قال الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان، إنه في أوقات الحروب، تميل الأنظار إلى متابعة الصور الأكثر وضوحاً: الصواريخ، الطائرات، والتحركات العسكرية على الأرض. غير أن "أتاجان " يؤكد على أن التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى في ميزان القوى لا تُحسم دائماً في ساحات القتال، بل كثيراً ما تُحسم في مجال آخر أكثر عمقاً وتأثيراً: مجال الثقة بالنظام المالي والعملة المهيمنة.
وأوضح "أتاجان"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن اليوم، وبينما تتصاعد التوترات حول مضيق هرمز، يبرز هذا السؤال مجدداً: هل نحن أمام مواجهة عسكرية تقليدية، أم أمام لحظة اختبار حقيقية لهيمنة الولايات المتحدة والنظام المالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية؟
وأشار إلى أن أحد أبرز من طرحوا هذا السؤال هو المستثمر الأمريكي المعروف Ray Dalio، مؤسس شركة Bridgewater Associates، والذي يرى أن التركيز على المعركة العسكرية قد يكون مضللاً. فبرأيه، الصراع الحقيقي يدور حول الدولار والثقة العالمية بالنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.
مضيق هرمز: نقطة الاختبار الجيوسياسية
وشدد "أتاجان" على أن مضيق هرمز لا يمثل مجرد ممر مائي ضيق في الخليج، بل يعد أحد أهم المفاصل الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي. فمن خلاله يمر ما يقارب 20٪ من تجارة النفط العالمية ونحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وبين الباحث التركي أن هذه الأرقام تعني أن أي اضطراب في أمن الملاحة داخل المضيق لا يقتصر تأثيره على منطقة الخليج، بل يمتد مباشرة إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
وأضاف: "لذلك فإن السؤال الحاسم في أي مواجهة حول المضيق ليس فقط من يمتلك التفوق العسكري، بل: هل تستطيع التجارة العالمية المرور عبر هذا الممر الحيوي دون تهديد أو ابتزاز سياسي؟
وأكد "أتاجان" أنه إذا أصبحت حركة الملاحة مرهونة بإرادة طرف إقليمي، فإن ذلك قد يُفسَّر عالمياً على أنه تراجع في قدرة القوة المهيمنة على حماية النظام الاقتصادي الذي تقوده.
التاريخ كمرآة للتحولات الكبرى
لفهم خطورة مثل هذه اللحظات، يسترجع الباحث في شؤون الشرق الأوسط تجربة تاريخية مفصلية: أزمة السويس
وقال "أتاجان" إنه عندما أممت مصر قناة السويس عام 1956، تدخلت بريطانيا وفرنسا عسكرياً لاستعادة السيطرة على الممر الاستراتيجي. ورغم أن العملية العسكرية لم تكن هزيمة عسكرية مباشرة، فإن الضغوط الدولية – وخاصة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي – أجبرت لندن على التراجع.
ولفت إلى أن النتيجة لم تكن مجرد انسحاب عسكري، بل تحولت إلى نقطة انعطاف تاريخية. فمنذ تلك اللحظة بدأت الإمبراطورية البريطانية تفقد موقعها القيادي، وبدأ الجنيه الإسترليني يتراجع تدريجياً عن مكانته كعملة احتياطية عالمية.
ويرى "أتاجان" أن التاريخ يقدم نمطاً متكرراً في مثل هذه التحولات: قوة مهيمنة تُختبر في ممر تجاري حيوي، تفشل في فرض إرادتها أو تضطر للتراجع، ثم تتآكل الثقة العالمية، وتبدأ حركة انتقال رؤوس الأموال نحو قوة صاعدة.
منطق الحرب غير المتماثلة
وأشار "أتاجان" إلى أنه في السياق الحالي، يرى بعض المحللين أن إيران تعتمد استراتيجية مختلفة عن الحسابات العسكرية التقليدية. فبدلاً من محاولة تحقيق تفوق عسكري مباشر على الولايات المتحدة، قد يكون الهدف هو إطالة أمد الأزمة ورفع كلفتها الاقتصادية والسياسية.
وأوضح أنه في الحروب غير المتماثلة، غالباً ما يعتمد الطرف الأضعف على عاملين رئيسيين: الزمن ورفع تكلفة الصراع على الخصم
ووفق "أتاجان"، أثبتت تجارب تاريخية عديدة أن القوى الكبرى تمتلك قدرة عسكرية هائلة، لكنها غالباً ما تواجه صعوبة في خوض صراعات طويلة عندما تتحول تكلفتها الاقتصادية والسياسية إلى عبء داخلي.
معضلة القرار في واشنطن
وأكد الباحث التركي أن هذا السياق يضع الإدارة الأمريكية سواء بقيادة دونالد ترامب أو غيره أمام معادلة معقدة.
وتابع: "فأي تهديد للملاحة في مضيق هرمز قد يُفسَّر كاختبار مباشر لقدرة الولايات المتحدة على حماية النظام الدولي الذي تقوده. وفي المقابل، فإن التصعيد العسكري الواسع قد يحمل مخاطر اقتصادية وسياسية داخلية، خاصة في ظل حساسية الاقتصاد الأمريكي لأسعار الطاقة وتقلبات الأسواق".
وبين هذين الخيارين، يرى "أتاجان" أن القرارات الاستراتيجية أكثر تعقيداً من مجرد حسابات عسكرية.
الذهب والدولار: معركة الثقة
ونوّه "أتاجان" إلى أنه في مثل هذه اللحظات التاريخية، تتجه أنظار المستثمرين إلى مؤشر آخر أكثر هدوءاً لكنه شديد الدلالة: حركة رؤوس الأموال.
وشرح ذلك بالقول إنه عندما تهتز الثقة بالنظام المالي أو بالعملة المهيمنة، غالباً ما يبحث المستثمرون عن ملاذات تقليدية مثل الذهب. ولهذا السبب يحتفظ كثير من كبار المستثمرين بحصص معتبرة من المعدن النفيس في محافظهم الاستثمارية، تحسباً لاحتمالات التحول في النظام المالي العالمي.
وأردف: "فالتحولات الكبرى في التاريخ – من انتقال مركز القوة من إسبانيا إلى هولندا، ثم من بريطانيا إلى الولايات المتحدة – لم تحدث فقط عبر الحروب، بل عبر تغيرات تدريجية في الثقة المالية والاقتصادية العالمية".
لحظة اختبار للنظام الدولي
وشدد "أتاجان" على أن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بنتيجة مواجهة عسكرية محتملة في الخليج، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أوسع: هل سيظل النظام الدولي الذي تشكل بعد عام 1945 قائماً على الهيمنة الأمريكية والدولار؟ أم أن التوترات الجيوسياسية والاقتصادية المتصاعدة قد تفتح الباب أمام تحولات أعمق في بنية النظام العالمي؟
وأكد أن الإجابة على هذا السؤال لن تتحدد في يوم واحد أو في معركة واحدة، لكنها ستتبلور عبر سلسلة من الأزمات والاختبارات الاستراتيجية – وربما يكون مضيق هرمز أحد أهم هذه الاختبارات.










