اختار معظم القادة الأوروبيين السير في مسار حذر بين تقديم دعم محدود للعدوان الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران والتحذير من خطر اندلاع صراع إقليمي واسع. غير أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز اتخذ موقفًا مختلفًا، إذ انتقد العدوان الأمريكي بشكل علني، وهو ما أثار غضب البيت الأبيض وتهديدات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن بدل التراجع، شدد سانشيز وحكومته موقفهما، مؤكدين رفضهم للعدوان الأمريكي ومتمسكين بقرار منع استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في إسبانيا لدعم العدوان على إيران.
توتر بين مدريد وواشنطن
ترتبط إسبانيا بعلاقات تجارية واستثمارية واسعة مع الولايات المتحدة، كما أنها عضو في حلف شمال الأطلسي. ويزور البلاد سنويًا ملايين السياح الأمريكيين، إذ بلغ عددهم العام الماضي نحو أربعة ملايين زائر.
كما أعلنت شركة أمريكية كبرى للتجارة الإلكترونية هذا الشهر توسيع استثماراتها في مراكز البيانات في إسبانيا لتصل إلى نحو أربعين مليار دولار.
إلى جانب العلاقات الاقتصادية، تستضيف إسبانيا منشآت عسكرية أمريكية مهمة في جنوب البلاد، في قاعدتي روتا ومورون. وكانت مسألة استخدام هاتين القاعدتين هي الشرارة التي أشعلت الخلاف الأخير، بعدما منعت الحكومة الإسبانية استخدامهما لدعم الضربات العسكرية على إيران.
تهديدات أمريكية
خلال مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء، أبدى ترامب غضبه من الموقف الإسباني وهدد بقطع العلاقات التجارية مع مدريد. وقال إن الولايات المتحدة يمكنها استخدام القواعد العسكرية في إسبانيا إذا أرادت ذلك، مضيفًا أن واشنطن قادرة على الوصول إليها واستخدامها دون أن يمنعها أحد.
وجاء رد سانشيز سريعًا، إذ ظهر على شاشة التلفزيون الوطني بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من تصريحات ترامب، موجهًا رسالة واضحة قال فيها إن موقف بلاده هو رفض الحرب.
ووصف العدوان الأمريكي والإسرائيلي بأنه متهور وغير قانوني، مؤكداً أن إسبانيا لن تكون شريكة في عمل يرى أنه يضر بالعالم ويتعارض مع قيمها ومصالحها.
وأضاف أن بلاده لن تتخذ موقفًا مخالفًا لقناعاتها خوفًا من أي إجراءات انتقامية.
انتقادات حادة
اتهم سانشيز الولايات المتحدة بالتصرف بطريقة تشبه لعبة خطيرة تهدد مصير ملايين البشر. كما وجه انتقادًا غير مباشر إلى ترامب، مؤكدًا أن القادة ملزمون بتحسين حياة شعوبهم.
وقال إن من غير المقبول أن يلجأ بعض القادة إلى إشعال الحروب لإخفاء إخفاقاتهم السياسية، مضيفًا أن الحروب قد تصبح وسيلة يستفيد منها عدد محدود من الأشخاص على حساب استقرار العالم.
نفي إسباني
بعد تهديدات ترامب التجارية، أعلن البيت الأبيض أن الضغوط الأمريكية دفعت إسبانيا إلى الموافقة على التعاون مع الجيش الأمريكي.
لكن الحكومة الإسبانية سارعت إلى نفي هذا الادعاء. فقد أكد وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس أن موقف مدريد لم يتغير إطلاقًا، سواء فيما يتعلق بالحرب في الشرق الأوسط أو بقصف إيران أو باستخدام القواعد العسكرية الإسبانية.
معضلة أوروبية
أطلق ترامب تهديداته لإسبانيا خلال اجتماع في البيت الأبيض مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي اكتفى بالصمت، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً على الحرج الأوروبي في التعامل مع الرئيس الأمريكي.
وخلال العام الماضي حاول العديد من القادة الأوروبيين احتواء ترامب عبر مزيج من المجاملات السياسية والتنازلات المحدودة، مع وضع خطوط حمراء في بعض الملفات، مثل رفض الطموحات الأمريكية بشأن جرينلاند التي تتمتع بحكم ذاتي تحت السيادة الدنماركية.
وفي سياق مشابه، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته في وقت سابق إن القادة يضطرون أحيانًا لاستخدام لغة قوية في السياسة الدولية.
لكن الأزمة الحالية تركز على مسألة السماح باستخدام القواعد العسكرية الأوروبية لدعم الضربات الأمريكية.
مواقف أوروبية متفاوتة
أشاد ترامب بألمانيا ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني بسبب تعاونهما مع واشنطن. وقال في مقابلة مع صحيفة إيطالية إنه يحب إيطاليا ويعتقد أن ميلوني قائدة متميزة.
في المقابل، لم يبد ترامب الحماس نفسه تجاه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
ففي البداية رفضت بريطانيا طلبًا أمريكيًا باستخدام قواعدها العسكرية لشن ضربات على إيران، قبل أن يعلن ستارمر لاحقًا السماح باستخدامها في عمليات دفاعية.
لكن هذا التنازل لم يرض ترامب، الذي قال إن ستارمر ليس مثل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل.
وعندما أعلنت بريطانيا إرسال حاملة طائرات إلى البحر المتوسط، سخر ترامب من الخطوة قائلاً إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى من ينضم إلى الحروب بعد انتهائها.
سانشيز وترامب
في المقابل، حافظ سانشيز على موقف ثابت، كما ظل مصدر إزعاج سياسي لترامب في عدة ملفات، من بينها قضية غرينلاند والعلاقات مع الصين والإنفاق الدفاعي.
وفي يناير الماضي انتقد ترامب إسبانيا بعد رفضها رفع الإنفاق الدفاعي إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي بحلول عام 2035 مثل بقية أعضاء الحلف.
ورد سانشيز قائلاً إن بلاده ضاعفت إنفاقها الدفاعي ثلاث مرات منذ توليه رئاسة الحكومة.
حسابات سياسية داخلية
رغم المخاطر التي قد تترتب على الخلاف مع ترامب، يرى بعض المحللين أن موقف سانشيز قد يكون مفيدًا سياسيًا داخل إسبانيا.
فقد قال الباحث باكو كاماس دارسيا إن سانشيز يستخدم السياسة الخارجية لاستعادة المبادرة السياسية في الداخل.
وأضاف أن الساحة الدولية تمنحه فرصة لإظهار القيادة والوضوح الاستراتيجي، كما تضع حزب الشعب المحافظ المعارض في موقف صعب.
ويشير كاماس جارسيا إلى أن شعبية ترامب في إسبانيا منخفضة للغاية، إذ أظهر استطلاع رأي أُجري في فبراير أن نسبة تأييده لا تتجاوز ستة عشر في المئة.
ولذلك فإن انتقاد المعارضة لموقف سانشيز قد يجعلها تبدو وكأنها تقف إلى جانب رئيس أمريكي لا يحظى بتأييد واسع بين الناخبين الإسبان.
ذاكرة حرب العراق
يدرك سانشيز أيضًا أن معارضة حزبه الاشتراكي لحرب العراق كانت عاملًا مهمًا في فوزه بالانتخابات عام 2004. وقد قارن في تصريحات سابقة بين الحملة العسكرية الحالية ضد إيران والحرب على العراق.
الاقتصاد والعلاقات التجارية
رغم تهديدات ترامب التجارية، يرى بعض الخبراء أن تأثيرها الاقتصادي قد لا يكون كبيرًا كما يبدو. فإسبانيا، وهي رابع أكبر اقتصاد في أوروبا، لا تعتمد بشكل كبير على التجارة مع الولايات المتحدة، إذ لا تتجاوز نسبتها نحو خمسة في المئة من إجمالي تجارتها الخارجية.
كما أن الاتحاد الأوروبي سيكون ملزمًا بالدفاع عن أي دولة عضو تتعرض لإجراءات تمييزية.
مع ذلك، تعتمد إسبانيا على الولايات المتحدة في جزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال.
صراع مع شركات التكنولوجيا
هناك جانب آخر من التوتر بين سانشيز والنفوذ الأمريكي يتمثل في انتقاداته لشركات التكنولوجيا الأمريكية.
فقد تعرض هو وعائلته لسنوات لحملات إساءة على وسائل التواصل الاجتماعي، واتهم هذه الشركات بعدم القيام بما يكفي لمواجهة خطاب الكراهية.
وفي يناير الماضي أعلن سانشيز أن بلاده ستمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون السادسة عشرة، منتقدًا تأثير هذه المنصات في المجتمع.
مواجهة مباشرة
بعد ثماني سنوات في رئاسة الحكومة، يبدو أن سانشيز لم يعد مترددًا في مواجهة ترامب أو حركة ماجا والتيار السياسي المؤيد له في الولايات المتحدة.
ويشير مراقبون إلى أن رئيس الوزراء الإسباني يرى في هذه المواجهة فرصة لإبراز استقلالية بلاده السياسية، حتى لو أدى ذلك إلى توتر مع واشنطن.







