4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

مجلس السلام الترامبي يربك إسرائيل ويعمّق أزمتها السياسية الداخلية

لا يبدو «مجلس السلام» مجرد آلية لإدارة ما بعد الحرب، بل عاملًا إضافيًا في تفكيك المشهد السياسي الإسرائيلي من الداخل، وكاشفًا لوهم التفوق والسيطرة المطلقة.

بقلم: عمرو المصري
٢١ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
9 مشاهدة
مجلس السلام الترامبي يربك إسرائيل ويعمّق أزمتها السياسية الداخلية

مجلس السلام الترامبي يربك إسرائيل ويعمّق أزمتها السياسية الداخلية

بعد مرور عام على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بات واضحا أن التعامل الأمريكي مع الملف الفلسطيني–الإسرائيلي لم يعد يقتصر على الطابع الفج والمتصهين فقط، بل أصبح براجماتيا أيضا. فقد طرح ترامب خطته المكونة من 20 بندًا لإنهاء الحرب على غزة، وربطها بإنشاء كيان دولي جديد أطلق عليه اسم «مجلس السلام»، يتولى الإشراف على الانتقال من وقف إطلاق النار إلى مرحلة الإدارة المؤقتة وإعادة الإعمار ونزع السلاح.

إسرائيل، التي اعتادت على دور أمريكي داعم بلا شروط، فوجئت بأن المبادرة الجديدة لا تمنحها الهيمنة الكاملة على مسار ما بعد الحرب، بل تُدخل أطرافًا إقليمية ودولية لطالما اعتبرتها تل أبيب «خصومًا مباشرين أو غير موثوقين»، مثل تركيا وقطر، وتُقصيها عمليًا عن التحكم الحصري في مستقبل غزة، وهو ما فجّر أزمة سياسية داخلية غير مسبوقة.

موقف الحكومة

الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية اتسم بالتناقض والارتباك أكثر من الرفض الصريح. ففي بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في يناير 2026، جرى التعبير عن «عدم الرضا» عن تركيبة المجلس، مع التأكيد أن إسرائيل «لم تُنسق مسبقًا» بشأن تشكيل اللجنة التنفيذية العليا.

هذا الاعتراض الشكلي أخفى خلفه قلقًا أعمق، يتمثل في أن المجلس، بصيغته الحالية، ينتزع من إسرائيل إحدى أهم أوراقها: التحكم المطلق بمسار غزة أمنيًا وسياسيًا. فوجود آلية دولية للإشراف، حتى وإن كانت برئاسة ترامب، يُعد سابقة تقوض مبدأ «السيادة الأمنية المطلقة» الذي ترفعه الحكومات اليمينية المتعاقبة.

وزير الخارجية جدعون ساعر سارع إلى فتح قنوات اتصال عاجلة مع واشنطن، ليس لإسقاط المجلس، بل لمحاولة تقليص دور الدول غير المرغوب بها إسرائيليًا، في مؤشر على أن الحكومة لا تملك القدرة ولا الرغبة في مواجهة ترامب مباشرة.

غضب اليمين

داخل الائتلاف الحاكم، انفجر الغضب بصورة أكثر حدّة. وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش اعتبر «مجلس السلام» خطرًا استراتيجيًا، ووصفه بأنه «صفقة سيئة تُفرض على إسرائيل»، داعيًا إلى فرض حكم عسكري كامل على غزة، واستئناف الحرب حتى «تفكيك حماس بالكامل دون وسطاء».

أما وزير ما يعرف بـ"الأمن القومي"، المتطرف إيتمار بن غفير، فذهب أبعد من ذلك، وهاجم فكرة إعادة الإعمار ذاتها، معتبرًا أن غزة لا تحتاج إلى «لجان دولية»، بل إلى «اجتثاث كامل للمقاومة»، في خطاب يعكس الذهنية الإقصائية التي تحكم الجناح الأكثر تطرفًا في الحكومة.

هذا التصعيد لم يكن مجرد مزايدة خطابية، بل حمل تهديدًا ضمنيًا لاستقرار الائتلاف، إذ ترتبط هذه القوى ببقاء نتنياهو في الحكم مقابل التزامه بخيار القوة المطلقة، ورفض أي صيغة سياسية تتجاوز السيطرة الإسرائيلية المباشرة.

نتنياهو المأزوم

بنيامين نتنياهو وجد نفسه في وضع بالغ الحساسية. فمن جهة، يعتمد سياسيًا واستراتيجيًا على ترامب في مواجهة الضغوط الدولية المتصاعدة، سواء في ملفات جرائم الحرب أو الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية. ومن جهة أخرى، يدرك أن أي انخراط فعلي في «مجلس السلام» سيُفسَّر داخليًا كتنازل خطير يمس جوهر المشروع اليميني.

لذلك حاول نتنياهو التخفيف من وقع المبادرة، عبر الادعاء بأن مشاركة تركيا وقطر «شكلية» وأن صلاحياتهما محدودة، وهو خطاب يتناقض مع الوقائع الواردة في ميثاق المجلس، ويكشف عن محاولة لشراء الوقت لا أكثر.

هذا التناقض يعكس هشاشة موقع نتنياهو نفسه، الذي لم يعد قادرًا على فرض روايته لا على حلفائه في الداخل، ولا على شريكه الأمريكي في الخارج.

المعارضة الإسرائيلية

على الضفة الأخرى، تعاملت المعارضة الإسرائيلية مع «مجلس السلام» بوصفه فرصة سياسية نادرة لتوجيه ضربة مباشرة لنتنياهو. يائير لابيد، زعيم المعارضة، وصف ما جرى بأنه «فشل دبلوماسي ذريع»، معتبرًا أن الحكومة أوصلت إسرائيل إلى وضع تُفرض فيه ترتيبات إقليمية دون موافقتها.

لابيد ربط بين ظهور تركيا وقطر في المشهد الغزّي وبين سياسات نتنياهو، متهمًا إياه بإضاعة الفرصة لقيادة مسار دولي بديل، والانشغال بحسابات بقائه الشخصي على حساب المصالح الاستراتيجية.

قوى يسارية ووسطية أخرى (مثل حزب العمل) ذهبت إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن «مجلس السلام» هو نتيجة طبيعية لسياسات الحرب المفتوحة، وأن إسرائيل تدفع اليوم ثمن رفضها الدائم لأي أفق سياسي حقيقي، ما جعلها عبئًا حتى على أقرب حلفائها.

مجلس السلام.. عبء داخلي إسرائيلي

عمليًا، تحوّل «مجلس السلام» إلى عبء سياسي داخلي ثقيل على الحكومة الإسرائيلية، وليس مجرد خلاف دبلوماسي عابر. فهو يكشف حدود النفوذ الإسرائيلي، ويُظهر أن الدعم الأمريكي لم يعد مجانيًا أو غير مشروط، بل مرتبطًا بقبول ترتيبات لا تنسجم مع الرؤية اليمينية المتطرفة.

كما أنه يعمّق الانقسامات داخل الائتلاف، ويمنح المعارضة مادة هجومية فعالة، في وقت يواجه فيه نتنياهو أزمات قضائية وشعبية متراكمة. وفي حال مضى ترامب قدمًا في تفعيل المجلس، ستجد الحكومة نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بما تعتبره «وصاية دولية مقنّعة»، أو الدخول في صدام مع واشنطن قد يكلّفها غطاءها السياسي الدولي.

في هذا السياق، لا يبدو «مجلس السلام» مجرد آلية لإدارة ما بعد الحرب، بل عاملًا إضافيًا في تفكيك المشهد السياسي الإسرائيلي من الداخل، وكاشفًا لوهم التفوق والسيطرة المطلقة الذي طالما روجت له الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

مجلس السلام الترامبي يربك إسرائيل ويعمّق أزمتها السياسية الداخلية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°