج عمل، مهما كان مدروسًا أو متكاملًا.
أولويات إنسانية عاجلة
وختم العويوي بالإشارة إلى وجود قضايا ملحّة وأساسية لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها إعادة تأهيل المستشفيات والمدارس. وأوضح أن هذه المرافق تمثل العمود الفقري لأي مجتمع يسعى إلى استعادة قدرته على الصمود بعد الحرب.
وأضاف أن البنية التحتية المرتبطة بالكهرباء والصرف الصحي والمياه العذبة تأتي في صلب هذه الأولويات، باعتبارها شروطًا لا غنى عنها لوصول السكان إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. وأكد أن غياب هذه الخدمات يحول الحياة اليومية إلى معركة بقاء مفتوحة.
وأشار إلى أن سكان قطاع غزة يعيشون ظروفًا بالغة القسوة بعد الحرب المدمرة، وأن نجاح أي لجنة تكنوقراط يجب أن يُقاس بقدرتها على تمكين الناس من الاستمرار في الحياة، لا بمجرد إدارة شكلية للأزمة.
وعي استراتيجي عميق
بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين، إن إعلان حركة حماس، عن جهوزيتها الكاملة لتسليم الحكم في قطاع غزة إلى لجنة تكنوقراط فلسطينية وطنية، يمثل خطوة إيجابية بالغة الأهمية في مسار المرحلة الانتقالية بعد وقف إطلاق النار.
وأوضح "شاهين"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن حماس أكدت صراحة استعدادها للتسليم الفوري، وأعدت البروتوكولات والملفات واللجان المشرفة، بل وأعلنت التزامها بتسهيل مهام اللجنة الوطنية في كل القطاعات، بما فيها الإدارية والخدمية، وهو موقف يعكس وعياً استراتيجياً عميقاً بالمتطلبات الراهنة.
وأكد "شاهين" أن دلالات هذه الخطوة تتجاوز البعد الإجرائي إلى البعد السياسي، فهي تفتح الباب أمام فك الارتباط بين الإدارة المدنية والوجود العسكري، وتعزز شرعية انتقالية فلسطينية موحدة تحت مظلة وطنية، بعيداً عن احتكار فصيلي.
فرص نجاح معتبرة
وأشار إلى أن نموذج الإدارة التقنية (التكنوقراطية) له فرص نجاح معتبرة إذا توفرت الشروط، التي يتصدرها إعادة فتح معبر رفح بحرية كاملة دون عوائق إسرائيلية، وتدفق المساعدات والإعمار، ودعم إقليمي ودولي حقيقي من مصر والأردن والسعودية وتركيا وقطر، فضلاً عن التزام أمريكي -في إطار مجلس السلام- بضمان عدم تدخل خارجي يعرقل العملية.

وشدد "شاهين" على أن الأطراف الإقليمية ستجد في هذا الموقف فرصة لإعادة ترتيب الأوراق نحو حل سياسي شامل، بينما الدوليون -خاصة واشنطن- يرون فيه خطوة نحو نزع السلاح التدريجي واستقرار مرحلي.
وأضاف: "إنه اختبار للجميع: هل نستطيع تحويل وقف النار إلى بداية إعادة بناء الدولة الفلسطينية؟".










