قال الكاتب والسياسي الفلسطيني، سميح خلف، إن المعركة الحقيقية والاستراتيجية للاحتلال تكمن في الضفة الغربية، وهي مشروعه الأساسي في إعلان الدولة اليهودية على الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأوضح "خلف"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن غزة تبقى قضية أمنية، وبعد السابع من أكتوبر أصبحت تمثل لهم قضية أمنية، إضافة إلى كونها مخزونًا استراتيجيًا للطاقة كالغاز والبترول. مشيرا إلى أنه ربما أيضًا فُتحت شهية إسرائيل في تقاسم النفوذ في غزة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، مشبّهًا غزة بـ«الريفيرا» وطامعًا في امتلاكها، وهذه الرغبة والأطماع أتت لاحقًا في خطته العشرين وما يسمى مجلس السلام.
الضفة حاضرة في فكر الاحتلال
وأكد "خلف" أن الضفة الغربية، في المعتقدات الإسرائيلية اليهودية تُسمى «يهودا والسامرة»، أي مملكتي إسرائيل، وبالتالي لم تخرج الضفة عن تفكير الحكومة الإسرائيلية في الضم يومًا ما، وإن أخذت برامجهم الاستيطانية في الضفة الغربية أزمنة متدرجة بناءً على الوضع الإقليمي والدولي.
اقرأ أيضا: الخليل تحت الضم الصامت: قرارات الكابينيت تُسقط بروتوكول 1997 وتسرّع سيادة الاحتلال
ولفت إلى أنه قبل أوسلو كانت حركة الاستيطان قليلة جدًا، ثم زادت بعد اتفاق أوسلو بنسب مئوية مخيفة، حتى وصل الاستيطان إلى ما يقارب 650 ألف مستوطن، إضافة إلى الطرق الالتفافية التي تأخذ مساحات أمنية وجغرافية كبيرة جدًا بكل المقاييس.
وبيّن "خلف" أن الواقع الإقليمي والذاتي الفلسطيني تغير بهذه الاتفاقية، بما سمح للإسرائيليين بالتمدد الاستيطاني، إضافة إلى الهيمنة الأمريكية على مجلس الأمن من خلال الفيتو الأمريكي. وبرغم أن الموقف الأمريكي المعلن للرئيس ترامب يرفض تهويد الضفة الغربية، إلا أن الموقف الأمريكي الفعلي والعملي يلازمه الصمت، بينما تتصاعد حركة المستوطنين وعنفهم في الضفة، وما يطرحه بن غفير وسموتريتش وكاتس من تفريغ مضمون حل الدولتين، وجعل الضفة عبارة عن مربعات سكنية فقط، أي كانتونات يحيطها تمدد استيطاني ديموغرافي إسرائيلي.
وأضاف: "أتى التطبيق المفضوح لضم الضفة الغربية نتيجة مشروع القرار الذي قدمه سموتريتش للكابينت الإسرائيلي، وبالطبع وافق عليه، ومنحه حرية التملك ليس في المنطقة C فقط بل في المنطقتين A وB، ويُعد ذلك تشريعًا قانونيًا في وجهة نظرهم، بعد قرار سابق في الكنيست الإسرائيلي بالموافقة على إبداء الرأي بشأن ضم الضفة الغربية، وهو قرار غير ملزم للحكومة الإسرائيلية". وسبق هذا القرار الكشف عن الطابو العثماني والبريطاني للملكية في فلسطين، ما يتيح لإسرائيل تسجيل عقارات وأراضٍ كثيرة جدًا في الضفة الغربية كأملاك غائبين، ويُعتبر هذا نموذجًا آخر للضم، كما حدث في 452 قرية فلسطينية هُجّر أصحابها عام 1948، التي سُجلت كأملاك غائبين، ويتم استخدام هذه الأراضي من خلال المستوطنين.
ما وراء تعجيل لقاء نتنياهو وترامب
وأشار السياسي الفلسطيني إلى أنه كان مقررًا زيارة نتنياهو ومقابلة ترامب في أواخر هذا الشهر، ولكن ربما كانت هناك أمور مستجدة جعلت نتنياهو يستعجل لقاء الرئيس الأمريكي. أعتقد أن من أهم الأسباب المفاوضات التي تجري بين أمريكا وإيران في سلطنة عُمان، والتي أتت بعد حشود ضخمة للقوات الأمريكية في المنطقة تحت سياسة فرض السلام بالقوة.
اقرأ أيضا: إسماعيل المسلماني: قرارات الكابينيت تكرس ضم الضفة.. والضغط الدولي محدود
وأردف: "في كل الحسابات، وكما أوضح الرئيس ترامب اليوم، فإن أي عمل عسكري سيكون الجميع خاسرًا فيه، أي إيران وأمريكا، إضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية على ترامب كي لا يُشعل حربًا قد تصبح عالمية، وهي إحدى أوراق القوة للموقف الإيراني، الذي يحصر التفاوض حول تخصيب اليورانيوم، في حين يريد نتنياهو ضربة قاصمة لإيران أو توريط العالم في حرب عالمية".
وتوقع "خلف" ظهور معلومات أمنية حديثة ومستجدة حول طبيعة الاستعدادات الإيرانية للمواجهة، تخشى إسرائيل من تأثيراتها، في حال لم تحقق الضربة الأمريكية الإسرائيلية نتائج كبيرة. وتأتي هذه الزيارة بمطلب واحد لنتنياهو، وهو أن تشمل المفاوضات الصواريخ الباليستية التي يزيد مداها عن 400 كيلومتر، في حين أن الأمريكيين، وحتى الآن، يحصرون جدول الأعمال بمقدار تخصيب اليورانيوم.
الصراع الانتخابي القادم
وشدد "خلف" على أن هناك صراع انتخابي قادم في نهاية هذا العام في إسرائيل، وحتى الآن لم يحقق نتنياهو نصرًا مطلقًا في غزة، ولم يقضِ على سلاح المقاومة، ولن تكون هناك قوة يمكن أن تسيطر أمنيًا على غزة سوى من يحكمها الآن.
وزاد: "هنا تأتي فكرة النصر المطلق في ظل أزمات كبيرة وخانقة يمر بها المجتمع الإسرائيلي نتيجة الحرب، والهجرة المعاكسة، والبطالة، وعدم عودة سكان الشمال، ما قد يؤثر على الانتخابات لصالح المعارضة الإسرائيلية. ولذلك لم يدخل نتنياهو المرحلة الثانية حتى الآن، وتوعد بحرب أخرى في غزة إن لم يُسحب سلاح حماس حتى 60 ألف قطعة سلاح خفيف، ويُعيق ذلك عمل خطة ترامب في مرحلتها الثانية".
اقرأ أيضا: تمارا حداد: قرارات ضم الضفة تمثل إعلان وفاة أوسلو السياسية
وقال إنه من ضمن الأوراق الضاغطة على الرئيس ترامب هو إفشال خطته في غزة، وبالتالي قد يعطي نتنياهو بعض التنازلات مقابل التشدد في المفاوضات الأمريكية مع إيران، إضافة إلى ورقة ضغط أخرى أعتقد أن وراءها قوة أمنية قد لا يبتعد الموساد عنها، في التأثير على الدولة العميقة في أمريكا، بنشر فضائح الطبقة الحاكمة ورجال الأعمال، وظهور ترامب في أكثر من وسيلة وصورة.
وأوضح "خلف" أن ما يخيف نتنياهو أن المفاوضات بين الأمريكيين وإيران ترسم نفوذ القوى الإقليمية وإعادة صياغتها في المنطقة، فإيران تمثل تهديدًا استراتيجيًا للدور الوظيفي لإسرائيل في الشرق الأوسط، وبالتالي سيرمي نتنياهو بثقل أوراقه للضغط على ترامب والإدارة الأمريكية كي لا يقدما تنازلات في المشروع النووي والصواريخ الباليستية. لكن يبقى موقف الرئيس ترامب، بطبيعته النرجسية، رافضًا للابتزاز بالشكل المكشوف، وسيأخذ بشعار «أمريكا أولًا» ومصالح أمريكا أولًا، وهذا ظهر في خطته العشرين التي سحب فيها مشروع إسرائيل في غزة من احتلالها بالكامل، وحوّل مبدأ الاحتلال من مشروع إسرائيلي إلى مشروع دولي تقوده أمريكا.
الموقف المنوط بالسلطة
وأكد "خلف" أن أوسلو سقطت بمجرد وصول نتنياهو للحكم واليمين المتطرف، وهذا موقف معلن من نتنياهو. لم يبقَ للسلطة إلا شؤون إدارية وأمنية، وتأخذ مقابلها أموال المقاصة والدعم الأوروبي. وبرغم أن السلطة استجابت لمبدأ الإصلاحات المطروح أوروبيًا وأمريكيًا، مثل تعديل مناهج التعليم وقطع رواتب الأسرى، فإن السلطة بالنسبة لإسرائيل لا تمثل إطارًا تمثيليًا أو سياسيًا يمكن التفاوض معه الآن، لأن حكومة إسرائيل ترفض مبدأ حل الدولتين.
ونوّه أن السلطة لم يعد لديها أي أوراق قوة يمكن أن تساهم في المتغيرات الحادثة في المنطقة، لا في غزة ولا في الضفة. وإن كان لديها ورقة قوة، فهي اعتراف غالبية المجتمع الدولي بالدولة الفلسطينية، ولكن هذه القصة يمكن أن تتجاوزها إسرائيل بعملية الضم غير المعلن، والذي سيكون جغرافيًا وديموغرافيًا على الأرض في الضفة، في حين أن مستقبل غزة انتُزع منها تمامًا. إذن، حل الدولتين سقط ولم يعد موجودًا عمليًا على الأرض.

وتابع: "لذلك، أمام السلطة دخول المعركة والمواجهة مع إسرائيل، ليس مواجهة مسلحة تكون ذريعة لتدمير الضفة كغزة، ولكن يمكن من خلال إضراب شامل وطويل الأمد، أو عصيان مدني شامل، وهذا لا يأتي إلا باستحداث قيادة فلسطينية جديدة يقدمها الشعب للمواجهة، وليس من شخصيات السلطة الحالية".
كما أعرب عن أسفه من أن هناك بعض قرارات السلطة وأنشطتها قد تدعم قضية ضم الضفة الغربية، مثل قرار سلطة النقد بإجبار كل العاملين في الأعمال الحرة على فتح حسابات مصرفية، إضافة إلى موظفي السلطة ومؤسساتها، وبالتالي السيطرة الكاملة على كل فرد في الضفة الغربية. وهذا القرار ربما يأتي من رحم التحول بالشيكل إلى عملة رقمية، أي يمكن مراقبة كل حسابات الفلسطينيين، الداخل والخارج، والسيطرة والمنع والخنق لكل فرد فلسطيني. وهذا يؤسس أيضًا لعملية السيطرة على الحسابات والاستحواذ على الأموال حين تجد إسرائيل خطورة في أي من تلك الحسابات، أي يمكن تهريب رأس المال للخارج وهروب رجال الأعمال، كعملية تفريغ ممنهجة للضفة من طاقاتها المالية والديموغرافية.










