21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. بكير أتاجان يكتب: شرق الفرات.. نهاية الوهم وبداية الاصطدام بالواقع

ما يجري اليوم في شرق الفرات ليس “تفاهمًا تقنيًا” بين دمشق و”قسد”، ولا مجرد إعادة انتشار عسكري هنا أو إخراج قيادات هناك. ما يحدث هو تفكيك تدريجي لوهمٍ استمر أكثر من عقد.

بقلم: د. بكير أتاجان
١٣ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
9 مشاهدة
شرق الفرات

شرق الفرات

في السياسة لا يوجد فراغ. وكل كيان يُبنى على توازنات خارجية مؤقتة، يسقط عند أول تبدّل في المزاج الدولي. ما يجري اليوم في شرق الفرات ليس “تفاهمًا تقنيًا” بين دمشق و”قسد”، ولا مجرد إعادة انتشار عسكري هنا أو إخراج قيادات هناك. 

ما يحدث هو تفكيك تدريجي لوهمٍ استمر أكثر من عقد: وهم إمكانية تأسيس كيان عابر للحدود في قلب الجغرافيا السورية تحت مظلة ظرف دولي استثنائي.

المرحلة تغيّرت. والقواعد تغيّرت. ومن لا يقرأ التحول، سيدفع ثمن العناد.

سقوط طبقة القرار العابر للحدود

إخراج القيادات غير السورية المرتبطة بـ”العمال الكردستاني” ليس تفصيلًا إداريًا. إنه إعلان غير مباشر بأن زمن القرار المؤدلج القادم من الجبال انتهى داخل الجغرافيا السورية.

الرسالة واضحة: لن يكون شرق الفرات ساحة مفتوحة لمعادلات تتجاوز الحدود السورية.

وهذا التحول لا يخدم دمشق فقط، بل يخدم أيضًا كل من أدرك أن الاستثمار في مشروع عسكري–أيديولوجي بلا اعتراف إقليمي هو مغامرة طويلة الأمد بلا أفق سياسي.

منطق “القوة تحمي المشروع” سقط. اليوم، المشروع لا يعيش إلا إذا اعترف به محيطه.

أنقرة لا تفاوض على الأمن.. ودمشق لا تفاوض على السيادة

الخطأ الذي وقع فيه كثيرون هو الاعتقاد بأن تركيا ستتعايش إلى الأبد مع كيان تعتبره امتدادًا لخصمها التاريخي. هذا لم يكن واقعيًا يومًا.

كما أن الاعتقاد بأن دمشق ستقبل بتكريس ازدواجية سيادية دائمة على ثلث البلاد كان قراءة ساذجة لطبيعة الدولة السورية.

ما يجري الآن هو تقاطع حتمي بين حقيقتين صلبتين:

•   أنقرة تريد إنهاء التهديد البنيوي على حدودها.
•   دمشق تريد استعادة احتكار القرار السيادي.

لا عواطف هنا. لا شعارات. بل إعادة تموضع قاسية تحت ضغط الجغرافيا.

“قسد” أمام امتحان البقاء

اللحظة الحالية ليست لحظة انتصار ولا لحظة هزيمة. إنها لحظة اختيار.

إما أن تتحول “قسد” إلى قوة سورية داخل الدولة، أو تبقى مشروعًا معلّقًا على مزاج واشنطن وتبدلاته.

والتاريخ القريب يقول إن واشنطن لا تبني كيانات دائمة؛ تبني أدوات ظرفية. من لم يستوعب درس كابول، سيكرره في مكان آخر.

الاندماج لا يعني الذوبان الكامل، لكنه يعني الاعتراف بأن زمن “المنطقة المنفصلة” انتهى. الرهان على كيان مستقل بلا غطاء إقليمي صلب أصبح مغامرة خاسرة.

نهاية نموذج “الجيب المنفصل”

المجتمع الدولي لم يعد في مزاج تقسيم خرائط. المرحلة هي مرحلة تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار، لا إعادة هندسة الحدود.

فكرة “كردستان سورية” على نموذج العراق تتجاهل فروقًا جوهرية:

  • تركيبة ديموغرافية أكثر تعقيدًا.
  • حدود مفتوحة على خصم إقليمي مباشر.
  • غياب توافق كردي داخلي جامع.
  • وانكفاء دولي عن مشاريع الكيانات الجديدة.

الطموحات القومية لا تموت، لكنها تصطدم بالواقع حين تختل موازين القوى. والسياسة، في النهاية، فن إدارة الممكن لا مطاردة المستحيل.

لكن.. لا أحد منتصر بالكامل

ومع ذلك، من يعتقد أن المسار محسوم يخطئ أيضًا.

الدمج الشكلي سيُبقي التوتر كامناً. وغياب ضمانات دستورية حقيقية سيعيد إنتاج الأزمة بعد سنوات.

إذا لم تُترجم التفاهمات الأمنية إلى صيغة سياسية واضحة تحمي الحقوق ضمن إطار الدولة، فإن الاستقرار سيكون هشًا، وقابلًا للاهتزاز عند أول تغير إقليمي.

الفرق بين التسوية والانفجار أحيانًا مادة دستورية واحدة.

ما الذي يتغيّر فعلاً؟

إذا نجح المسار، ستستعيد الدولة السورية مساحات واسعة دون حرب شاملة. وسينتهي نموذج “القوة الموازية” الذي عاش على استثنائية الحرب.

أما إذا فشل، فسنعود إلى الجيوب الأمنية، والولاءات المتداخلة، والرهانات الخارجية.

لكن المؤكد أن مرحلة ما بعد 2014 ليست هي مرحلة 2026. والأوهام التي وُلدت في ذروة الفوضى لا تعيش في زمن إعادة ترتيب الإقليم.

الخلاصة الصريحة

شرق الفرات يدخل مرحلة إعادة تعريف عميقة.

لا أحد يخرج منتصرًا بالكامل، ولا أحد يستطيع فرض معادلة أحادية. إنه توازن ضرورات قاسٍ، ومن لا يقرأ ميزان القوى كما هو، لا كما يشتهي، سيجد نفسه خارج المعادلة.

السياسة لا ترحم المتأخرين عن فهم اللحظة. واللحظة اليوم تقول بوضوح: المرحلة مرحلة دول، لا حركات. مرحلة تسويات، لا مشاريع عابرة للحدود.

والتاريخ لا ينتظر أحدًا.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. بكير أتاجان يكتب: شرق الفرات.. نهاية الوهم وبداية الاصطدام بالواقع - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°